نعلم أن الحياة يمكن أن تبدأ مرة ثانية وربما ثالثة عندما نقرر لها ذلك من دون النظر إلى أي معوقات أخرى يمكن أن تقف أمام الانطلاقة نحو أفق جديد، كيف نجد أنفسنا في علاقتنا مع الحياة الجديدة دون اعتبار لشهادات الميلاد؟ كثير من الأشخاص لا يحبون أن يقال عنهم إنهم وصلوا إلى نهاية الطريق، لأن ذلك يعني جمود التفاعل والتجربة مع الحياة، والأمر عند من أحبوا وأخلصوا للوطن لا يقاس بعدد السنين التي خدموا فيها بقدر ما يقاس بالمنجزات التي حققوها وخاصة مع بدايات تأسيس دولة الاتحاد والنهضة الحضارية الكبرى التي شهدتها الدولة سعياً نحو التغيير لتحقيق رفاهية المواطنين والمقيمين والمستثمرين.
البعض منا له تاريخٌ حافلٌ من العطاء والانجازات وحب الوطن، وضيفنا اليوم، كان مثالاً للموظف المخلص عبر مسيرة امتدت 28 عاماً بدأها موظفاً بقسم المشتريات والمخازن عام 1980 بوزارة العدل وتدرج في المناصب والدورات التدريبية، وخرج منها رئيساً لقسم الموارد البشرية في العام 2007.
«حصاد العمر» نستضيف اليوم، فيصل محمد عبدالجبار العلي، الذي نصح الجميع أن يعدوا أنفسهم جيداً والعمل في مجال تخصصهم لتحقيق الرضا الوظيفي، وزيادة الإنتاج والاهتمام بالعطاء المتجدد للوطن والأمة.
العلي عاصر خمسة وزراء عدل، وهو من مواليد أبوظبي عام 1958وهو أب لثلاثة أبناء شابين وفتاه، أحدهما يعمل مديراً لمكتب رئيس المحكمة الاتحادية العليا والآخر مهندساً، والعلي، خريج مدرسة حمزة بن عبدالمطلب الواقعة في منطقة بني ياس بأبوظبي ولم تسمح له الظروف بإكمال دراسته الجامعية، وكان رئيساً لفريق كرة القدم بالوزارة وحقق بطولات على أشهر الفرق الحكومية «فرق الدوائر والوزارات والهيئات الحكومية» وكان يقوم بدور مراجع وباحث عن وظيفة في العديد من الوزارات للوقوف على تعاملها مع الراغبين في العمل، بهدف تطوير الأداء في وزارة العدل، وحبه لعمله كان يضطره إلى تأجيل مواعيد الأطباء له ولأفراد أسرته في كثير من الأحيان، وفيما يلي نص الحوار:
كيف بدأت حياتك العملية؟
بدأت حياتي العملية في وزارة العدل في الثالث والعشرين من يناير 1980 بعد تخرجي من المرحلة الثانوية حيث عملت بداية حياتي في قسم المشتريات والمخازن وكان عددنا لا يتجاوز ثلاثة موظفين في ذلك القسم في حينها وكنا مكلفين بإعداد احتياجات الوزارة والمحاكم والنيابات بكل ما تحتاج من لوازم قرطاسية وأثاث وخلاف ذلك من أجهزة محاسبية وأدوات أخرى، وذلك لمدة ثلاث سنوات، انتقل بعدها للعمل رئيساً لقسم الموارد البشرية.
ما هي طبيعة عملك؟ وما الوظائف التي تدرجت بها؟
طبيعة العمل في الموارد البشرية، تختلف كلياً عما هو معمول به في قسم المخازن والمشتريات واستطيع هنا أن ألخص لكم طبيعة عملي على النحو التالي: تحديد مهام كل موظف في القسم وتكليفه بأعمال محددة وترك المجال للإبداع في تنفيذ ما يطلب منه، مراجعة الانجازات كل فتره والوقوف على السلبيات قبل الإيجابيات لتلافيها في المرات المقبلة، الإشراف على إعداد ميزانيات الإدارة «إدارة المواد البشرية»، العمل على صياغة قرارات لجنة شؤون الموظفين واللجان المعنية بالموارد البشرية، العمل على إعداد النماذج المتعلقة باحتياجات الوزارة من الوظائف والترقيات والترفيعات ومتابعة حالات التقاعد والاستقالات والإعارة والنقل.
