حذرت هيئة البيئة بأبوظبي بمناسبة اليوم العالمي للمياه الذي صادف أمس من استنفاد مخزون المياه العذبة والمتوسطة الملوحة في الإمارة خلال 50 عاماً إذا ما استمرت معدلات الاستهلاك الحالية داعية كافة الجهات المعنية إلى التعاون في تنفيذ سياسات ترشيد استخدام الموارد للمساهمة في تحقيق التنمية المستدامة لإمارة أبوظبي.
وأكد سمو الشيخ حمدان بن زايد آل نهيان نائب رئيس مجلس الوزراء ورئيس مجلس إدارة الهيئة ان نتائج الدراسات التي أجرتها الهيئة وصدرت مؤخرا في النشرة الإحصائية السنوية للموارد المائية لعام 2006 أشارت إلى أن انخفاض مناسيب المياه الجوفية في الإمارة نتيجة للسحب الجائر من الخزانات الجوفية أدى إلى جفاف كثير من الآبار السطحية وعدم تدفق الأفلاج بشكل طبيعي.
مما دفع إلى الاعتماد على مصادر المياه غير التقليدية مثل التحلية وإعادة استخدام مياه الصرف الصحي المعالجة وتطوير الوسائل الأخرى للإمداد بالموارد المائية الأخرى مثل منشآت التغذية ونقل المياه من الإمارات الأخرى.
وأشار سموه إلى أن إجمالي استهلاك موارد المياه في الإمارة يصل اليوم إلى نحو 24 ضعف التجدد الطبيعي لهذه الموارد مما يعكس الاستنزاف الكبير لهذه الموارد والحاجة الضرورية لوضع خطة إستراتيجية للإدارة المتكاملة والتنمية المستدامة لهذه الموارد وتحسين وضع القطاع المائي.
وذكر سمو الشيخ حمدان أن دولة الإمارات العربية المتحدة تقع في حزام المناطق الجافة والقاحلة حيث يصل متوسط معدل تساقط الأمطار إلى أقل من 100 مم سنوياً ومعدل تغذية طبيعي منخفض للمياه الجوفية (أقل من 10% من إجمال المياه المستخدمة سنوياً)، بالإضافة إلى عدم وجود مصادر مياه سطحية دائمة يمكن الاعتماد عليها كمصدر دائم.
وقال إن الإحصائيات الحالية لاستخدام المياه وخصوصاً في القطاع المنزلي ومنها تقرير التوقعات البيئية العالمية لبرنامج الأمم المتحدة للبيئة تشير إلى ارتفاع معدل الاستهلاك في دولة الإمارات ودول الخليج العربي كأحد أعلى المعدلات العالمية محذرا من أن شح موارد المياه بصفة عامة والنضوب المستمر لموارد المياه الجوفية بصفة خاصة مع الزيادة المتنامية في الطلب على هذه الموارد نتيجة معدلات التنمية الاجتماعية والاقتصادية المرتفعة في العقود الأربعة الأخيرة يؤدى إلى حدوث ضغط شديد على موارد المياه بالدولة.
ونوه الشيخ حمدان إلى أن حكومة دولة الإمارات تبذل جهودا حثيثة لتوفير مصادر المياه للمواطنين والمقيمين وذلك من خلال ضخ استثمارات كبيرة في بناء محطات التحلية أو البنية الأساسية لشبكات توزيع المياه. كذلك فإن أحد عناصر الخطة الإستراتيجية للتنمية هي الإدارة المستدامة لمصادر المياه من خلال سن التشريعات والقوانين المنظمة لاستخدام هذه الموارد .
بالإضافة إلي برامج التوعية المختلفة لتقليل الهدر في استخدام هذه الموارد حيث يعتبر القانون رقم (6) لسنة 2006 والذي أصدره صاحب السمو الشيخ خليفة بن زايد آل نهيان - حفظه الله - بصفته حاكماً لإمارة أبوظبي لتنظيم حفر الآبار الجوفية وتقنين استخدام الخزانات الجوفية خطوة رائدة في سبيل المحافظة على هذا المصدر الحيوي من سوء الاستخدام.
وذكر سموه أنه من بين الجهود التي تبذلها حكومة أبوظبي في هذا المجال وضع الخطة الإستراتيجية لإدارة الموارد المائية في إمارة أبوظبي، والتي أصدرتها هيئة البيئة - أبوظبي مؤخرا بالتعاون مع الشركاء المعنيين وتركز على دراسة الأهداف التنموية والنظر في الوسائل المتاحة لتحقيق هذه الأهداف في الحدود التي تسمح بها خصوصية بيئة أبوظبي والتطورات التقنية والدروس المستفادة من الخبرات والممارسات العالمية.
