لا شك ان العطاء في الحياة لا يقتصر على عمر بعينه لان إرادة الإنسان وبما وهبه الله من عقل وحكمة وبما خبره وتعلمه في مسيرته، وبما قدمه لنفسه ووطنه يجعله بمنطق الأمور نهر عطاء لا يجف حتى وان توارى عن الكرسي أو اختار لنفسه منهج حياة جديداً. وكثير من الذين تركوا الحياة العملية والوظائف الحكومية هم شهود عيان على سنوات البناء والتحول التي شهدتها الدولة خلال السنوات الماضية حتى يومنا هذا.

في «حصاد العمر» نلقي مزيداً من الضوء على حياة أحد هؤلاء الرجال الذين شهدوا تلك الفترة وصنعوا أحداثها وكيف استطاع أن يطور نفسه ليتواكب مع ما أسند إليه من وظائف خلال تلك الفترة التي شارفت على الأربعين عاماً، وهو المواطن راشد إبراهيم بن شكر الزعابي الذي كان من أوائل من عمل «طباعاً» بوزارة الزراعة بفرع رأس الخيمة ثم رئيساً لقسم المستودعات ونائباً لرئيس قسم شؤون الأفراد، وكان معه الحوار التالي:

كيف بدأت حياتك العملية؟

بدأت حياتي العملية في العام 1970 حينما عملت بهيئة كهرباء رأس الخيمة قبل ضم الكهرباء إلى الهيئة الاتحادية وظللت أعمل فيها لمدة أربعة أعوام ثم التحقت في العام 1974 بوزارة الزراعة بوظيفة «طباع» وأنا من أوائل من اشتغل بهذه الوظيفة من المواطنين وكنت أجيد الكتابة على الآلة الكاتبة وأقوم بكتابة كافة المراسلات التي ترد من الوزارة إلى الفرع في رأس الخيمة.

إضافة إلى كتابة الشهادات والطلبات والرسائل التي كان الفرع يرسلها إلى الوزارة، وكان أول راتب لي في الوزارة 850 درهماً وكان معظم الموظفين في الوزارة حينئذ يعملون بنظام المياومة، ولكن مهارتي في الكتابة على الآلة الكاتبة كانت السبب في تعييني منذ أول شهر داومت فيه بالوزارة.

ما طبيعة العمل؟ وما هي الوظائف التي تدرجت فيها؟

كانت طبيعة عملي تمتاز بالسرية خاصة في المراسلات المهمة التي أقوم بكتابتها سواء الموجهة إلى الوزارة أو إلى الأقسام الداخلية بالفرع، وبعد مضي ثلاث سنوات تمت ترقيتي لأصبح رئيس شؤون المستودعات، ومع مرور الوقت تمت ترقيتي إلى نائب رئيس قسم الأفراد وكنت أقوم بمراقبة دوام الموظفين.

كيف تنظر إلى طبيعة عملك، وما وصلت إليه؟

العمل في وزارة الزراعة عمل شيق واختلاطي مع كافة شرائح المجتمع خاصة المزارعين والصيادين جعلني استفيد كثيراً في حياتي العملية وأضيف خبرات عملية بالتعامل مع هذه الفئات، وللحقيقة فان أصحاب المزارع كانوا على تواصل دائم مع الوزارة التي كانت تقدم لهم البذور والأسمدة الكيماوية والحراثة.

وكانت كل الخدمات تقدم إلى المزارعين بأجور رمزية، وكانت رأس الخيمة تنتج الكثير من الخضروات والفواكه التي كانت تباع في أسواق الإمارة وكان التجار يشترون هذه المنتجات ويبيعونها في دبي والشارقة وباقي إمارات الدولة، وكنا نفرح حينما نرى هذا الكم الكبير من الخضروات تخرج من الإمارة بشكل يومي.

هل حققت الأهداف المرجوة من عملك؟

نحن في بداية الشباب كان همنا هو العمل ولم نكن ننظر إلى الأمور بمنظار شباب اليوم الذي تسارعت فيه أحلامه وأهدافه مع نفس وتيرة الحياة التي تسارعت بشكل أكبر فنحن كان هدفنا في فرع الوزارة كل عام هو تقديم كافة الخدمات التي يطلبها المزارعون والصيادون، وكانت الوزارة تضع خطة العمل والأهداف المراد تحقيقها بناءً على احتياجات المزارعين والصيادين.

