نعلم أن الحياة يمكن أن تبدأ مرة ثانية.. وربما ثالثة... عندما نقرر لها ذلك دون النظر إلى أي معوقات أخرى يمكن أن تقف أمام الانطلاقة نحو أفق جديد.. كيف نجد أنفسنا في علاقتنا مع الحياة الجديدة دون اعتبار لشهادات الميلاد، فكثير من الأشخاص لا يحب أن يقال عنه إنه وصل نهاية الطريق، لأن ذلك يعني جمود التفاعل والتجربة مع الحياة، لكن هذا الأمر عند الشعراء عكس ذلك لأنهم عشاق الآفاق المفتوحة والإبداع والسعي نحو التغيير دائماً.

وفي الواقع إذا كانت خبرة الحياة هي رصيد للوقار والأفكار، فهي تلاحقنا جميعاً لذا علينا وإن غزا رؤوسنا الثلج الأبيض، أن نتعلم فن التعايش مع راحة البال، ونعطي كل ساعة فرحة خاصة، إذا التقينا بأحفادنا أصبحنا منهم، وإذا رأينا أصدقاءنا ضحكنا معهم على ذكريات قديمة. ونموذج «حصاد العمر» الذي نعرضه اليوم هو دلالة على ربيع عمر متجدد، يدعو إلى الراحة بعد العناء الطويل، وذلك من خلال لمعان ينعكس من عينين وروح عاشقة للحياة.

واليوم نتعرف على حياة وحكمة نموذج جديد، انه رجل الإطفاء في إدارة الدفاع المدني في عجمان سعيد عبدالله بن سبيت الذي قضى أكثر من خمسة وعشرين عاماً في مواجهة الحرائق والقضاء عليها وإنقاذ الأرواح والممتلكات، فكان معه هذا الحوار:

كيف بدأت حياتك العملية؟

كانت الرغبة في إنقاذ الأرواح هي الدافع الأول لاختيار الانتساب إلى الدفاع المدني فقد سافرت إلى الكويت وشاهدت منتسبي الدفاع المدني وكيف يقومون بإطفاء الحرائق وإنقاذ الناس، فكانت حافزاً لي للعودة إلى بلدي ولأعمل في المهنة التي أعجبتني وشعرت بفائدتها المباشرة للناس.

ما هي طبيعة عملك، وما هي الوظائف التي تدرجت فيها؟

بدأت في عملي من أول السلم فقد عملت شرطياً في بداية تعييني، وتدرجت في المراتب العسكرية حتى وصلت إلى رتبة وكيل أول، وكان عملي في قسم إطفاء الحرائق وهو أحد أهم الأقسام في الدفاع المدني لدرجة أن كثيراً من الناس يتصورون أن مهمة الدفاع المدني هي إطفاء الحرائق فقط.

كيف تنظر إلى طبيعة عملك وما وصلت إليه؟

مهنتي مهنة إنسانية ونحن جنود مجهولون قد لا يعرف كثير من الناس طبيعة عملنا، لكني أشعر بالفخر أني خلال سنوات عملي استطعت أن أشارك في إخماد الحرائق، وإنقاذ الناس من شرورها، والإنسان يفخر إذا ساهم في مساعدة الناس مرة واحدة فكيف لا أكون فخوراً حين يكون أساس عملي مساعدة الآخرين وإنقاذ الأرواح.

هل هذا يعني أنك حققت الأهداف المرجوة من عملك؟

بالتأكيد، فقد كان عملي من اختياري، وكنت سعيداً به، لذا أشعر أني قدمت له أفضل ما عندي، ومن أفضال الله سبحانه وتعالى أن تكون راضياً عن نفسك وعن عملك.

صف أول وآخر يوم من عملك؟

كنت متحمساً جداً في أول يوم من عملي فقد كنت شاباً صغيراً لم أتجاوز الرابعة والعشرين من عمري، وشعرت أن حلمي قد تحقق بالعمل في المهنة التي أحبها لذا كنت مهيئاً للتدريب على مهنة الاطفائي ومستعداً لها، أما آخر يوم في عملي فقد كان صدمة لي، إذ وصلت إلى عملي وفوجئت بخبر إحالتي على التقاعد، فلم أكن مهيئاً لهذا الأمر لكني تقبلت القرار وبدأت بإكمال إجراءات التقاعد وقد كان موقفاً محزناً لي.

لماذا لم ترغب بالتقاعد، أليس هو راحة بعد العناء؟

كثير من الناس يتمنون الحصول على تقاعدهم وينتظرونه بفارغ الصبر، لكني أحب عملي ولا أرغب بتركه، والأمر الآخر أن رواتب المتقاعدين ضعيفة، لذا فان الجانب المادي أضعف معنوياتي فما زال لدي أبناء في المراحل الدراسية ويحتاجون من ينفق على دراستهم، وأنا كنت متفرغاً لعملي فلم أفكر بتجارة أو عمل آخر، لذا لم يكن التقاعد خبراً سعيداً بالنسبة لي.

