مع الحديث عن دمج المعاقين في المجتمع وبشكل خاص في المدارس وأماكن الخدمات الأخرى يطرح الواقع السؤال عن البيئة المؤهلة للأشخاص ذوي الاعاقة في الدولة، وهل تتلاءم مع متطلباتهم كما هو معمول به في بعض الدولة المتقدمة. وما هو المطلوب بالفعل للوصول إلى بيئة مؤهلة حقيقية لذوي الاعاقة تساير المعايير العالمية؟.

سألت وفاء بن سليمان مديرة ادارة رعاية وتأهيل المعاقين بوزارة الشؤون الاجتماعية عن أهمية البيئة المؤهلة لذوي الاعاقة؟ فقالت قضية البيئة المؤهلة تحتل حيزا مهما في حياة الأشخاص المعاقين وقضاياهم المختلفة، وتعتبر مطلبا أساسيا في عملية دمج الأشخاص المعاقين، سواء كان ذلك الدمج الاجتماعي أو التربوي أو الاقتصادي وينظر إلى البيئة المؤهلة في الإمارات العربية على أنها حق كفلته الدولة لهذه الفئة من أفراد المجتمع من خلال القانون الاتحادي رقم (29) لسنة 2006 في شأن حقوق الأشخاص ذوي الإعاقة، ويقوم هذا الحق على مبدأ حرية الأشخاص ذوي الإعاقة في الوصول إلى مختلف المرافق والأماكن العامة، والاستفادة من مختلف الخدمات أسوة بأفراد المجتمع الآخرين، حيث تحدث الفصل الخامس من القانون المذكور، عن ضرورة تقديم الجهات المعنية مختلف التسهيلات الخاصة بالمباني والأماكن العامة، ووصول الشخص المعاق إلى المكان الذي يستطيع غيره الوصول إليه.

والناظر إلى التشريعات والقوانين المختلفة التي تتعلق بحقوق الأشخاص المعاقين والتي ظهرت في الآونة الأخيرة في معظم البلدان العربية والغربية يلاحظ أن موضوع البيئة المؤهلة للأشخاص المعاقين كان من أهم ما تناولته هذه التشريعات. واتفاقية الأمم المتحدة بشأن حقوق الأشخاص ذوي الإعاقة نصت في الكثير من بنودها على حق المعاق في تسهيل وصوله إلى أي مكان ضمن محيطه الإنساني بغض النظر عن نوع الإعاقات أو العمر أو الجنس أو المنطقة الجغرافية التي يسكن بها.

مفاهيم خاطئة

البعض يعتقد أن توفير ممر أو منحدر وكراسي متحركة لذوي الاعاقة يعتبر بيئة مؤهلة لهم؟

هناك الكثير من المفاهيم الخاطئة ارتبطت بمفهوم البيئة المؤهلة أو حرية الوصول، مثل أن البيئة المؤهلة تقتصر على منحدر أو زفٍِ لمستخدمي الكراسي المتحركة أو أن البيئة المؤهلة تعني إجراء تعديلات في دورة المياه لكي يتمكن الشخص المعاق حركيا من استخدامها، أو تعني تخصيص مدخل خاص للأشخاص المعاقين حركيا يدخلون أو يخرجون منه بمعزل عن الآخرين، أو أن البيئة المؤهلة تقتصر على الأشخاص المعاقين ولا يستفيد منها أشخاص آخرون من أفراد المجتمع.

ومن أكثر المفاهيم الخاطئة التي ارتبطت بالبيئة المؤهلة هي أنها تقتصر فقط على الأشخاص المعاقين حركيا وبأن الفئات الأخرى من المعاقين مثل الأشخاص المعاقين بصريا أو سمعيا أو عقليا لا يحتاجون إلى بيئة مؤهلة حيث يمكنهم التنقل والحركة دون مساعدة. وقد نجد أن هناك من يعتقد أن البيئة المؤهلة تقتصر فقط على المباني العامة مثل الدوائر والمؤسسات الحكومية ومراكز الخدمات!.

تسهيلات جزئية

ما تقييمكم لواقع البيئة المؤهلة لذوي الاعاقة في الدولة؟

عند الحديث عن واقع البيئة المؤهلة للأشخاص ذوي الإعاقة في الإمارات نجد أنه لا يمكن الحديث عن وجود بيئة مؤهلة بشكل كامل، حيث مازلنا بعدين عن الوصول إلى هذا الهدف، حيث إن واقع الحال يشير إلى أن التسهيلات الموفرة للأشخاص المعاقين هي جزئية وفي أحسن أحوالها غير مكتملة.

