رغم أن عدد القائمين على برنامج وطني لا يتجاوز 26 فردا إلا أنهم تمكنوا من إحداث تغيير جذري في مفهوم الهوية الوطنية، وطرق تطبيقها على الأرض، ونتيجة لجهودهم ومن والاهم، حمل عام 2008 شعار «عام الهوية الوطنية» الذي أطلقه صاحب السمو خليفة بن زايد آل نهيان رئيس الدولة «حفظه الله».
حول فكرة وأهداف البرنامج الذي استطاع أن يجمع تحت رايته آلاف المتطوعين على امتداد الوطن، يحدثنا منسقه العام، أحمد عبيد المنصوري عنه قائلاً: «لم تكن فكرة وأهداف برنامج وطني الذي أطلق في الثاني من ديسمبر 2005 عبثية، إنما كانت خطوة مدروسة بكل جوانبها، فهدفها الرئيسي تمحور حول كيفية المساهمة في التنمية المجتمعية من خلال التأكيد على الهوية الوطنية وتعزيزها وتعريفها للآخرين، وزرع روح ممارسات الهوية الوطنية في أعماق المواطن ليطبقها في حياته اليومية، لتكفل له صيانة قيمه ومبادئه وعاداته وتقاليده وزيه الشعبي وحتى لهجته، في ظل العولمة والانفتاح الإعلامي وبما يفرضان علينا أما الإنغلاق أو الانجراف في أنهار العولمة أو الانفتاح على الآخر وتفهمه.
وبالنسبة لنا فقد كان الخيار الثالث هو الأفضل في ظل ثقتنا العالية بهويتنا وثقافتنا الإماراتية التي أفرزت العقول الفذه والقيادة الرشيدة التي أحدثت التنمية الشاملة على مستوى الإمارات. وفي ظل هذا الخيار كان علينا أن نُعرف الآخر على هويتنا الوطنية عبر الممارسة السليمة، بحيث يكون لكل فرد بصمة ايجابية في بناء الدولة والمجتمع، ومن هنا وجدنا في «وطني» حلاً لأي إفرازات سلبية قد تأتي بها العولمة إلى مجتمعنا.
إطلاق البرنامج
ويقول المنصوري: «البرنامج أطلق بتوجيهات كريمة من صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم نائب رئيس الدولة رئيس مجلس الوزراء حاكم دبي، وبدعم كامل من القطاعين العام والخاص بالدولة في الثاني من ديسمبر 2005 وقد سبق الإعلان عنه في مؤتمر صحافي عقد بحضور معالي محمد عبد الله القرقاوي، وزير الدولة لشؤون مجلس الوزراء، وحسين لوتاه، مدير عام مؤسسة دبي للإعلام، والدكتور حمد بن الشيخ أحمد الشيباني المدير العام لدائرة الشؤون الإسلامية والعمل الخيري بدبي.
ومنذ ذلك الحين استطاع البرنامج أن يحدث تغييرا ايجابيا وملحوظا في المجتمع، فمن جهة أصبحت الهوية الوطنية وسبل المحافظة عليها وتعزيزها مدار حديث الجميع، ومن جهة أخرى درجت اللهجة المحلية في كافة الميادين خاصة الإعلامية والإعلانية وهذا ما لم يكن موجودا من قبل. وأذكر أن أول نشاط للبرنامج تمثل في الكشف عن خريطة الإمارات وقد رسمت ببصمات مختلفة، وكان ذلك في إطار الاحتفالات بالعيد الوطني الرابع والثلاثين، حيث أقيم بالتزامن مع نشاطات أخرى على مستوى الدولة شملت عددا من المحاضرات والدورات الثقافية والعلمية والرياضية وغيرها.
