طالب عدد من الباحثين في الدولة بضرورة إيجاد هيئة وطنية لرعاية البحث العلمي في الدولة ، وتعزيزها بكفاءات علمية وادارية وتبنيها الكامل من جميع المؤسسات الوطنية كمصدر ثروة علمية تبني الإنسان مع بناء الأوطان.
وقالوا ان مجمل الناتج العلمي الطبي في الدول العربية مجتمعة لا يتجاوز 5,0% من الناتج العلمي الطبي على المستوى العالمي ، مشيرين الى ان دور المؤسسات الصحية والتعليمية الخاصة في عملية البحث الطبي تكاد تكون معدومة لأسباب عديدة منها إنشغال المؤسسات الصحية الخاصة بالتنافس في تقديم الرعاية الصحية الأفضل عن طريق استقدام كفاءات دولية جاهزة والقفز على فكرة تبني البحوث العلمية والتي ترتبط دائماً بمتطلبات مالية وبشرية وزمنية مرتفعة ولا تحقق نتائج أو مكاسب على المدى القريب.
ولإلقاء الضوء على هذا الموضوع التقينا الدكتورة نسرين بيسار ، من كلية الطب بجامعة الشارقة، والدكتور غازي تدمري، المدير المساعد بالمركز العربي للدراسات الجينية المتفرّع عن جائزة الشيخ حمدان بن راشد آل مكتوم للعلوم الطبية ، وسألنا بداية الدكتور تدمري عن نوعية البحث الطبي في الدولة وهل يرقى إلى المستويات العالمية؟ فاجاب : من الصعب اختصار الإجابة عن هذا السؤال حيث أن مسألة تقييم البحث العلمي لا يمكن إخضاعها لعمليات حسابية والاكتفاء بذلك.
لذلك حاولنا من خلال الدراسة التي قمنا بها تقصي هذا الأمر باعتماد أكثر من معيار كان منها نسبة نشر نتائج البحوث الطبية في دولة الإمارات في الدوريات الطبية العلمية المنشورة دولياً والتي لا ترقى إلى المستوى الذي نأمله حيث أن العديد من نتائج تلك البحوث ظهرت في مجلات إقليمية ودولية محدودة النفاذ. وقد يعود السبب في ذلك إلى اقتصار معظم البحوث الطبية في الدولة على دراسات إحصائية أو ميدانية أو إكلينيكية لحالات صحيّة محددّة وغياب البحوث الأساسية التي تعدّ عصب التطور العلمي في المجتمعات المتقدّمة. ومن هنا تقل فرص الباحثين في التنافس على نشر نتائجهم في مجلات طبية ذات قدرات كبيرة على النفاذ.
ولكن نجد من جهة أخرى أن البحث الطبي في الدولة موجه إلى المشكلات الطبية الأبرز في المجتمع مثل اضطرابات الحمل والولادة، ومرض السكّري، وأمراض الكلى، والأمراض الجلدية، وزواج الأقارب، وأمراض الكبد، وغيرها من الأمور التي تجعلنا نثني على الباحثين لمحاولتهم دراسة تلك المشاكل محلياً بغية تقديم ما هو أفضل للمجتمع الإماراتي. ولكن لا بد وأن نشير إلى النقص الواضح في عدد الدراسات المتقدمة والمعتمدة على التقنيات الحديثة.
فبخبرتي من خلال بناء قاعدة البيانات الخاصة بالأمراض الوراثية في الشعوب العربية والتابعة للمركز العربي للدراسات الجينية نجد أن أكثر من 80% من تلك الأبحاث لا يتجاوز التوصيف السريري أو الإكلينيكي للحالات المرضية وأن 20% من تلك الأبحاث فقط وصلت إلى تحديد الخطأ الجيني المتسبب بتلك الحالات. ومعظم تلك الدراسات المتقدمة صدر من بلدان أجنبية عن مرضى عرب.
وفي بعض الدراسات تعاون العلماء العرب مع مؤسسات دولية لسبر الأسس الوراثية لتلك الأمراض، ولكن نأسف أن نرى أنه في معظم تلك الحالات اقتصر دور العلماء العرب على إرسال العينات للخارج ليجري علماء أجانب البحوث عليها. ونرجو أن يتغير هذا الواقع قريباً حيث يصبح التعاون العلمي مبنياً على أسس الندّية المتكافئة لضمان حق إبراز الدور العلمي العربي بالشكل المطلوب.
وهل توصلّتم إلى تفسير لوصول النتاج البحثي الطبي في دولة الإمارات إلى سقف لا تتجاوزه منذ عشر سنوات وحتى الآن؟
د. غازي: تبيّن بنتيجة البحث انحصار أكثر من 70% من مجمل البحوث الطبية في الإمارات بمدينة العين تليها مدينة أبو ظبي (12%) ودبي (11%) والشارقة (5%). وفي تفصيل هذه الملاحظة نجد أن حوالي 60% من البحوث الصادرة من الدولة ظهرت من جامعة الإمارات، وبالأخص من كلية الطب والعلوم الصحية، وبالتحديد من أقسام طب الأطفال (7%) والطب النسائي والتوليد (5%) وعلوم وظائف الأعضاء (4%) وطب المجتمع (4%) وغيرها.