بعد سنوات العمل الطويلة ما الحكمة التي خرجت بها؟

العمل في الدفاع المدني يعلم الناس الروح المعنوية القوية، فالحوادث التي نراها تحتاج إلى جرأة وقلب قوي، فليس من السهل مشاهدة أشخاص تعرضوا للحرق أو للإصابة، لذا يتعود منتسب الدفاع المدني على مواجهة الأمور الصعبة، وتنعكس هذه التجربة على حياته خارج العمل.

ما هي أصعب المواقف التي تعرضت لها في حياتك، وكيف تعاملت معها؟

في عملنا كنا دائماً في مواجهة مواقف صعبة وكأننا نخوض حرباً ضد الحوادث، لذا فالمواقف الصعبة ملازمة لنا لأن أي حادث أو حريق هو موقف صعب، ولكن كان هناك موقف طريف مر بي في إحدى مهمات الإطفاء، فقد اشتعلت النار بالحذاء الواقي الذي كنت ألبسه أثناء العمل، وقد سارع أحد زملائي إلى إطفائه بجهاز الإطفاء الذي يستخدمه لإطفاء الحريق، والحمد لله لم أصب بأذى لكنه كان موقفاً طريفاً من ذكريات العمل.

ما الفائدة الثقافية والاجتماعية التي خرجت بها من عملك؟

هناك عدة فوائد يخرج الإنسان بها من عمله، فقد أصبح بإمكاننا توعية الناس المحيطين بنا بمخاطر الحرائق والحوادث وكيفية الوقاية منها، إضافة إلى أننا نعلم أن إنقاذ الناس أمانة في أعناقنا نتحملها في العمل وخارجه، فنحن لا نتردد في إنقاذ أي شخص يتعرض لحادث رجلاً كان أو امرأة فهم جميعاً أهلنا.

ماذا تنصح الموظفين الجدد؟

أنصحهم بالتكاتف والتعاون، لأن العمل في مكافحة الحرائق لا يمكن أن ينجح إلا بسيادة روح الفريق، كما أتمنى أن يلتزموا بأوامر المسؤولين لأنها تصب في مصلحة العمل وفي مصلحتهم ليكونوا قادرين على انجاز مهماتهم بنجاح.

ما هو أصعب قرار اتخذته في حياتك العملية؟

لم تكن هناك قرارات صعبة، فعملنا لا يقتضي وجود قرارات فردية لكن القرار الأصعب هو الذي لم أتخذه أنا بنفسي وهو قرار تقاعدي، فلو عادت الأمور لي لما اتخذت مثل هذا القرار.

لو عاد الزمن إلى الوراء هل تختار الوظيفة نفسها؟ وماذا تتمنى أن يتغير؟

لو عاد بي الزمن إلى الوراء لاخترت وظيفتي نفسها بشرط أن تكون مع الزملاء أنفسهم، فقد كنا أخوة وأصدقاء تجمعنا العلاقات الطيبة والألفة، وليس في عملي ما كنت أتمنى تغييره، ولكني أتمنى أن تستعين إدارة الدفاع بالمتقاعدين لتدريب الشباب الجدد في الدفاع المدني بدلاً من الاستعانة بالشركات الأجنبية فهم يمتلكون خبرات طويلة تساعدهم في تقديم رؤية صحيحة عن عمل الدفاع المدني وفي الوقت ذاته تعود عليهم بمردود مادي يمكن أن يدعم الراتب التقاعدي الضئيل.

كيف ينظر أبناؤك إلى طبيعة عملك؟

أولادي وبناتي يحبون عملي ويفخرون به، وهم يرون أن مهنتنا صعبة وشاقة ولا يستطيع أي شخص أن يتحملها، لذا فهم يقدرونها ويدركون الجانب الإنساني فيها.

ما هي خططك المستقبلية وما هي أولوياتك فيها؟

ـ أهم الأهداف في حياتي هو إيصال أولادي إلى مراحل النجاح النهائية في الدراسة، لأشعر أنهم سيدخلون الحياة العملية وهم مستعدون لها، وليس لدي خطط كثيرة سوى أن التقاعد هو وقت للراحة وللتواصل مع الأهل والأصدقاء فقد كان العمل يجعل التواصل صعباً أحياناً.

هل تعتقد أنك تلقى التقدير الذي تستحقه من المجتمع وأصدقائك؟

للأسف حتى الآن لم يتفهم بعض الناس مهمة الدفاع المدني ولا يعرفون قيمة عمله، ففي الوقت الذي ينظر إلينا الناس بتقدير كبير نجد آخرين يتعاملون معنا بقلة التقدير، ففي الحوادث على سبيل المثال هناك مسافة زمنية لا بد أن تستغرقها سيارة الإطفاء للوصول إلى موقع الحادث لكننا حين نكون بذلنا قصارى جهدنا للوصول بأقصى سرعة نجد هناك من يتذمر ويلومنا على التأخير من دون أن يدرك مدى الصعوبة التي نواجهها في عملنا، أما الأصدقاء فهم يعرفون قيمة العمل ويقدرونه، إضافة إلى أن معظم أصدقائي في الدفاع لا يزالون في الدفاع المدني لذا أزورهم وأتواصل معهم بشكل دائم.

عجمان ـ دلال جويد