ولـ «وطني» سجل حافل بالأنشطة التي تركز في مضمونها على التراث الشعبي وسبل المحافظة عليه، ورغم إنها تعتمد أحيانا على المواسم كفصل الصيف مثلا الذي يقام فيه عديد الفعاليات التي تهتم بالشباب وبتعميق معرفتهم للدولة، ففي عام 2006 أقام البرنامج العديد من الفعاليات والأنشطة التي تركز على الجوانب التوعوية والتثقيفية التي تساهم في خدمة الوطن، ومن أبرزها إعادة الروح للرياضات البحرية، وحملة «بصمة عطاء» التي نظمت في 12 سبتمبر 2006، في إطار مبادرة صاحب السمو الشيخ خليفة بن زايد آل نهيان رئيس الدولة لإعادة بناء المدارس التي هدمتها الحرب في لبنان عام 2006، وكذلك الفعالية المتنقلة لخريطة الإمارات التي انطلقت في نوفمبر 2006 التي مثلت لفته محبة وتقدير للقيادة الرشيدة، حيث اجتمع مواطنو ومقيمو وزوار الدولة لوضع بصماتهم على خريطة الإمارات في عيدها الوطني الخامس والثلاثين، وغيرها من الفعاليات. والأمر ذاته تجدد في العام 2007، حيث بلغت فعاليات وطني أوجها، ليضع بصمته في كل مناسبة قد تحل على الجميع».
المخيمات الصيفية
لقد أبدع القائمون على البرنامج في توظيف طاقات الشباب والطلاب الذين يمثلون حلقة وصل بين الماضي والحاضر والمستقبل، من خلال استثمارها في أنشطة المخيمات الصيفية التي يقيمها بالتعاون مع جهات مختلفة كوزارة التربية والتعليم وهيئة المعرفة بدبي وغيرها، حيث مثلت تلك المخيمات رحلة ميدانية في أعماق الهوية الوطنية، عبر الإطلالة على حياة الآباء والأجداد، والتطرق إلى الفلكلور الشعبي من خلال الرقصات الشعبية وطرق الاحتفالات والتعامل الإنساني وغيرها، وإقامة القرى التراثية التي تمثل البيئات المختلفة للإمارات.
إلى جانب اهتمامها بالأنشطة الترفيهية والتثقيفية والتوعوية والعلمية. واستطعنا من خلال المخيمات أن نزرع حب العمل التطوعي في نفوس المشاركين، حتى يشعروا أن دورا مهما وفاعلا يجب الإسهام به في بناء المجتمع، وباعتقادي أن مجتمع بلا عمل تطوعي هو مجتمع غير ناجح. لقد لاقت هذه المخيمات إقبالاً واسعاً من المدارس، بدليل أن عدد المشاركين في إحدى المخيمات وصل إلى 600 طالب، وفي آخر مخيم تم تنظيمه بلغ عدد الرعاة 17 راعياً، وهو ما يشير إلى نجاح هذه الخطوة.
شعار البصمة
لقد وفق وطني باختياره لشعار البصمة، التي كانت أفضل تعبير عن أفكار وأهداف وطني، إلى جانب إنها تعبر عن الشخص ومساهماته في الدولة، ووضع البصمة على الخريطة هو أمر رمزي ولكنه في النهاية تعبير عن الولاء لهذا الوطن الذي أقيم بفضل بصمات مختلفة، وتعزيز لدور الفرد في بناء المجتمع. يقول أحمد المنصوري حول ذلك: «تعددت بصمات وطني لتضم ألوان علم الإمارات، وتمكنا عام 2006 من جمع أكثر من 600 ألف بصمة شكلت خريطة الإمارات، كما تمكنا بالتعاون مع القيادة العامة لشرطة أبوظبي من جمع نحو نصف مليون بصمة في خريطة واحدة، وهذا بلا شك يعبر عن ولاء حقيقي لهذه الأرض».