ولم يظهر أي دور ملموس للمؤسسات الصحية أو التعليمية الأخرى في الدولة في هذه الإحصائيات، على عكس ما وجدناه في لبنان من حيث توزّع تلك الأدوار على العديد من المؤسسات التعليمية والصحية الخاصة كالجامعة الأميركية في بيروت والجامعة اليسوعية ومستشفى أوتيل ديو وغيرها. ولا يصل الأمر إلى هذا الحد.
وسألنا الدكتورة نسرين بيسار عن كيفية جمع المعلومات حول البحوث الطبية في الدولة ، فقالت : المصدر الرئيسي لحصيلة البحوث الطبية العالمية هو فهرست البحوث الطبية الدولية المعروف باسم بابميد والذي طوّر الدكتور غازي تقنيات برمجية فيه خلال السنوات الثماني الماضية وتمكننا من استئصال البحوث الطبية للدول العربية من أصل 18 مليون بحثٍ دولي مفهرس.
وبنتيجة هذه الطرق تمكنّا من نشر العديد من الدراسات التفصيلية حول واقع البحوث الطبية في دول عربية كالمملكة العربية السعودية وفلسطين وغيرها. بل ان أحد تلك البحوث تناول واقع البحث الطبي في دول العالم العربي كافة وأسس لطرق حديثة لتقييم ودراسة النتائج الواردة من كل دولة، وهذا ما دفع بالمجلّة الدولية المرموقة جفَكمُّ لقبول ونشر البحث في أقل من ثلاث أسابيع وذلك في عددها الصادر في شهر نوفمبر من العام 2003.
ونجد مع الأسف أن مجمل الناتج العلمي الطبي في الدول العربية مجتمعة معاً لا يتجاوز مقدار 5,0% من الناتج العلمي الطبي على المستوى العالمي. وهو أمر محزن نراه الآن بعدما قام العلماء العرب في التاريخ بأدوار ذهبية أسست لمجمل العلوم الطبية حاليا.
وسألناها عن سبب المقارنة بين دولة الإمارات ولبنان في الدراسة ؟ فقالت : وقع هذا الاختيار لعدّة أسباب منها التقني البحت لإثبات براعة الطرق المستخدمة في الدراسة في الغوص في تفاصيل البحوث الطبية في الدول العربية وإمكانية إظهار التباينات في ما بينها من حيث أعداد تلك البحوث ونوعيتها والاهتمامات البحثية المحلية في كلّ من تلك الدول.
أمّا الأسباب التي دفعتنا لاختيار لبنان للمقارنة مع دولة الإمارات فتتلخّص فى التشابه الديموغرافي في الدولتين من حيث عدد السكان والتوافق الاجتماعي من حيث انفتاح كلّ من البلدين على المجتمع العالمي مما يحفّز عملية التعاون الدولي في هذا المجال الحيوي كما أشير أيضاً إلى التطوّر الملفت في البحوث العلمية الصادرة عن الدولتين في العشرين عاماً الماضية.
وما هي النتائج السريعة التي يمكن استخلاصها من البحث؟
أوضحت الدراسة تبايناً واضحاً في التطور الكمّي للبحوث الطبية الصادرة في لبنان ودولة الإمارات العربية المتحدة حيث نلاحظ تطوراً مستمراً في هذا المجال في لبنان منذ العام 1991 وحتى يومنا هذا بينما نجد أن البحث الطبي في دولة الإمارات وصل إلى سقف لا يراوحه منذ العام 1997.
نوّه البحث بالمجهود العلمي في جامعة الإمارات في الدولة ولكن أشار إلى نشاط أكبر للمؤسسات الخاصة في لبنان في تلك الفترة. فما هو مقدار مشاركة المؤسسات الخاصة في البحوث الطبية في الدولة؟
د. غازي: شكّلت المؤسسات الصحية والتعليمية الخاصة بلبنان صمام الأمان الذي حفظ البحث الطبي من الإنكماش، بل ودفعه إلى التطور الكبير الذي نراه حالياً وذلك لتوفّر المقدرات البشرية والمادية لإجراء البحوث في فترة دامية شهد فيها لبنان حرباً طويلة عصفت بكل مقدراته تقريباً. أما في الإمارات فنجد أن دور المؤسسات الصحية والتعليمية الخاصة في عملية البحث الطبي يكاد ينعدم.
وقد يُعزى هذا لأسباب عديدة منها انشغال المؤسسات الصحية الخاصة بالتنافس في تقديم الرعاية الصحية الأفضل عن طريق استقدام كفاءات دولية جاهزة والقفز على فكرة تبني البحوث العلمية والتي ترتبط دائماً بمتطلبات مالية وبشرية وزمنية مرتفعة ولا تحقق نتائج أو مكاسب على المدى القريب.
