على الرغم من أن عمره لا يتجاوز السادسة والخمسين عاما إلا انه قضى أكثر من نصفه في الوظيفة العامة وتحديدا 29 عاما، وساقه القدر ليعمل في مهنة عامل خراطة في الوقت الذي كان الكثيرون من أقرانه يتجهون للعمل في الوظائف والمهن المريحة أو عدم العمل اعتمادا على مساعدة أسرهم لهم.

واقتنع محمد عبد الرحمن محمد كرمستجي بعمله في وظيفته عاملا بدائرة المياه والكهرباء في أبوظبي «هيئة المياه والكهرباء حاليا» لأنه لم يكن يحمل شهادة دراسية كما اقتنع بزوجة واحدة فقط أيضا لأن ظروفه المادية لم تكن تسمح بتعدد الزوجات ليقينه بأنه لن يستطيع أن يعدل بينهن. وفي هذا الحوار يحكي لنا جانبا من شريط ذكرياته:

كيف بدأت حياتك العملية؟ بدأت حياتي العملية عاملا في الورشة الميكانيكية بدائرة المياه والكهرباء «هيئة الماء والكهرباء بأبوظبي حاليا» اعتبارا من يوم 13 أكتوبر 1974. والتحقت بهذه الوظيفة لعدم وجود شهادات دراسية لعدم التحاقي بالتعليم ولكن كنت اقرأ واكتب فقط وجاء عملي في الدائرة لمعرفة مدير الورشة في ذلك الوقت محمد أمين زينل الخوري بالعائلة والذي شجعني واخذ بيدي وتعلمت في الورشة أصول مهنة الخراطة.

وهل عملت في مهنتك طوال فترة عملك بالدائرة؟

لقد تدرجت في العمل من عامل في المخرطة لعدة سنوات إلى مسؤول القرطاسية ثم مندوب مسؤول الجوازات ثم سكرتير مدير الورشة إلى أن تقاعدت في العام 2003 بعد أكثر من 29 عاما من العمل.

وما هو أول راتب تقاضيته من عملك؟

أول راتب حصلت عليه 500 درهم وكان هذا الراتب يكفيني أنا وزوجتي وأبنائي الاثنين «ولد وبنت» حينذاك بل إنني كنت أسافر خارج الدولة في الإجازات الصيفية وانفق مما أدبره منه وسافرت إلى تركيا ومصر وألمانيا وأميركا والسعودية.

وما أعلى راتب حصلت عليه؟

استمر راتبي الصغير لمدة ست سنوات وبعد أن عملت في المخرطة زاد راتبي ليصل إلى 12 ألف درهم ووصل معاشي بعد التقاعد إلى 15 ألف درهم.

وهل عملت بعد تقاعدك؟

لم استسلم للتقاعد حيث تقدمت للعمل في أكثر من وظيفة بالقطاع الخاص إلى أن عملت في وظيفة مندوب علاقات عامة بمستشفى دار الشفاء في أبوظبي براتب 7000 درهم.

ولماذا لم تلجأ للعمل الحر والاستفادة من التسهيلات التي تقدمها الحكومة للمواطنين؟

قلة إمكانياتي المالية لم تساعدني على الانخراط في العمل الحر حيث لا توجد لي رخص تجارية أو صناعية لأنني لم أتمكن من التوفير للعمل في هذا المجال لان معاشي لم يكن يكفيني.

وهل حققت بعد كل هذه السنوات ما كنت تسعى إليه وتتمناه؟

الحمد لله انا راض تماما عن عملي الذي كنت اعتمد فيه على نفسي ولم يجعلني احتاج إلى الآخرين وكانت سعادتي تزداد عندما أشاهد رؤسائي يفتخرون بي كمواطن اعمل بيدي ولم اخجل في يوم من الأيام من وظيفتي لأنني ابن هذا البلد وإذا لم اعمل في بلدي فأين اعمل.

ولكني بعد كل هذه السنوات أتمنى الحصول على قطعة ارض بناية تجارية بعد أن سجلت في البلدية منذ عام 1990.

وكيف ترى عدم لجوء الشباب إلى العمل اليدوي مثلك وهل تفكير جيل اليوم مختلف عن جيلكم؟

جيل اليوم لديهم مصادر دخل وإمكانيات أفضل سواء من الوظيفة أو العمل مع عائلاتهم وأصبح كل شاب يمارس أكثر من نشاط سواء تجاري أو الاستثمار في البورصة.

وما هي النصيحة التي تقولها لشباب اليوم؟

انصح أي شاب بضرورة بذل الجهد في عمله وان لا يطلب الصعود لأعلى الوظائف وهو في البداية بل عليه بالصبر والترقي في وظيفته وان يرضى بأي راتب يعرض عليه لأنه مع الأيام وبالجهد والمثابرة سيتحسن وضعه ويزداد دخله.

