اتسم رد الرئيس السوداني عمر حسن البشير على قرار المحكمة الجنائية بالتحدي، وقال خلال جلسة حضرها كبار الساسة وأعضاء مجلس الوزراء ان حكومته «حكومة مسؤولة» ولن تستجيب لـ «محاولات عرقلة جهود السلام» وللقرار «الاستعماري»، وتعهد باتخاذ إجراء حاسم مع كل من يهدد استقرار بلاده، واتهم وكالات الإغاثة بخرق القانون مبرراً قرار طردها.. بالتزامن مع طلب سوداني لانسحاب إفريقي من المحكمة، مع تحرك عربي إفريقي بحثاً عن حلول.

وأكد الرئيس البشير، في أول رد فعل له على إصدار المحكمة مذكرة توقيف بحقه في خطاب متلفز من مقر رئاسة الوزراء السودانية، على أن السودان سيتعامل بـ «مسؤولية مع قرار محكمة الجنايات الدولية ولن تستجيب لمحاولات عرقلة جهود السلام.

وقال إن هناك «بعض الدول تحاول السيطرة على ممتلكات القارة الإفريقية، موضحا أن قرار المحكمة «لا يستهدف السودان فحسب، ولكن كل الدول التي ترفض سياسات الإملاء». وتساءل لماذا يتحرك المجتمع الدولي ضده بينما ترك «إسرائيل ضربت غزة أمام مرأى الجميع».

ويأتي هذا الموقف المتسم بالتحدي، في وقت تواصل خروج آلاف السودانيين إلى شوارع العاصمة الخرطوم احتجاجاً على مذكرة محكمة الجنايات الدولية.. والتي شارك البشير في بعضها أمس، حيث ألقى خطابا أمام ألوف من أنصاره الغاضبين وهو يلوح بعصاه، ان المحكمة أداة في أيدي مستعمرين يسعون وراء نفط السودان.

وأضاف: «إحنا رفضنا الركوع للاستعمار علشان كده كان استهداف السودان لأننا لا نركع إلا لله سبحانه وتعالى». وهتف البشير متوجها إلى عشرات آلاف المتظاهرين المتجمعين في ساحة الشهداء بوسط الخرطوم: «الله اكبر، لا اله إلا الله»، متهما القادة الأميركيين والأوروبيين بأنهم «المجرمون» الحقيقيون. وردد البشير مرارا في الأشهر الأخيرة أن المحكمة الجنائية الدولية نتيجة «مؤامرة صهيونية 100 في المئة» تهدف إلى زعزعة استقرار السودان.

وأخذ المتظاهرون، الذين حملوا لافتات تدين قرار المحكمة، يرددون «جاهزين جاهزين لحماية الدين» و«لتسقط أميركا». وكان البشير أكد أمس أن حكومته طردت عشر وكالات إغاثة أجنبية «بعدما رصدنا نشاطات لها تتنافى مع كل اللوائح والقوانين والمواثيق»، وتعهد باتخاذ إجراء حاسم ومسؤول مع من يهدد استقرار بلاده.

التزام وتحد

وفي إطار سياسة التحدي، أكدت وزارة الخارجية السودانية مشاركة الرئيس البشير في قمة الدوحة العربية، موضحة أن قرار المحكمة الجنائية الدولية بحق البشير لن يؤثر على المشاركة. وصرح وكيل وزارة الخارجية السودانية مطرف صديق لوكالة «رويترز» بأن السودان تلقى الدعوة لحضور قمة عربية في قطر في وقت لاحق من هذا الشهر وقبلها. وأضاف أن البشير سيحضر كل القمم العربية وكل القمم الإفريقية رغم قرار المحكمة.

في هذه الأثناء، قال الناطق الرسمي باسم الخارجية السودانية السفير علي الصادق في تصريحات إن المحكمة الجنائية الدولية بجانب مخالفتها للقانون الدولي ستسهم في المزيد من المعاناة لأهل دارفور وتطيل أمد الحرب في المنطقة إضافة إلى تقويض العملية السلمية.

وقال نائب الرئيس علي عثمان محمد طه في مؤتمر صحافي: «إننا نؤكد على استقرار الأوضاع وتجدد الثقة في صمود الشعب السوداني وقدرته على تجاوز هذا الامتحان». وأكد طه التزام الدولة التام بكافة المواثيق والاتفاقيات الموقعة ومضيها في مناهضة القرار بكل السبل المتاحة إلى جانب تمسك السودان في حقه الدستوري في تطبيق القانون.