التعرف إلى مشكلات الموظفين وتوفير بيئة عمل مناسبة، إعداد برامج التوطين واستقبال الموظفين الجدد، التنسيق مع الجهات ذات العلاقة لتوصيف الوظائف وملء الشواغر، الإشراف على نماذج الأداء الوظيفي لعرضها على المختصين وكبار المسؤولين بالوزارة، إصدار شهادات لمن يهمه الأمر، وشهادات الرواتب، تحديد أسماء المرشحين للمنافسة على الوظائف، التعرف إلى بيوت الخبرة والاستشارات الإدارية لتأهيل الموظفين وتدريبهم وانتهينا من التوصل إلى نظام بيانات متكامل لجميع العاملين بالوزارة.
كيف تنظر لطبيعة عملك وما وصلت إليه؟
أنظر إلى طبيعة عملي بأنها كانت من صلب حياتي وما حققته أفخر واعتز به، خاصة وأنني لم أكن انتهي من عملي «دوامي» في الساعة الثانية والنصف بل كنت أحمل هموم العمل والموظفين إلى منزلي وأوقات فراغي ولا أذكر أنني في يوم من الأيام قد دخلت في خصومة مع أحد من المسؤولين والموظفين.
هل حققت الأهداف المرجوة من عملك؟
العمل له بداية وليس له نهاية وهكذا الطموح والرضا وتحقيق الأهداف تنموا وتتجدد من مرحلة عمرية إلى أخرى وحسب المتطلبات والواقع، ولكن بالعموم أشعر بأني حققت بعض طموحاتي من خلال العمل الوظيفي أو العمل التطوعي، حيث كنت أعمل رئيساً لفريق كرة القدم بالوزارة، وحققنا في سنة واحدة من عمر الفريق بطولات على فرق «دوائر حكومية» يشهد لها بمثل هذه الرياضات.
ما الذي كنت ترغب في تحقيقه قبل مغادرة الوظيفة العامة؟
تمنيت قبل مغادرة وظيفتي العامة تحقيق كامل السعادة والراحة لجميع الزملاء في أعمالهم وتحقيق الرضا الوظيفي في ظل منظومة الكترونية متكاملة الخدمات، تقدم للموظف وراغب الحصول على الوظيفة أريحه كاملة في تحقيق ما يريد.
صف لنا دوام أول يوم في العمل وآخر يوم عندما غادرت الوظيفة؟
كنت سعيداً جداً في أول يوم عمل، حيث بدأت وظيفتي العملية على الدرجة الثامنة وخرجت منها بالدرجة الثانية.
كيف هيأت نفسك للتقاعد قبل أخذ قرار التقاعد وبماذا تنصح الآخرين؟
لم يكن قرار تقاعدي مفاجئاً وكنت هيأت نفسي في وقت مسبق لمثل هذا اليوم، حيث تقدمت باستقالتي لأسباب شخصية.
ما النصائح التي تقدمها للموظفين الذين هم على أبواب التقاعد؟
أنصح الجميع أن يقوموا بإعداد أنفسهم جيداً والتفكير في العمل في المؤسسات الخاصة في مجال تخصصهم والعمل العام حتى يظل عطاء الإنسان متجدداً للوطن والأمة، والاستفادة من خبرات من سبقوهم بالعمل ومحاولة تطوير العمل دوماً من خلال ممارسات إبداعية تساعد على تطوير العمل وراحة الموظفين وتحقيق نسبة رضا وظيفي لا تقل عن 100%.
ما طبيعة عملك الحالي؟
أعمل حالياً على إنشاء مؤسسة مقاولات عامة، لتحقيق بعض المكاسب، وإنجاز ما لم أنجزه من خلال الوظيفة العامة.
ما الحكمة التي تود قولها لقراء «البيان» ومحبيك؟
لا تجعلوا من الراتب هدفاً للعمل وطاعة الله والإخلاص في العمل ثروة لا يقدر قيمتها سوى المخلصين لوطنهم وأمتهم.
ما اثر الشهادة الجامعية في حياتك؟
الشهادة الجامعية ما هي إلا بداية الطريق وحجر الأساس للعمل، لكن الثقافة وسعة الاطلاع هما الأهم لتعميم الفائدة والعطاء مع الأخذ بعين الاعتبار المواظبة على حضور الدورات التدريبية والاستفادة من ثورة المعلومات وتكنولوجيا الاتصال في الاطلاع على أحدث المعلومات المتعلقة في مجال التخصص والعمل بما يخدم الواقع والوطن.