أمّا المؤسسات التعليمية الخاصة في الدولة فأغلبها يخلو من كليات طب أو صحة عامة أو حتى كليات علوم وذلك للتكلفة العالية لإنشاء تلك الكليات مقارنة مع مصاريف سنوية باهظة للحفاظ على مقدراتها بل وتنميتها لتتماشى مع المستويات العالمية وهذا لا يتوافق مع سياسات تلك المؤسسات الرامية إلى التنافس التجاري فيما بينها.
على الرغم من الصورة القاتمة لهذا الموضوع هل هناك أمل للخروج قريباً من هذا النفق؟
د. نسرين: نعم، أجد أن هناك تغيراً بدأ بالحدوث مع التأسيس لكليات طبية خارج إطار جامعة الإمارات. فجامعة الشارقة مثلاً تشتمل على ثاني أكبر كلية طب في الدولة ولديها المقومات البشرية والمادية الكافية للانطلاق بعمليات البحث العلمي قريباً حين تكتمل الدورة التعليمية في الكلية مع تخريج الدفعة الأولى من الطلاب العام المقبل بإذن الله، والذي سيشهد أيضاً انطلاق برنامج الدراسات العليا (ماجستير ودكتوراه) في الطب الجزيئي ضمن مركز متطور للبحوث الطبية الأساسية، وهو الأول من نوعه على المستوى الإقليمي، كذلك شارفت الجامعة على الانتهاء من بناء مستشفى تعليمي.
ولا ننسى الدور الكبير أيضاً لكلية العلوم الصحية بالجامعة والتي تشارك في عملية البحث العلمي في الدولة. الملفت أيضاً التأسيس لكليات طبية في عدد من الإمارات الشمالية كعجمان ورأس الخيمة. ونأمل أن تصل تلك المؤسسات إلى مرحلة الاهتمام بالبحث العلمي المطلوب.
هل هناك من دور لمؤسسات الدولة في إمكانية تحفيز البحث الطبي بالدولة؟
د. غازي: بالتأكيد، هذا هو الدور الطبيعي الذي نراه في كل دول العالم حيث نجد أن الاهتمام الرسمي بعملية البحث العلمي هو الحاضنة الأهم للنمو والتطور في هذا الميدان الحيوي إذ أصبحت الدول تقاس فيما بينها بمقدار مشاركاتها في المجتمع العلمي الدولي وقدرتها على تطوير مهاراتها في تقديم الرعاية الصحية الأفضل والمبنية على أسس علمية تمّ تطويرها محلياً للإجابة عن كثير من المشكلات التي لا يمكن أن تحل بمجرد استيراد حلول جاهزة لها. وهنا ألفت إلى وجود العديد من المبادرات الهامة التي ظهرت في الإمارات في السنوات العشر الماضية.
وتُعدّ جائزة الشيخ حمدان بن راشد آل مكتوم للعلوم الطبية المؤسسة الخاصة الأولى التي اهتمت بتحفيز البحث الطبي في الدولة بدعمها المادي لأكثر من 50 برنامج بحث طبي محلي. كذلك تم التأسيس لهيئات حكومية تتفرغ لتمويل البحوث العلمية الحيوية في الدولة.
ودُعِيتُ مؤخّراً لحضور اجتماع استشاري نظمته وزارة الصحة في دبي للتباحث في السبل الممكنة لرعاية البحوث الطبية على مستوى الدولة، والتي نادينا من خلالها بتأسيس هيئة وطنية لرعاية وتنظيم أمور البحث العلمي في الدولة. ومن شأن تفعيل هذه الهيئة تغيير واقع البحث العلمي بشكل جذري في حال تعزيزها بكفاءات علمية إلى جانب تلك الإدارية وتبنيها الكامل من جميع المؤسسات الوطنية.
تحفيز
تكريم الباحثين النشطاء في الدولة
كشف الدكتور غازي تدمري، المدير المساعد بالمركز العربي للدراسات الجينية المتفرّع عن جائزة الشيخ حمدان بن راشد آل مكتوم للعلوم الطبية عن أن البحوث الطبية في دولة الإمارات ترجع إلى عدد محدود من الباحثين لا يتجاوز العدة مئات بينما يصل هذا الرقم إلى 3 آلاف في لبنان، حيث أن ال10 باحثين الأكثر نشاطاً في دولة الإمارات مسؤولون عن ما لا يقل عن 15% من مجمل ما صدر من بحوث طبية في الدولة في العشرين سنة الماضية، الأمر الذي يدعونا إلى أهمية تكريم هؤلاء الباحثين ومحاولة إثراء المجتمع الطبي بدولة الإمارات بتحفيز دور الباحثين ودعم نشاطهم العلمي.
دبي ـ عماد عبد الحميد