صف لنا أول وآخر يوم عمل؟

في بداية عملي لم أكن اعرف أي شيء عن الوظيفة التي سأعمل بها ووجدت مساندة كبيرة من العاملين معي من العمال المصريين والفلسطينيين والسودانيين والهنود والذين كانوا ينظرون لي بإعجاب وتقدير لأني مواطن يعمل في مهنة عامل وقد تعلمت مهنة الخراطة من احد العمال الهنود.

وفي آخر أيام عملي كنت اعمل في وظيفة مندوب لإدارة منشآت النفط في الدائرة اذكر انه في آخر يوم عمل كنت أقوم بتسلم وتسليم المعاملات وحضرت إلى المكتب وعرضوا علي التقاعد أو العمل في المرفأ وهي منطقة بعيدة عن أبوظبي واضطر لان اذهب والعودة يوميا من الساعة الخامسة فجرا وحتى الخامسة مساء ففضلت التقاعد في الأول من شهر يوليو عام 2003.

وما هي الحكمة التي خرجت بها بعد كل هذا المشوار في العمل؟

أقول أنني سعيد بأي عمل عملت به والحكمة التي خرجت بها لك «لكل مجتهد نصيب» واشعر أنني حصلت على نصيبي.

وما هو أصعب موقف واجهته في حياتك؟

واجهتني بعض المواقف الصعبة ولكنها قليلة جدا وكنت أتعامل معها بالتفكير والمرونة وليس بالشدة أو «الحماقة» واستعطت أن أتغلب على كل تلك المواقف والحمد لله.

وما هو أصعب قرار اتخذته في حياتك؟

لم اتخذ أي قرار صعب لان حياتي كانت تسير بشكل طبيعي وكنت راضيا تماما على ما أنا فيه.

ولو عاد بك الزمان هل تختار نفس الوظيفة؟

نعم كنت سأختار نفس الوظيفة ونفس المشوار لأنني أحببتها وهي مهنتي التي ارتضيت بها.

وماذا عن ابنائك؟

لدي ستة أبناء 3 أولاد ومثلهم بنات الأكبر عبد الرحمن يعمل في الدفاع المدني في مطار ابوظبي والثاني عبد العزيز يعمل في المحكمة الشرعية والثالث عمار في الجنسية والإقامة في ابوظبي. والبنت الكبيرة أنهت الدراسة بكلية التقنية والثانية حاصلة على الثانوية العامة ومتزوجة والثالثة ما تزال تدرس بجامعة زايد وحرصت على أن أعلم أبنائي لان الشهادة تعتبر سلاحا مهما لمواجهة صعوبة الحياة.

وكيف ينظر أبناؤك إلى عملك السابق؟

أبنائي فخورون بي ولم يجبروني على ترك عملي لأنهم يعلمون بأنني لا احمل شهادات بل كانوا يطلبون مني أن اهتم بعملي واجتهد فيه.

هل أولادك من زوجة واحدة أم أكثر؟

الحمد لله تزوجت واحدة فقط لأنه أفضل من تعدد الزوجات لإحساسي بأنني لن استطيع أن اعدل بينهم لذلك اكتفيت بواحدة فقط.

وكيف ترى أبوظبي الآن وما كانت عليه أيان زمان؟

على الرغم من قسوة الظروف في السابق إلا أنها كانت أفضل والناس قلوبهم طيبة والعلاقات كانت أخوية والجار يسأل عن جاره وعندما يتأخر أي شخص عن الذهاب للمسجد نذهب للسؤال عنه وإذا عرفنا أن شخصا مريضا وفي المستشفى يبادر الجميع إليه ولكن الآن كل «واحد» مشغول في أعماله وتجارته والأسهم حتى الأخ لا يزور أخوه والأولاد لا يزورون آباءهم والأبواب مغلقة في وجه الآخرين لأننا نعيش في زمن صعب وهو الزمن المادي، الكل يلهث وراء المال.

قرار: لا لتعدد الزوجات

تزوج وعمره 20 عاما لديه 6 أبناء ثلاثة بنين ومثلهم بنات

حرص على الزواج من امرأة واحدة فقط لقناعته بأنه لن يستطيع ان يعدل بين أكثر من زوجة وان كل من تزوج أكثر من زوجة أصبحت حياتهم صعبة جدا ولديه أمثل حي على ذلك حيث تزوج ابن خاله على أخته وكذلك ابن خالته تزوج على أخته الثانية ويعاني الاثنين من مشاكل مالية ولذا فانه عمل وطبق الحديث بالاكتفاء بزوجة واحدة فقط لأنه لن يستطيع ان يعدل لظروفه المادية واعتماده على راتبه من الوظيفة والذي يعد متواضعا لعمله في مهن ووظائف بسيطة لعدم حصوله على مؤهل دراسي يعينه على العمل في وظائف أفضل.

أبوظبي ـ ممدوح عبد الحميد