ويواصل: «في إطار سلسلة نشاطات وطني قمنا في العيد الوطني السادس والثلاثين بإطلاق حملة «كنوز الإمارات» التي تهدف إلى توثيق الذاكرة الإماراتية، وعملنا على نقلها إلى الصروح الأكاديمية المنتشرة في الدولة، انطلاقا من جامعة الإمارات في العين، حيث دعونا الطلبة إلى اكتشاف ملامح تراث الإمارات عن قرب والتفاعل معه من خلال زيارة القرى التراثية التي يقيمها برنامج وطني في جامعاتهم، لأن هويتنا الوطنية هي ملكنا جميعاً ويجب أن نعي جيدا أن تعزيزها لا يقع على عاتق فريق واحد أو جهة حكومية أو منظمة مجتمع مدني بعينها بل هي مسؤولية جميع الأفراد والمؤسسات في الوطن، ولكل واحد فينا دور في المحافظة عليها وصقلها ونقلها بصورتها العريقة إلى الأجيال المقبلة، ومن هنا كانت فكرة تلفزيون وطني الالكتروني، الذي يهدف إلى الحفاظ على أرشيف بصري من خلال نشر ذكريات الناس وتخزينها واعتماده مرجعاً لاكتشاف ملامح كنوز الإمارات ودراستها في تحصيلهم الجامعي لاسيما أنه يغطي مواضيع مختلف تختصر تاريخ الإمارات وحاضرها وإنجازات أبنائها ورؤية قادتها.
ويضيف: «اختيارنا للطلبة كان بهدف تشجيعهم على التواصل مع كبار السن وتوثيق التاريخ الشفوي الذي قد يضيع مع الزمن في مكتبة إلكترونية يسهل الإطلاع عليها، ولتعزيز دور الطلبة وتشجيعهم على العمل قمنا بإنشاء أندية وطني في جامعتي الإمارات عام 2006 وزايد عام 2007، ومن خلال هذه الأندية التي تتم بإدارة طلابية خالصة، أصبح لنا تواصل دائم مع الطلبة، وحاليا ندرس تعميم هذه الخطوة على كافة الجامعات والكليات الأخرى في الدولة».
إضاءة
ولد أحمد عبيد المنصوري المنسق العام لبرنامج وطني عام 1971 في دبي، ودرس الابتدائية في مدرسة الاحمدية والإعدادية في طارق بن زياد والثانوية في ثانوية دبي، بعد تخرجه من جامعة «غريتن» بالولايات المتحدة الأميركية حيث درس فيها العلوم السياسية والاقتصاد عام 1995 عمل في عدد من المؤسسات الحكومية. وهو حاصل على شهادة الماجستير في إدارة الجودة من جامعة هولنغون الاسترالية في العام 1998.
فعاليات
يحاول القائمون على برنامج وطني استثمار طلبة الجامعات والمدارس من خلال إقامة العديد من الفعاليات التي تساهم في تعميق ولائهم للوطن، فقد دأب القائمون عليه على إقامة المخيمات الصيفية التي تعدى عدد المشاركون فيها الـ 600 طالب، ومن جهة أخرى، أطلقت إدارة البرنامج حملة «كنوز الإمارات» التي تهدف إلى توثيق الذاكرة الإماراتية، وعملت على نقلها إلى الصروح الأكاديمية المنتشرة في الدولة، انطلاقا من جامعة الإمارات بالعين.
ولاء
برنامج وطني جمع أطياف المجتمع الإماراتي
رغم العدد الهائل من الجنسيات الذي يعيش على أرض الإمارات، إلا أن الحديث عن الهوية الوطنية لم يعد مقتصرا على فئة معينة أو أروقة مؤسسة بعينها، إنما أصبح حديث الجميع، ليتحول بين لحظة وأخرى إلى دعوة للحفاظ عليها من الضياع، وقد استطاع برنامج وطني الذي انطلق رسميا في الثاني من ديسمبر 2005 خلال فترة قصيرة أن يجمع حوله جميع أطياف المجتمع الإماراتي، ليرسم في العام الذي تلاه خريطة الإمارات بأكثر من 600 ألف بصمة عبرت جميعها عن عمق الولاء للوطن.
حوار ـ غسان خروب


