أحيا الفلسطينيون أمس الذكرى الواحدة والستين لنكبة فلسطين التي تصادف اليوم الجمعة الخامس عشر من مايو، والتي تسببت في أكبر جريمة في التاريخ الحديث، وهي جريمة اقتلاع شعب من ارضه وتهجيره من دياره عام 1948 على أيدي اليهود الذين يسعون من ذلك الوقت الى محاولة محو ذاكرة هذا الشعب واسقاط حق اللاجئين في العودة الى ديارهم ورغم ثقل الكارثة التاريخي، والتداعيات الناجمة عنها، من تهويد واسع للاراضي الفلسطينية خاصة الضفة الغربية والقدس المحتلة التي يقطعهما الاستيطان والجدار العنصري، والرفض الإسرائيلي الواسع لعودة اللاجئين، إلا ان كل هذا لم يدفع الفلسطينيين إلى تنحية خلافاتهم وإنقساماتهم الداخلية، والتي ظهرت للعلن في هذا اليوم وتمكنت من تصدر المشهد السياسي بوضوح.
مسيرة: وشارك مئات الفلسطينيين أمس في مسيرة وسط مدينة رام الله في الضفة الغربية احياء لذكرى النكبة. وحمل مشاركون في المسيرة من اطفال ونساء وطلبة مدارس صورا قديمة عن تهجير الفلسطينيين في العام 1948، ولافتات كتب عليها «لا سلام دون عودة اللاجئين الى ديارهم» و«نعم لحق العودة» و«تستمر النكبة». وانطلقت المسيرة من امام ضريح الرئيس الراحل ياسر عرفات، وتقدمتها فرق كشفية وشخصيات سياسية فلسطينية، وتوجهت الى وسط المدينة حيث جرى مهرجان خطابي وقال عضو اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير الفلسطينية عبد الرحيم ملوح امام المشاركين في المسيرة «نحيي معا اليوم ما هو حي في قلوبنا منذ واحد وستين عاما، ذكرى تهجير شعبنا». واضاف «نجدد عهدنا القديم والجديد ونقول لابنائنا واحفادنا كما قال اجدادنا، هذه ارضنا وهذا وطننا». وقال عضو اللجنة العليا لاحياء ذكرى النكبة عمر عساف ان «فعاليات احياء الذكرى هذا العام ستتضمن ورشا وندوات وفعاليات جماهيرية ورياضية مختلفة في مختلف الاراضي الفلسطينية».
دعوة للوحدة
وفي جنين دعا المشاركون في المهرجان الجماهيري الذي نظمته اللجنة الوطنية لإحياء ذكرى النكبة الواحدة والستين إلى ضرورة إنهاء حالة الانقسام الداخلي، وتعزيز المصالحة الوطنية، في سبيل تحقيق الأهداف الوطنية وعلى رأسها حق العودة وتقرير المصير».
وحمل المشاركون في المهرجان الأعلام الفلسطينية، وصور الشهداء والأسرى، ورددوا الهتافات التي تؤكد حق العودة، وطالبوا بتفعيل قرارات الشرعية الدولية، ومضاعفة جهودها لتفعيل قضية اللاجئين، والعمل على حمايتهم ووقف تدهور أوضاعهم.
وألقى نجل الشهيد معتصم الصباغ كلمة اللجنة الوطنية لإحياء ذكرى النكبة، قال فيها، «إن ذكرى النكبة الحادية والستين تأتي وقضيتنا الوطنية تمرّ بأحلك ظروفها، تأتي هذه الذكرى وشعبنا يعتصر ألماً ودماً على حالة التشرذم والانقسام الفلسطيني، تأتي هذه الذكرى في ظل صعود حكومة إسرائيلية جديدة تعتبر الأكثر تطرفاً وتنكّراً لحقوق شعبنا».
وحملت اللجنة الوطنية لإحياء ذكرى النكبة الواحدة والستين بمحافظة جنين، في بيان وزعته خلال المسيرة، الاحتلال الإسرائيلي المسؤولية الكاملة، عن ما حلّ بالشعب الفلسطيني إثْرَ نكبة عام 1948 ، وما لحق به من اغتصاب الأرض واللجوء والتشريد والعذابات.ودعا البيان «المجتمع الدولي ومؤسساته الرسمية، الوقوف على مسؤولياتها تجاه استمرار مأساة ومعاناة أبناء شعبنا، وإلزام إسرائيل بتنفيذ قرارات الشرعية الدولية ذات الصلة».
وأضاف إن «قضية اللاجئين الفلسطينيين وتشريدهم هي جوهر الصراع الإسرائيلي الفلسطيني، وان قضيتهم وحدة واحدة لا تتجزّأ، وان حق العودة إلى الديار الأصلية حق مقدّس وثابت، غير قابل للتصرف ولا يسقط بالتقادم، ولا تجوز فيه الإنابة أو التفويض أو المقايضة».
انقسام
ورغم هذا الوفاء الكبير للمناسبة في الضفة الغربية، الا ان الوضع في قطاع غزة كان مغايرا تماما، حيث اعلن مسؤول في هيئة العمل الوطني في القطاع ان «الشرطة التابعة للحكومة المقالة التي تقودها حركة حماس منعت اللجنة الوطنية لاحياء ذكرى النكبة من اقامة اي فعاليات في جميع انحاء القطاع».
وقالت اللجنة التي تضم فصائل منظمة التحرير وبينها حركة فتح في بيان صحافي انها «تعبر عن استنكارها لهذا القرار وتعتبره طعنة موجهة لحق العودة والحيلولة دون قيام ابناء شعبنا في الدفاع عنه والتمسك به امام مخاطر الشطب والتصفية، كما انها تعتبره تراجعا عن المناخات الايجابية التي وفرتها مسيرة الحوار الوطني للخروج من حالة الانقسام التي عانى منها شعبنا طويلا».