ما نصيحتك للموظفين الجدد؟
أنصح كل منهم أن يسأل نفسه لماذا اخترت الوظيفة، وما مدى مقدرتي على العطاء وهل تحصيلي العلمي يكفي لمثل الوظيفة التي أطمح بالحصول عليها، والتعامل مع المرؤوسين والمديرين بالطرق الإيجابية التي تطور العمل وتخدم المجتمع وألا يتوقع أحد منهم ان طريق التوظيف مفروش بالورود.
هل لك أن تذكر لنا بعض المواقف الصعبة التي مررت بها؟
في بعض الأحيان تعاني من شخص قد لا يفهم تخصصك وطبيعة عملك ويظن أن إسقاط اسمه من ترقية أو ترفيع يكون مقصوداً، رغم أننا كنا نحرص على تسكين الوظائف وترقية الموظفين بشكل عادل لأن ذلك العمل أمانة في أعناقنا وإن كان إرضاء الناس غاية لا تدرك.
لو عاد الزمن بك للوراء، هل ستختار الوظيفة نفسها؟ وماذا تتمنى أن يتغير؟
لقد كنت طوال فترة عملي السابق سعيداً بعملي، ولو عاد الزمن بي للوراء لاخترت ذات الوظيفة ولكن متسلحاً بشهادة جامعية ودورات تدريبية في الجودة والتميز الذي يحقق المزيد من الانجازات للمكان الذي سوف أعمل به.
كيف ينظر أبناؤك لطبيعة عملك؟
كانوا سعداء جداً بعملي ولن أبخل عليهم وعلى الشباب جميعاً بأيه نصيحة لخدمة الوطن ومواطنيه.
هل تعتقد أنك تلقى التقدير الذي تستحقه من المجتمع والأصدقاء وزملاء العمل السابقين؟
نعم، مازالت تربطني علاقات صداقة وتبادل زيارات مع العديد من الأصدقاء وزملاء العمل وبيننا محادثات هاتفية في معظم المناسبات ولله الحمد.
هل لك أن تذكر لنا مواقف طريفة في حياتك الوظيفية؟
من أغرب المواقف أنني كنت متردداً في تقديم استقالتي والكل نصحني بالعدول عن ذلك ولكنني اتخذت قراري الذي أعتبره القرار الصائب في حياتي لما وفر لي من راحة نفسية وهدوء من ضغوطات العمل.
ما المهام الأخرى التي أوكلت لك أثناء عملك بوزارة العدل؟
كنت عضواً في لجنة شؤون الموظفين والتي كانت تضم وكلاء الوزارة المساعدين ورؤساء المحاكم والمحامي العام وبعض رؤساء الأقسام، بالإضافة أنني كنت عضواً في مجلس التأديب.
هل لنا أن نعرف المهام التي تعتز بها؟
ولله الحمد، لقد تركت وزملائي بالقسم منجزات تعتد بها وزارة العدل وهي اليوم جزء من خطتها الاستراتيجية لتطوير الأداء خاصة وأننا أدخلنا بيانات جميع الموظفين إلى الحاسب الآلي وحققنا سهولة التواصل مع المحاكم والنيابات خاصة وأن وزارة العدل وفي أكثر من مرة كانت تضم الشؤون الإسلامية والأوقاف.
أهداف
مبادرات لتحديد المسؤوليات والمهام
قال فيصل محمد عبدالجبار العلي إن إدارة الموارد البشرية بوزارة العدل قدمت مبادرة لعشر سنوات تشمل أعضاء السلطة القضائية والأطباء الشرعيين والمترجمين والخبراء والمحامين وذلك بهدف تحقيق: الرضا الوظيفي لمختلف الوظائف، حصر كافة فئات العاملين، تصنيف الوظائف والمهام وتحديد المسؤوليات والصلاحيات. وأشار إلى أنها تهدف إلى دراسة الحاجة الفعلية لكل قطاع، محو أمية الحاسب الآلي لدى فئات أعوان القضاة وموظفي ديوان الوزارة والقطاعات التابعة لها في المحاكم الاتحادية والنيابات.
أبوظبي ـ إبراهيم السطري