وأشاد نائب الرئيس بالوعي الشعبي الرافض للقرار وتضامن القوى السياسية والمجتمع المدني ووصف القرار بالمعيب والمتناقض لأصول القانون، مؤكدا أن القرار سيصدم ويواجه بجبهة داخلية قوية.

تحريض

وعلى صعيد تجييش الجهود في إطار أشمل، طلب رئيس الوفد السوداني لدى الاتحاد الإفريقي محي الدين احمد سالم، خلال اجتماع لمجلس السلم والأمن التابع للمنظمة الإفريقية في العاصمة الإثيوبية أديس أبابا، من الدول الإفريقية الخروج من المحكمة الجنائية الدولية.

ودعا السفير سالم «الدول الأعضاء الصديقة إلى الانسحاب من اتفاقية روما» النص المؤسس للمحكمة الجنائية الدولية، في كلمة ألقاها أمام الدول الـ 15 أعضاء المجلس، كما طلب إصدار قرار واضح ورفض قرار المحكمة الجنائية الدولية بأشد العبارات، داعيا إلى عقد قمة طارئة للاتحاد الإفريقي لبحث هذه القضية على مستوى رؤساء الدول والحكومات.

تحرك عربي إفريقي

وفي أجواء الأزمة التي بثها قرار المحكمة الدولية، أعلنت جامعة الدول العربية أنها بصدد إعداد خطة تحرك مستقبلية بالتعاون مع الاتحاد الإفريقي للتعامل وإدارة الأزمة.

وقال نائب الأمين العام للجامعة العربية السفير أحمد بن حلي إن الجامعة تنتظر الاجتماع الطارئ لمجلس السلم والأمن الأفريقي في أديس أبابا الذي عقد أمس حيث سنعمل معا كجامعة واتحاد افريقي لإعادة تشكيل وفد افريقي عربي مشترك رفيع المستوى للتوجه إلى نيويورك للقاء ومناقشة أعضاء مجلس الأمن الدولي «الذين كانوا مترددين خلال زيارتنا السابقة في ما يخص أعمال المادة 16 من نظام روما والخاصة بتجميد أو تأجيل أو وقف هذه الإجراءات ضد الرئيس البشير لمدة عام قابلة للتجديد».

وأضاف بن حلي أن «هذه الدول المترددة أفادت أنها تريد انتظار صدور قرار المحكمة حتى يمكن النظر في التجاوب مع المطلب العربي الإفريقي لإعمال المادة 16». ولفت إلى أن هناك تحركاً سياسيا الآن لمعالجة كل المسائل المتعلقة بأزمة دارفور سواء كانت قانونية أو سياسية أو إنسانية أو تنموية. وشدد على ضرورة وجود تعبئة دولية للتعامل مع هذه التطورات المؤسفة ووقفها وإعطاء فرصة لمسار السلام بدون المساس برمز السيادة السودانية ممثلة في رئيس الجمهورية.

وقال ابن حلي: «نحن مع وجود تحقيق للعدالة في دارفور بحيث يتم محاكمة من ارتكبوا جرائم في حق أهل دارفور»، مشيراً إلى أن المحاكمة السودانية قائمة الآن بهذا العمل.

وعبر عن أسفه لوجود «ازدواجية في التعامل مع دولة عربية افريقية حيث أظهر قرار المحكمة وجود عدم توازن في العلاقات الدولية وفي تطبيق مبادئ العدالة وفي تطبيق هذه المعايير، وتغضون عن إسرائيل كقوة احتلال تشن الحروب وتقوم بارتكاب جرائم حرب».

كما عبر نائب الأمين العام للجامعة العربية عن أسفه لتفاعل الولايات المتحدة مع قرار المحكمة الجنائية الدولية ومطالبتها بتنفيذ القرار رغم أنها من الدول المعارضة لإنشاء المحكمة نفسها ومتحفظة عليها وعلى مبدأ إنشائها لأنها يمكن أن تمس مواطنين أميركيين!

أزمة ومواقف

ــ قال مسؤولون من الأمم المتحدة طلبوا عدم الكشف عن هوياتهم ان قرار الطرد سيكون له تأثير مدمر على سكان دارفور وان قوات الأمن السودانية بدأت تصادر أجهزة الكمبيوتر وأصولا أخرى من مكاتب الوكالات في الخرطوم ودارفور.