وقال سمو الشيخ حمدان إن الخطة اقترحت العديد من الطرق والبدائل وحددت المتطلبات اللازمة لكل منها وذلك بالنظر إلى أن هنالك عدة طرق لتحقيق هذه الأهداف. كما أكدت الخطة على الحاجة المسبقة للتنمية المؤسسية والإصلاح وبناء القدرات ورفع مستويات الوعي بين السكان، حيث أوصت بأن تولي حكومة أبوظبي اهتماماً خاصاً بالمياه مع التركيز على تحسين السياسات والاستراتيجيات والتنسيق بين القطاعات وتطوير النظم الإدارية وتفويض المهام التنفيذية المباشرة للجهات المعنية.
كما أوصت الدراسة بضرورة تبني خيارات ووسائل زيادة إنتاج المياه والتي تناسب بيئة أبوظبي مثل وضع خطة لزيادة كفاءة استخدام مياه الصرف الصحي المعالجة في ري الغابات واستخدام مياه التحلية الزائدة عن الحاجة في إعادة شحن الخزانات الجوفية لاستخدامها في أوقات الطوارئ.
ويتوقع أن يزيد الطلب على مياه الصرف الصحي المعالجة ليتجاوز المعروض منها في المستقبل القريب، كذلك أوصت الدراسة بضرورة استخدام النباتات الصحراوية المحلية المناسبة في الزراعة التجميلية في الحدائق والمتنزهات وأماكن الترفيه المختلفة لتقليل استهلاك المياه.
كما تشير الدراسة إلى إرتفاع استهلاك المياه في القطاع المنزلي وأوصت بضرورة تبني حكومة أبوظبي لدراسة البدائل الممكنة مثل استخدام الأدوات المرشدة للمياه على أن يصاحب ذلك حملة إعلامية لترشيد استهلاك المياه والحفاظ عليها.
وقد ربطت الدراسة بين الأنشطة والعمليات المتعلقة بالمياه بالدورة الهيدرولوجية الكلية والنظم البيئية والمحيط الحيوي، وربطت إنتاج واستخدام المياه باستهلاك الطاقة والآثار البيئية الناجمة عن ذلك في إطار متكامل.
وقد صرح ماجد على المنصوري الأمين العام للهيئة بأن الزيادة المضطردة في عدد السكان والذي يتوقع أن يصل إلى حوالي 3.5 ملايين شخص في إمارة أبوظبي في عام 2030م، بالإضافة إلى مشاريع التنمية الاقتصادية الضخمة تمثل تحدياً كبيراً في العقد القادم، وخاصة فيما يتصل بتوفير مصادر المياه اللازمة لسد الاحتياجات المتوقعة في إطار الاستدامة البيئية والاقتصادية والاجتماعية.
واشار إلى أن الدراسات السابقة لهيئة البيئة - أبوظبي وهيئة مياه وكهرباء أبوظبي أظهرت بوضوح عجز كبير في إمدادات المياه خلال السنوات القادمة. وذكر أنه ولمواجهة هذا التحدي وبناء على تكليف من قبل المجلس التنفيذي لإمارة أبوظبي فقد قامت الهيئة بالتعاون مع جميع الجهات المعنية في إطار شراكة موحدة لإعداد خطة إستراتيجية لإدارة موارد المياه بإمارة أبوظبي.
وقد ضم فريق العمل ممثلين عن هيئة مياه وكهرباء أبوظبي ومكتب التنظيم والرقابة لقطاع الماء والكهرباء لإمارة أبوظبي وشركة أبوظبي للماء والكهرباء وشركة أبوظبي لخدمات الصرف الصحي وشركة العين للتوزيع وشركة أبوظبي للتوزيع وشركة أبوظبي للنقل والتحكم وجهاز أبوظبي للرقابة الغذائية ودائرة الشؤون البلدية. وتم تعزيز هذه المجموعة من الشركاء بفريق من الخبراء الذين تم استقطابهم من المنظمات العالمية والجامعات ومؤسسات البحث العلمي بالاشتراك مع المركز الدولي للزراعة الملحية.
وقد أشار ماجد المنصوري إلى أن الخطة تناولت بالتفصيل تحليل الوضع الحالي لمصادر المياه والطلب عليها والاستخدامات والاحتياجات المستقبلية للمياه في جميع القطاعات التنموية في إمارة أبوظبي حتى عام 2030. وكذلك تناولت الدراسة بالتحليل وضع الجهات المعنية بالإدارة والتنظيم والهيكل المؤسسي والأطر القانونية لقطاع المياه بالإمارة.
