تركت الحياة البسيطة بصمات واضحة على كثير ممن عاشوها فلم يكن لدى الشباب ذلك التفكير بمتطلبات سوق العمل ومفهومه بقدر البحث عن وظيفة جيدة تحقق للفرد الحياة الكريمة، ومحمد ناصر المر الذي عمل لسنوات فاقت الثلاثين عاما في بلدية أبوظبي بقسم الزراعة اعتبر أن وظيفته في تلك الفترة كانت جيدة خاصة مع اهتمام الدولة الكبير بالزراعة، وبالرغم من عدم امتلاكه لشهادة جامعية إلا أن حب العمل والإخلاص فيه كان لهما أثر كبير في ترقيته في عمله وتحقيقه لخبرة طويلة، فكانت لتلك السنوات فرحتها رغم بساطة مدخولها المالي مقارنة باليوم، «البيان» قامت بمحاورة محمد ناصر المر حول مراحل حياته المختلفة وخبراته الحياتية ومجال عمله وتالياً نص الحوار:
كيف بدأت حياتك العملية؟
بدأت في فترة زمنية مختلفة تماما عما هو الآن من تطور ونهضة براتب 400 درهم وكانت وقتها تساوي الكثير، ولم يكن آن ذاك أي تخطيط لوظيفة ما بعينها، وفى عام 1969 حصلت على عمل يناسب مؤهلاتي ما مكنني العطاء فيه بتميز واقتدار رغم عدم امتلاكي لشهادة جامعية ومع تطور الحياة وتقدمها يبقى لحياتنا في الماضي لذة أخرى في بساطتها وقلة صراعاتها.
ما هي طبيعة عملك؟ وما هي الوظائف التي تدرجت فيها؟
عملت كمزارع في قسم الزراعة ببلدية أبوظبي والذي كان يمثل أهم أقسام البلدية لدوره في عمليات توسيع الرقعة الخضراء على ارض بلد مثلت بتحولها من صحراء رملية إلى أرض خضراء معجزة حقيقية وهبها الله تعالي للإمارات.
ثم ترقيت إلى مراقب وكنت حريصا على التعلم واكتساب الخبرة التي جاءت بالعمل الجاد والميداني حتى ترقيت إلى رئيس قسم ورشة المعدات الزراعية والرش التي عملت بها لسنوات طويلة إلى أن تقاعدت، ولدي خبرة كبيرة في التعامل مع معدات الرش الزراعية وتصليحها وكنت مستمتعا بعملي لأنه عمل فني وليس مكتبيا أو إداريا. وفخور بأن ترقيتي كانت من عملي وخبرتي وممارستي وحرصي على أداء واجبي فالعمل واجب وطني.
كيف تنظر إلى طبيعة عملك، وما وصلت إليه ؟
أرى أنني عملت في مجال أحبه فأنا أهوى الزراعة ولي مزرعتي الخاصة الآن التي أهتم بها وأربي بها بعض الطيور، وأنا راض عما حققته في عملي لأني وصلت لأفضل مستوى من الترقيات التي يمكنني الحصول عليها بممارستي، وهذا يجعلني فخورا بانجازي خاصة أنني تقاعدت على درجة أعلى حتى من التي يحصل عليها حامل الشهادة، ليس لأن أي منهما أفضل من الآخر بل لأن الإخلاص في العمل والطموح فيه يقود إلى النجاح.
وكيف ينظر أبناؤك إلى طبيعة عملك؟
دائما أشعر بحب وقرب أبنائي مني فلدي 6 أولاد و3 بنات، وهم يحترمون عملي السابق ويقدرون شخصيتي المحبة للعمل دائما حتى بعد التقاعد، ولكني لم المس لدى أحد منهم اهتماما بمجال الزراعة مثلي فهم يحبون المزرعة للترفيه عن ذاتهم وقضاء العطلات، ولكن كل منهم اهتم بدارسة تخصصات أحبوها كالهندسة وإدارة الأعمال وأنا أشجعهم على مواصلة تعلميهم والعمل في مجالات تخدم بلادهم.
هل تعرضت لمواقف صعبة في عملك وما أجمل اللحظات التي تذكرها؟
لا أذكر موقفا صعبا لدرجة كبيرة فكل ما كنا نمر به عبارة عن مشكلات العمل اليومية أو الاعتيادية، والمهم أن المسؤولين كانوا على علاقة جيدة معنا ومهتمين بعملهم وقد اعتادوا حل المشاكل مباشرة، خاصة أن قسم الزراعة في البلدية كانت له أهمية خاصة ويحظى باهتمام المسؤولين، لأن لقيادتنا الرشيدة اهتماما كبيرا باستصلاح الأراضي وزيادة الرقعة الخضراء في الدولة، فكل احتياجات العمل يتم توفيرها دون تأخير.
أما عن المواقف الجميلة كانت تتمثل في مراحل الانجاز والترقية والإحساس بكم المعارف التي يكتسبها الفرد من عمله، والأهم تلك السعادة التي يشعر بها عندما يرى المساحات الخضراء، ولا أنسى اهتمام المغفور له الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان ـ طيب الله ثراه ـ بالزراعة بكل أنواعها وخاصة النخيل وتفقده المستمر للأراضي الخضراء في الدولة، وكيف حرص الشيخ زايد على تفقد مواقع العمل الزراعية بنفسه، وقد التقيته رحمه الله خلال فترة عملي في مزارع بمنطقة المفرق وكان يطمئن على سير العمل هناك ويعطي ملاحظاته ويلبي كل ما من شأنه دعم انتشار المساحة الخضراء.