ــ طلبت السفارة الأميركية من مواطنيها «الاحتماء في مكان امن»، كما طلبت السفارة البريطانية من رعاياها التواري عن الأنظار «وتخزين طعام ومياه بما يكفي بضعة أيام». وكانت السفارات شددت إجراءات الأمن من قبل صدور قرار المحكمة الجنائية الدولية خوفاً من تعرضها لهجمات وان وعدت السلطات السودانية بحماية المقار الدبلوماسية.

ــ قال مسؤول في الأمم المتحدة معلقا على قرار طرد وكالات الإغاثة إن «هذا خطير جدا. سيكون له تأثير شديد على العمل الإنساني في دارفور».

الإمارات تطالب مجلس الأمن بتفعيل المادة 16 وتأجيل قرار «الجنائية»

أعربت دولة الإمارات العربية المتحدة عن قلقها من التداعيات السلبية لقرار المحكمة الجنائية الدولية توقيف رئيس جمهورية السودان عمر البشير على استقرار الأوضاع في السودان والحوار السياسي القائم فيه والجهود المبذولة لتفعيل العملية السياسية في دارفور والمتصلة بتنفيذ اتفاق السلام في السودان.

وقال مصدر مسؤول في وزارة الخارجية إن دولة الإمارات تدعو مجلس الأمن الدولي إلى تفعيل المادة 16 من النظام الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية بهدف تأجيل تنفيذ قرار التوقيف.

وتنفيذا لتوجيهات نائب رئيس مجلس الوزراء رئيس هيئة الهلال الأحمر سمو الشيخ حمدان بن زايد آل نهيان وصلت إلى مطار مدينة الفاشر عاصمة ولاية جنوب دارفور أمس طائرة الإغاثة رقم 22 ضمن جسر هيئة الهلال الأحمر الجوي لمساندة الأوضاع الإنسانية ودعم جهود إعادة توطين النازحين واللاجئين في إقليم دارفور.

وحملت الطائرة 40 طنا من الأجهزة والمستلزمات الطبية والمواد الغذائية المتنوعة واحتياجات الأطفال الغذائية والصحية برفقة وفد من الهيئة برئاسة فهد عبدالرحمن بن سلطان مدير مركز الهلال الأحمر للإمدادات الإنسانية بجبل علي وعضوية أحمد مراد البلوشي حيث كان في استقبالها في المطار عدد من المسؤولين في حكومة ولاية شمال دارفور إضافة لممثلي جمعية الهلال الأحمر السودانية.

وقال رئيس وفد الهيئة إن هذه الشحنة من المساعدات تجيء ضمن البرنامج الإنساني الذي تنفذه الهيئة منذ سنوات عدة بتوجيهات القيادة الرشيدة ومتابعة سمو الشيخ حمدان بن زايد آل نهيان لدعم الأوضاع الإنسانية في ولايات دارفور الثلاث والحد من معاناة سكانها وتحسين ظروفهم الإنسانية، مؤكدا على أن تفاقم المعاناة الإنسانية في دارفور حدت بالهيئة لتكثيف برامجها الإنسانية وعملياتها الإغاثية لتوفير احتياجات النازحين واللاجئين من الغذاء والدواء ووسائل الإيواء، مشيرا إلى أن الهيئة سيرت حتى الآن 22 طائرة إغاثة إلى ولايات شمال وجنوب وغرب دارفور حملت حتى الآن آلاف الأطنان من المساعدات الإنسانية المختلفة.

وقال فهد إن هذه الدفعة من المواد الإغاثية تمثل استجابة سريعة للاحتياجات العاجلة التي وقف عليها وفد الهيئة الذي زار الفاشر أخيراً برئاسة رئيس مجلس الإدارة د. على بن عبدالله الكعبي حيث تفقد الوفد معسكرات النازحين واللاجئين وأطلع على أوضاعهم الإنسانية على الطبيعة وتلمس متطلباتهم الأساسية في الوقت الراهن.

وأكد على أن الزيارة فتحت آفاقا أرحب للتعاون الإنساني مع الجهات المختصة بالشأن الإنساني في دارفور، وكان من ثمارها تحريك هذه المساعدات بصورة عاجلة وإيصالها إلى المتأثرين بالتنسيق مع جمعية الهلال الأحمر السودانية التي تضطلع بدور كبير في على الساحة الدارفورية التي تئن تحت وطأة المعاناة.