وقد تضمنت الدراسة وصفاً وافياً لمفاهيم تخطيط وتطوير الموارد المائية بما يضمن تحقيق الأهداف الإستراتيجية لإمارة أبوظبي والتي تهدف إلى تعزيز التنمية المستدامة في الإمارة وذلك بالاستخدام المتكامل والمستدام للموارد المائية والتي تشمل وضع النظم والآليات اللازمة لمراقبة البيئة والموارد الطبيعية، وتطوير نظم الإدارة البيئية والمساعدة في تطبيقها، ووضع نظم إدارة الأزمات والاستجابة للطوارئ البيئية ، هذا بالاضافة إلى رفع مستوى الوعي البيئي في المجتمع، والمحافظة على التنوع البيولوجي في إمارة أبوظبي.
المياه في إمارة أبوظبي
أخذ استهلاك المياه في إمارة أبوظبي في الزيادة المضطردة منذ ستينيات القرن العشرين نتيجة للسياسات الحكومية المشجعة على زراعة الغابات وتخضير الصحراء والتوسع في إقامة المزارع في الاراضي المحيطة بالواحات التقليدية.
وقد ساعد اكتشاف مخزون كبير للمياه في ليوا وفي المنطقة الممتدة بينها وبين العين على التوسع الزراعي في المناطق الصحراوية وتمت زراعة الأشجار في العديد من المناطق وعلى جانبي الطرق السريعة.
وفي نفس الوقت زاد عدد السكان بمعدلات كبيرة حتى وصل إلى 1.5 مليون شخص في إمارة أبوظبي حاليا. ولقد كانت المصادر الجوفية هي التي توفر إمدادات المياه الصالحة للشرب في ستينات القرن الماضي، فإن الزيادة الكبيرة في الطلب على الكهرباء والماء استلزم إقامة محطات حرارية كبيرة لتوليد الكهرباء وتحلية المياه.
وقد كان للنمو السريع في اقتصاديات المناطق الريفية والحضرية في السنوات ال«48» الماضية تأثير هائل على الموارد الطبيعية لإمارة أبوظبي. فقد جفت معظم الواحات التقليدية ومصادر المياه العذبة المحدودة التي كانت تعتمد عليها المجتمعات الساحلية والريفية وذلك سبب الزيادة الكبيرة في الأنشطة الزراعية حول ليوا والعين، والتي تجاوزت حاجتها معدل الشحن الطبيعي لخزان المياه الجوفية. وفي نفس الوقت أدى انخفاض منسوب المياه الجوفية إلى تدفق المزيد من المياه المالحة من المستويات المنخفضة في الطبقات المائية.
وتدهورت نوعية المياه الجوفية نتيجة الاستخدام غير الرشيد للمخصبات الزراعية وتربية عدد كبير من الحيوانات والتخلص من المخلفات الملحية وسوائل الصرف الصحي في الصحراء. وفي المناطق القريبة من ساحل الخليج العربي، فإن سحب كميات كبيرة من المياه لاستخدام محطات التحلية يعرض التنوع البيولوجي في البيئة البحرية للخطر ويساهم في رفع درجة حرارة ماء البحر التي تعتبر حالياً من أعلى المستويات العالمية.
ولا تنحصر الآثار البيئة في النظم البيئية المائية حيث يستخدم الوقود الأحفوري في توفير الطاقة المستخدمة في تحلية المياه ونقلها وتوزيعها وضخ المياه الجوفية في نظام الري. ويقدر الوقود المستخدم في محطات التحلية والتوليد بما يعادل 21 مليون طن مكافئ لثاني أكسيد الكربون في العام الواحد، وتعزى حوالي 20-45% منه لإنتاج واستخدام المياه، وعليه فإن استهلاك المياه قد يساهم بما بين 4-9 مليون طن من مكافئ ثاني أكسيد الكربون.
وتشير التصورات المستقبلية إلى العديد من الصعوبات ما لم يتم إتخاذ إجراءات فعالة لتقليل استهلاك المياه الذي يقلل بدوره من الطلب على الكهرباء ويخفف من الآثار البيئية السلبية لذلك. ولا شك أن المياه هي المصدر الأغلى والأعلى كلفة من النفط، ولذلك فإن هنالك أهمية قصوى للإدارة الرشيدة للمياه بطريقة تأخذ في اعتبارها الجوانب المالية والاقتصادية والبيئية والاجتماعية.
ولقد تم التطرق إلى هذه الاعتبارات في خطة أبوظبي 2030 التي تقدم رؤية مستقبلية لعاصمة عالمية تضع أهمية كبيرة للاستدامة البيئية. وتنص الخطة على وجوب تضمين الاعتبارات البيئية والاجتماعية والاقتصادية في جميع القرارات.
أبوظبي ـ ماجدة ملاوي