وفي هذا الصدد كانت الأهداف تجد دعماً كبيراً من قبل أصحاب السمو الحكام، لأن الاهتمام بالزراعة والصيد كان كبيراً خلال هذه الفترة، وكانت أهدافنا تولد ضمن الأهداف العامة لعملنا لأن الحياة كانت أبسط من اليوم وخالية من التعقيد، كما ان جيلنا تربى على حب العمل والإخلاص فيه واستطيع القول إن أحلامنا في هذه الفترة على المستوى الشخصي كانت بسيطة.

لم أصدق

صف لنا أول وآخر يوم عمل لك؟

في أول يوم عمل لي لم أصدق أنني أصبحت موظفاً وأحسست أن اليوم كان أطول يوم في حياتي ولم أكن أدرك هذا الكم من العمل الذي يلقى على عاتق الموظف وكنت أظن أن الموظفين لا يتعبون بالقدر اللازم وأنهم فئة مرفهة يذهبون لمجرد التوقيع، لكن العمل في وزارة الزراعة كان يحتم علينا بذل الجهد حتى آخر دقيقة في الدوام لأن عدد الموظفين كان قليلاً بالمقارنة بما كان يسند إليهم من أعمال.

أما آخر يوم عمل فقد تذكرت خلاله كل سنوات الخدمة في الوزارة كلها وجلست أتذكر وأحكي لزملائي كيف كنا نعمل في ظروف أصعب من الظروف الحالية بكثير خاصة بعد دخول التقنيات الحديثة والكمبيوتر مكان الآلات الكاتبة وأصبحت معظم المراسلات تتم عبر الانترنت والرسالة التي كانت تحتاج لأسبوع كامل للحصول على التوقيع والموافقة أصبحت اليوم تحصل على الموافقة في اليوم نفسه.

بعد سنوات عمل طويلة ما الحكمة التي خرجت بها؟

الحكمة التي خرجت بها من فترة العمل الطويلة بالوزارة هي أن العمل هو سبيلنا الوحيد للارتقاء والتقدم، فمن جد وجد ومن صبر نال، وان الدولة فعلت خيراً في اهتمامها بتعليم الشباب وتثقيفهم وتدريبهم بشكل مستمر، صحيح أن الخبرات لا غنى عنها لكن هذا العصر هو عصر العلم والتكنولوجيات الحديثة وأساليب الزراعة تطورت كثيراً والحمد لله أن الأجيال التي تسلمت الراية بعدنا كانت متسلحة بالعلم وهي قادرة الآن على مواكبة كل جديد في كافة المجالات.

فترة العمل

هل لك أن تلخص لنا خبرة 35 عاماً في جملة واحدة؟

لا استطيع أن اختزل فترة العمل في جملة واحدة لأن هذه الفترة شهدت التحول في كثير من الأمور، لكني استطيع القول إن الدولة استفادت كثيراً وتطورت بفضل تعليم شبابها وتدريبهم وتأهيلهم، وان من يغفل التعليم لن يكون له موطئ قدم خلال الفترة المقبلة.

ما الفائدة الثقافية أو الاجتماعية التي خرجت بها؟

أثناء عملي بالوزارة تعلمت الكثير من أساليب الزراعة وطرق الري والصيد بالإضافة إلى أنني أجدت استخدام الكمبيوتر نظراً لأني كنت أجيد الطباعة على الآلة الكاتبة، أما من الناحية الاجتماعية فإنني كونت صداقات لا حصر لها ونحن نتواصل بشكل مستمر ويومي.

بماذا تنصح الموظفين الجدد؟

الموظفون الجدد عليهم إثبات وجودهم فيما ينسب لهم من أعمال ونجاحهم الحقيقي سيكون من خلال بذل المزيد من الجهد في عملهم ورد الجميل لهذا الوطن الذي لم يبخل عليهم، بالإضافة إلى ضرورة حرصهم على تثقيف أنفسهم كل في مجاله بكل ما هو مفيد وجديد ويحقق لهم التميز في مجال عملهم والحرص على حضور الدورات التي تعقد لهم بصورة مستمرة.

كما أنصحهم بضرورة الصبر وعدم التسرع في اتخاذ القرارات ومساعدة الناس قدر المستطاع وعدم التعقيد والالتزام بآداب المهنة وما تمليه عليهم الوظيفة التي يعملون بها، إضافة إلى عدم ترك العمل إلا في الظروف القاهرة حتى لا تتعطل مصالح الناس.