وهناك تسهيلات لا تتبع المعايير العالمية فعلى سبيل المثال نجد أن الكثير من المنحدرات الخاصة بمستخدمي الكراسي المتحركة لا تتبع المعايير العالمية من ناحية مستوى الانحدار والذي يجب أن يكون بنسبة 1/ 12 ( بمعنى نسبة انحدار إنش واحد مقابل اثني عشر انشا في الطول ) أو لا تتبع المعايير العالمية من ناحية التصميم وسهولة الحركة وغير ذلك من الأمور الفنية.

والأمر الملاحظ كذلك بموضوع البيئة المؤهلة في الإمارات هو اقتصارها على فئة واحدة من فئات الإعاقة وهي فئة الإعاقة الحركية من مستخدمي الكراسي المتحركة فنادرا جدا ما نجد أماكن عامة تحتوي على تسهيلات أو بيئة مؤهلة لفئات أخرى من فئات الإعاقة مثل المعاقين بصريا أو سمعيا أو فئات الإعاقة العقلية.

ومن الأمور الأخرى الملاحظة كذلك هي أن الكثير من العاملين في الأماكن العامة والمؤسسات الحكومية والخاصة ينقصهم الوعي أو الخبرة الكافية في التعامل مع فئات المعاقين وكيفية تقديم الخدمات المختلفة لهم، حيث يعد تدريب العاملين ومقدمي الخدمات على التعامل مع الأشخاص المعاقين جزءا من البيئة المؤهلة.

فعلى سبيل المثال لا يكفي أن يكون الفندق أو المطعم مؤهلا لاستقبال الأشخاص المعاقين من ناحية التصميم والممرات والعلامات الإرشادية ما لم يكن العاملون في الخطوط الأمامية في الفندق أو المطعم على علم ودراية تامة بكيفية تقديم الخدمات لهذه الفئة من أفراد المجتمع.

فالشخص الكفيف وعند تناوله وجبة الطعام سواء كان ذلك في مطعم أو طائرة يحتاج إلى معرفة مكان الطعام الموجود أمامه فعلى المضيف في هذه الحالة ان يكون على علم بطريقة التوضيح المتبعة وهي توضيح مكان الأطباق بتباع شكل الساعة كأن يقول للشخص الكفيف إن موقع طبق السلطة يناسب مكان الساعة الثالثة أما موقع صحن الحلويات فهو في مكان الساعة السادسة وهكذا دواليك.

ومثال آخر قد يكون المصعد في الفندق أو مركز التسوق واسعا وعريضا ولوحة المفاتيح موضوعة بموقع منخفض ما يسمح لمستخدمي الكراسي المتحركة من استخدام المصعد ولكن قد لا يسمح للمكفوفين استخدام المصعد بسبب عدم احتوائه لوحة مفاتيح بحروف برايل أو احتوائه على إرشاد صوتي يشير إلى الطابق الذي وصل إليه المصعد.

هل تم تشكيل لجنة خاصة بالبيئة المؤهلة أو التنسيق مع جهات معنية من قبل الوزارة؟

القانون الاتحادي رقم 29 لعام 2006 والخاص بشأن حقوق الأشخاص ذوي الإعاقة لم يطالب بتشكيل لجنة متخصصة بموضوع البيئة المؤهلة، كما هو الحال في موضوع التعليم والصحة والرياضة والعمل، لذلك أخذت إدارة رعاية وتأهيل المعاقين على عاتقها موضوع البيئة المؤهلة للأشخاص ذوي الإعاقة وفي هذا الإطار تم العمل في مشاريع عديدة والتي تم انجازها بالتعاون مع مؤسسات الدولة الأخرى مثل الدفاع المدني والبلديات والمطارات وهيئة الطرق والمواصلات.

وهناك مشاريع أخرى قيد التنفيذ تتعلق بالبيئة المؤهلة للأشخاص المعاقين في الفنادق والحدائق وأماكن الترفيه ومراكز التسوق والمدارس والمستشفيات وغير ذلك من الأماكن العامة جار العمل على تنفيذها بالتعاون مع المؤسسات الحكومية والخاصة.