صف أول وآخر يوم عمل لك؟
أول يوم يعني لي بداية حياة وخبرات جديدة حيث التزمت بدوامي كأي فرد وسعيت لفهم كل ما هو مطلوب مني، وبالطبع الحياة كانت أبسط وقتها ولم يكن ذلك العدد من الموظفين أو من المنافسة الموجودة حاليا بشكل أوضح، رغم أن قسم الزراعة كان من أكبر الأقسام في البلدية وبه اكبر عدد من الموظفين والعمال، أما آخر يوم فهو انتهاء علاقة الفرد بجهة عمل خدمها لسنوات طويلة يكون لها انعكاساتها عليه في البداية، إلا أن التقاعد أمر طبيعي يمر به الجميع هذا من جهة، ومن جهة أخرى فان وجود العمل الخاص واستمرار الشخص في العطاء تجعل من التقاعد مجرد مرحلة من مراحل الحياة.
هل تعتقد أنك تلقيت التقدير الذي تستحقه من المجتمع وأصدقائك؟
الحقيقة أنني أشعر بتقدير واحترام أصدقائي وأسرتي لي، ولكن على المستوى العام التقدير ليس بذلك المستوى الذي يتمناه الإنسان فعلى ما اذكر أنني قد حصلت على شهادة تقدير في أحد أيام عملي حتى أنني لا أذكر مناسبة هذه الشهادة، ولكن بخلاف ذلك يبقى للإنسان قناعته بما قدمه وأنه لخدمة مجتمعه ووطنه والارتقاء بخبراته.
ولكنه لا يلمس تقديرا كبيرا لعمله من الآخرين، فلا أحد يذكر ما فعله هو وآخرون، رغم أن التقدير هام، والمفروض حتى للشباب العاملين الآن أن تهتم جهات عملهم بتقدير جهود المنتجين منهم والمبدعين لأن لذلك مردودا كبيرا عليهم على أدائهم فالتقدير يرفع من قيمة الشخص ومن إنتاجه وكذلك من معنوياته.
بعد سنوات عمل طويلة ما الحكمة التي خرجت بها؟
لكي ينجح الإنسان في عمله عليه أن يعرف كل صغيرة وكبيرة فيه، ليتمكن من التطور خاصة إذا كان يعمل في مجال عمل فني يحتاج للحركة والنزول لأرض الواقع، ومن أراد النجاح يحققه أينما كان.
هل لك أن تلخص لنا خبرة أكثر من 30 عاما في جملة واحدة ؟
الحياة مدرسة حقيقية والنجاح فيها يتطلب السعي والاهتمام بتحصيل المعرفة.
بماذا تنصح شباب اليوم من الموظفين الجدد؟
أنصح بأن يعمل كل منهم بإخلاص لخدمة المجتمع والوطن وأن يتحلوا بأخلاق كريمة في معاملة العملاء والمراجعين لأن هذه المعاملة تعطي انطباعا حسنا عنهم وعن مؤسساتهم، ويجب ان تكون لديهم الإرادة ليتحدوا المعوقات وينجحوا.
ما هي خططك التي تعمل بها بعد التقاعد؟ وما هي أولوياتك؟
بطبيعتي لا أحب الجلوس والبقاء في المنزل أو على المكتب أحب الحركة وممارسة أعمالي الخاصة فالتقاعد كما ذكرت هو نهاية مرحلة من الحياة، لذا فقد أسست شركتي الخاصة في مجال الزراعة في البداية وأدواتها وهذا ارتبط بطبيعة وظيفتي الأساسية وخبرتي منها، ولكني مع تغيرات الحياة غيرت نشاط شركتي لأنني تعلمت أن علينا في التجارة مواكبة المستجدات واحتياجات السوق فاتجهت إلى شركات البترول للعمل معها في مجال حفر الآبار البترولية، ولي الآن مجموعة مؤسسات، فأنا أحب العمل كثيرا فأستيقظ مبكرا لأبدأ من التاسعة صباحا مباشرة أعمالي في الشركة وخارجها.
بيئة
الاستمتاع باللون الأخضر
لو عاد الزمن للوراء مع وجود شهادة جامعية ربما كان سيحقق لي المزيد من الطموحات في عملي بالزراعة ولكني لم أكن أتمنى عملا بعيدا عن هذا المجال، فأنا أحب الزراعة وأستمتع برؤية اللون الأخضر، فعلاقتنا كأجيال سابقة بالأرض مختلفة عن شباب اليوم لأنها بالنسبة لنا كانت أحد أشكال الحياة ومواجهة صعوبات العيش.وجميل ان ترى حصيلة عملك قد أثمرت أمام أعين الناس، والأجمل ان يكون عملك في خدمة المجتمع والبيئة التي يكثر الحديث عنها حاليا والكل يعمل من أجل بيئة أفضل.
أبوظبي ـ لبنى أنور