ما هي أصعب المواقف التي تعرضت لها بالعمل، وكيف تعاملت معها؟

مواقف كثيرة تعرضنا لها خلال عملنا منها مثلاً تعطل نظام الري بالتنقيط او تعطل احد الجرارات الزراعية، وكنا نتعامل مع هذه الأمور بطلب المساعدة من مختلف الأقسام المتخصصة في ذلك.

ما هو أصعب قرار اتخذته في حياتك العملية؟

أصعب قرار اتخذته حينما تقدمت بطلب للتقاعد نظراً لأنني كنت أحب العمل كثيراً، لكن كما قلت طبيعية العمل تغيرت ونحن نعيش في عصر العلم والتكنولوجيا والأجيال الحالية لا بد أن تأخذ فرصتها كاملة وبعد أن رأيت أولادي يعملون في وظائف مرموقة وجدت نفسي لزاماً علي ان اترك العمل لأخذ قسط من الراحة، لكن للأسف ذلك لم يحدث وأنا عقب صدور قرار الموافقة على تقاعدي وجدت نفسي في فراغ ممل وفكرت في القيام بعمل آخر، للقضاء على الوحدة التي وجدت نفسي فيها وأنا أحب الصيد ولهذا قررت أن أمارس هذه الهواية بشكل يومي.

استفادة كبيرة

لو عاد الزمن للوراء هل كنت ستختار الوظيفة نفسها، وماذا تتمنى أن يتغير؟

نعم أنا استفدت كثيراً بالعمل في وزارة الزراعة، ولو عاد الزمان ـ وذلك لن يحدث ـ سألتحق بالوظيفة نفسها، وخلال عملي بوزارة الزراعة تعرفت على كثير من الأمور لم أكن لأعرفها لولا وجودي في هذا المكان، كما اكتشفت تعلق أصحاب السمو الحكام وحبهم للزراعة، وأنا شاهدت كثيراً المغفور له الشيخ راشد بن سعيد حينما كان يأتي إلى بيته في منطقة الخران ورأيت اهتمامه بالزراعة ومتابعته كل صغيرة وكبيرة وسؤاله عن المزارعين وعن زراعاتهم وعن المعوقات التي تقابلهم.

وقد انشأ رحمه الله طريق الشيخ راشد بن سعيد لخدمة أهالي المنطقة وخدمة لأصحاب المزارع، كما كان صاحب السمو الشيخ صقر بن محمد القاسمي عضو المجلس الأعلى حاكم رأس الخيمة يوجهنا دائماً بضرورة مساعدة أصحاب المزارع وتذليل كافة العقبات أمامهم للحفاظ على الزراعة في الإمارة لأنها كانت مصدر دخل للكثير من الاهالي.

كيف ينظر أبناؤك إلى طبيعة عملك؟

أبنائي ولله الحمد كلهم في وظائف مرموقة وحرصت على تعليمهم، وهم كانوا فخورين بي كوني موظفاً في وزارة كانت من أهم الوزارات التي لها علاقة بالتنمية في الإمارات بصفة عامة وفي إمارة رأس الخيمة بصفة خاصة.

ما هي خططك المستقبلية للعمل؟ وما هي أولوياتك؟

أنا كما ذكرت أمارس هوايتي في الصيد حالياً وأحياناً أصيد أسماكاً كثيرة وأقوم ببيعها ونظراً لعملي بوزارة الزراعة والتصاقي بالصيادين أصبحت لي خبرة طويلة بعملية الصيد، ولكن الثروة السمكية بالخليج العربي تأثرت كثيراً بعدة عوامل منها التلوث الناتج من ناقلات النفط والسفن العملاقة.

هل تعتقد أنك تلقى التقدير الذي تستحقه من المجتمع وأصدقائك؟

لا أظن أن أحداً من جيلنا لا يلقى التقدير والاحترام اللازمين من كافة أفراد المجتمع، ونحن بطبيعة الحال مجتمع تحكمه العادات والتقاليد العربية والإسلامية والتي يجد الكبير فيها قدره من الاحترام والتقدير من كافة أفراد المجتمع، أما الأصدقاء فأنا امتلك ولله الحمد مجموعة كبيرة من الأصدقاء تكونت عبر السنين التي قضيتها أثناء عملي بالوزارة وخارج الوزارة واليوم نلتقي بصورة مستمرة ويكن كل منا للآخر كل الاحترام والتقدير.

رأس الخيمة ـ محمد صلاح