هل هناك مفهوم محدد للبيئة المؤهلة للمعاقين ؟ وما هي رؤية الوزارة ؟

مفهوم البيئة المؤهلة أو حرية الوصول مفهوم أو مصطلح عام يصف الحد الذي يكون معه المبنى أو المكان أو البيئة أو الخدمات أو الأجهزة مناسبة لأكبر عدد ممكن من الأشخاص. ومفهومنا في وزارة الشؤون الاجتماعية للبيئة المؤهلة يركز على الأشخاص ذوي الإعاقة وحقهم في الوصول إلى أي مكان يستطيع الآخرون من أفراد المجتمع الوصول إليه سواء كان ذلك باستخدام أجهزة وأدوات مساعدة أو دون استخدامها.

وبكلمات أخرى نشير إلى أن البيئة المؤهلة وحرية الوصول تعني المدى الذي يكون به المكان أو المبنى أو الخدمات مناسبا وجاهزا لاستخدام الأشخاص ذوي الإعاقة بمختلف فئاتهم وبشكل خاص الأماكن العامة مثل المؤسسات العامة والحدائق ووسائل النقل والمطارات وأماكن الترفيه والاستجمام والفنادق ومراكز التسوق وأماكن العمل وغير ذلك من الأماكن التي يستطيع أفراد المجتمع غير المعاقين الوصول إليها.

ويشمل مفهوم البيئة المؤهلة استخدام نظام برايل للأشخاص المعاقين بصريا وإشارات اليد للمعاقين سمعيا ونظام صوتي في الأرصفة وتقاطعات الطرق والمنحدرات ذات المواصفات المناسبة لمستخدمي الكراسي المتحركة والأجهزة المساعدة على الحركة، واستخدام نظام متكامل من الرموز والإشارات الدالة على مواقع وأماكن لتسهيلات المناسبة للأشخاص المعاقين، ويشمل كذلك على مواقف السيارات المناسبة للمعاقين حركيا وعلى تصميم صفحات الانترنت بشكل مناسب لاستخدام المعاقين بصريا وغير ذلك من سمات البيئة المؤهلة الكثيرة.

مكونات البيئة المؤهلة

الخبير بوزارة الشؤون الاجتماعية ناظم منصور يقول ان الأنظمة والقوانين المتعلقة بالبيئة المؤهلة تختلف من بلد إلى آخر تبعا لمدى تطور هذه الأنظمة في تحديد عناصر ومكونات البيئة المؤهلة. ونجد كذلك مكونات مختلفة تبعا لطبيعة المكان أو طبيعة الخدمات التي تقدم به، فمكونات البيئة المؤهلة في المطار تختلف بكل تأكيد عن مكونات البيئة المؤهلة في الحدائق وأماكن الترفيه أو المدارس والجامعات أو وسائل النقل.

ومن المتعارف عليه عند الحديث عن مكونات البيئة المؤهلة وجود عناصر أو مكونات خاصة بفئة معينة من فئات الإعاقة، حيث أن لكل إعاقة متطلبات وحاجات خاصة بها تختلف عن حاجة إعاقة أخرى، فعلى سبيل المثال يحتاج الشخص الكفيف إلى بيئة مؤهلة تمكن الشخص الكفيف أو ضعيف البصر من التحرك والتنقل أو الوصول إلى خدمات معينة اعتمادا على حواس أخرى غير حاسة البصر التي يعتمد عليها كثيرا الشخص المصاب بحاسة السمع.

وضمن فئة الإعاقة الواحدة نجد أن الشخص المعاق حركيا ويمكنه استخدام يديه دون صعوبة يحتاج إلى تسهيلات تختلف عن تلك التي يحتاجها الشخص المقعد والذي يجد صعوبة في استخدام يديه، والشخص المعاق سمعيا الذي يعتمد على استخدام المعين السمعي في سماع أو اكتشاف أصوات معينة في البيئة ويمكنه التواصل الشفهي يحتاج إلى تسهيلات معينة تختلف عن تلك التي يحتاجها فاقد السمع تماما ولا يستخدم معين سمعي ولا يمكنه التواصل الشفهي. إضافة إلى ذلك هناك تسهيلات خاصة يحتاجها الشخص المعاق في أوضاع أو ظروف خاصة مثل الحاجة إلى إخلاء المكان أو المبنى عند نشوب حريق أو اية حالة طارئة أخرى.

دبي ـ عادل السنهوري