وقال رئيس وفد الهيئة إن الجمعية الوطنية السودانية تواجه تحديات إنسانية كبيرة خاصة في دارفور مما تطلب تعزيز جهودها ودعم قدراتها لأداء رسالتها على ساحتها المحلية.. مشددا على أن الهيئة تولي الوضع الإنساني في دارفور اهتماما كبيرا وتعمل كل ما في وسعها للمساهمة في تحسينه والوقوف بجانب المتضررين والنازحين والمشردين بسبب الأحداث التي شهدها الإقليم.

من جانبه، أعرب مدير عام وزارة الصحة في ولاية شمال دارفور د. خالد حامد عبدالنبي عن تقدير حكومة الولاية وسكانها للدور الإنساني الذي تضطلع به دولة الإمارات على الساحة السودانية عموما ودارفور خصوصا وثمن وقفتها الأصيلة مع شعب دارفور في هذا الوقت العصيب.

وقال عبدالنبي إن الإمارات وشعبها المعطاء ظلت على الدوام بجانب السودانيين في كل الأحوال والظروف تقدم الدعم والمساندة بكل تجرد ونكران ذات، مشددا على دور الإمارات الرائد في تبني المشاريع التنموية التي تنهض بحياة الإنسان وتصون كرامته الإنسانية. وأشار في هذا الصدد إلى العديد من المشاريع الرائدة التي تم تنفيذها في دارفور وينعم بفضلها الآن النازحون واللاجئون خاصة تلك التي تتعلق بقضايا الصحة والإيواء وتوفير مصادر المياه إلى جانب المساعدات المباشرة للمتأثرين والمتعلقة بالغذاء والكساء وغيرها من الضروريات.

مستقبل

وزير في حكومة الجنوب يخشى حروباً أهلية

وصف وزير الري والموارد المائية في حكومة جنوب السودان جوزيف ديور قرار المحكمة الجنائية الدولية بأنه «ظالم». وقال ديور لوكالة الأنباء الألمانية إنه «إذا ما تم توقيف البشير فعليا فإن هذا يعني اندلاع حروب أهلية مستقبلية بالسودان»، وأكد أن عدم وجود البشير في السلطة «يعني ببساطة انهيار عملية السلام والمصالحة في السودان بأكمله».

وتابع ديور القول: «يستنكر الجميع بالسودان شماله وجنوبه وتحديدا الحركة الشعبية قرار توقيف البشير والذي لا يجد من يؤيده سوى أنصار حركة العدل والمساواة الذين ينفذون أجندة خارجية لا تمثل أجندة أهل دارفور ولا أهل السودان».

إدانة

رئيس الجمعية العامة للأمم المتحدة: دوافع القرار سياسية

قال رئيس الجمعية العامة للأمم المتحدة ميغيل ديسكوتو بروكمان انه يأسف لإصدار مذكرة اعتقال بحق الرئيس السوداني عمر البشير واصفا تلك الخطوة بأنها ذات دوافع سياسية.

وقال بروكمان، وهو وزير خارجية نيكاراغوا السابق: «آسف لقرار المحكمة الجنائية الدولية واعتقد أن أسباب اتخاذه هي لاعتبارات سياسية أكثر منها من اجل تطبيق العدالة في العالم»، وقال إنه كان الواجب تأخير إصدار المذكرة كما دعا الاتحاد الإفريقي والجامعة العربية، من اجل السماح لمحادثات السلام أن تتقدم.

وأضاف إنه يمكن أن يكون من الأفضل أن ندع مفاوضات السلام الراهنة حول دارفور مستمرة من أن نحول الأمر إلى قضية شرعية دولية. وقال إنه من غير المعقول أن نتجاهل نداءات الاتحاد الإفريقي لعدم إصدار القرار.

هناك «قليلون يحملون ماضيا مريبا للغاية» والذين «يضعون أنفسهم في قالب من الطهارة والنقاء». وقال: «لنحصل على السلام الذي نتطلع إليه فمن الضروري أن نبدأ باتهام (المخطئين) من الدول القوية لا الدول الصغيرة..

كل فرد يعلم عمن أتحدث. أكبر الأعمال الوحشية اليوم هي ما يرتكب في العراق». وفي تعليق بشأن الشرق الأوسط، قال بروكمان إن الوضع في قطاع غزة مرشح للاستمرار مع «الإفلات من العقوبة» لأن «هناك مصالح قوية تدافع عن مرتكبي مثل هذه الأعمال الوحشية».