كما اتهم الناطق باسم حركة «فتح» فهمي الزعارير حركة «حماس»بمنع عناصرها في قطاع غزة من المشاركة في مسيرة لإحياء ذكرى النكبة. وقال الزعارير في بيان صحافي: «استدعت حماس عددا من عناصر فتح بهدف الضغط لوقف مشاركة فتح في المسيرة كما بلغت هيئة العمل الوطني التي تنظم المسيرة بحظر مشاركة الفتحاويين في النشاطات السياسية في القطاع». وأكد الزعارير تمسك حركة «فتح» بحقوق الشعب الفلسطيني وفي مقدمتها حقه في العودة.
واتهمت حركة فتح أجهزة أمن الحكومة الفلسطينية المقالة التي تديرها «حماس»بقطاع غزة باعتقال ثلاثة من عناصر الحركة في المنطقة الوسطى من القطاع. وقالت الحركة في بيان صحافي: «شن مسلحو حماس حملة اختطافات واسعة لأعضاء أقاليم المنطقة الوسطى وذلك تزامناً مع فعاليات ذكرى إحياء النكبة».
احتجاج فصائلي
واستنكرت جبهة النضال الشعبي الفلسطيني منع «حماس» المسيرات الجماهيرية التي دعت إليها اللجنة الوطنية العليا لإحياء ذكرى النكبة في غزة. وقالت الجبهة، في بيان إن «هذه الممارسات التي تقوم بها الأجهزة الأمنية التابعة لحركة حماس من منع المسيرات الوطنية لإحياء ذكرى النكبة يكرس حالة الانقسام في الشارع الفلسطيني، والذي يعكس بظلاله على العمل الوطني والوحدوي». وعبرت عن شديد غضبها من هذا الإجراء، واعتبرته «ضربة لكل الجهود المبذولة لإنهاء الانقسام وتحقيق المصالحة واستعادة الوحدة».
من ناحيته قال حزب الشعب الفلسطيني، في بيان له، في الذكرى ال61 للنكبة، إن «مواجهة المخاطر المتزايدة التي تواجه شعبنا وقضيتنا تتطلب الإسراع في إنهاء حالة الانقسام التي تعصف بالساحة الفلسطينية واستعادة الوحدة الوطنية الفلسطينية، عبر الحوار الوطني الشامل». وحذر الحزب من استمرار المماطلة في الحوار وتحويله إلى عملية مستمرة، داعيا إلى اعتماد العملية الديمقراطية وصندوق الاقتراع طريقا لإنهاء الانقسام واستعادة وحدة الوطنية الفلسطينية، باعتبارها الطريق الوحيد لمواجهة المخاطر والتحديات التي توجه شعبنا.
والواقع ان الذكرى ال61 للنكبة تأتي في وقت تمر فيه القضية الفلسطينية بمنعطف خطير للغاية، إذ تتولى السلطة في إسرائيلية حكومة يمنية متطرفة، تضع نصب أعينها تمزيق فرص إحلال السلام في المنطقة عبر رفضها الالتزام بحل الدولتين،وتصر على ان تتوسع استيطانيا في كل شبر من الاراضي الفلسطينية، بحيث تصبح الدولة الفلسطينية المستقبلية حال قيامها مجرد كانتونات غير متصلة على الاطلاق.
هذا عن الاستيطان، أما في مجال عودة اللاجئين والمنصوص عليه في القرارات الدولية إضافة الى المبادرة العربية للسلام، فان حكومة نتانياهو تحاول بشكل جاهد إفراغ هذه القرارات والمبادرات من مضمونها الاساسي عبر رفضها حق عودة اللاجئين الى ديارهم، والفوز بتأييد دولي.. وأيضا عربي لهذه الخطوة وهو ما لن يتحقق أبدا.
«مش للبيع».. حكاية 6 عقود في 27 دقيقة
«مش للبيع ».. فيلم وثائقي للمخرج الفلسطيني جبريل أبو كميل أنتج مؤخرا لتسليط الضوء على حياة الفلسطينيين بعد أن هجروا من أرضهم عنوة تحت تهديد السلاح الإسرائيلي إثر نكبة عام 1984 من خلال تسليط الضوء على أن الفلسطينيين يتوارثون النكبة من جيل إلى جيل بعد أخد شهادات لمن عاشوا هده النكبة الجديدة من الأطفال والكبار.
يسلط الفيلم الذي تستغرق مدته 27 دقيقة الضوء على حالتين، أحدهما طفل لاجئ من مخيم الشاطئ ويعمل بائعا متجولا بالمخيم بعد عودته من المدرسة ليساهم في تيسير لقمة العيش لأسرته المكونة من 11 فرداً وطفل فلسطيني آخر يعيش من مخيم برج البراجنة بلبنان حيث يعمل ميكانيكي سيارات مع والده إلى جانب مدرسته محاولا تحقيق أحلامه.
وحول السبب الذي دفع أبو كميل لعمل هذا الفيلم قال: «عندما كنت أسير في احد المخيمات للاجئين لفت انتباهي طفل كان يتجول بين أزقة مخيم الشاطئ ويحمل (شيبس وعلكة)، ويحمل كتابه بيده ويقرأ، هذا المشهد أثر بي كثيرا واستوقفني». وقال أبو كميل حاولت التقرب من الطفل لأفهم قصته والتعرف على طموحه فقررت عمل فيلم وثائقي يكون هذا الطفل بطلا له في محاولة مني لنقل معاناة الأطفال الفلسطينيين الذين يتوارثون النكبة من جيل إلى جيل تصل إلى العالم بأسره.
رام الله ـ محمد إبراهيم - غزة ـ ماهر إبراهيم

