أصبحت حسابات التجار والموردين هي اللاعب الرئيسي في إظهار الفروق في أسعار السلع الذي يلمسه المستهلك في منافذ البيع المختلفة على مستوى الدولة، فبعيداً عن منطق السوق الحر الذي لا تخضع خلاله السلعة لتسعيرة معينة في جميع المنافذ، يرى كثيرون أن فروق الأسعار بين السلع قد تفتح الباب أمام تجاوزات في بعض المنافذ لاسيما الصغرى التي تعتبر نفسها بمنأى عن الرقابة.

وبحسابات السوق يرى تجار وموردون أن هذا التباين السعري يرجع إلى عوامل عدة في مقدمتها هامش الربح الذي يضعه كل تاجر على السلعة التي يقوم باستيرادها ومن ثم بيعها في منافذ البيع المختلفة واختلاف التكاليف التشغيلية والإدارية بين كل تاجر وآخر حسب حجم عمله.

ويضاف إلى هذا العامل عوامل أخرى تتدخل في إظهار هذه الفروق مثل تاريخ صلاحية المنتج ومصدر التوريد والإيجارات وكذلك تكاليف التخزين بالإضافة إلى العمولات التي يتم دفعها في بعض الأحيان لاستيراد المنتج وهي التكاليف التي يتم تحميلها بشكل طبيعي على سعر المنتج.

كما أن الإجراءات التي اتخذها عدد من منافذ البيع الكبرى تعتبر شريكا رئيسياً في إظهار هذه الفروق، فعلى سبيل المثال أقدمت الجمعيات التعاونية على الاستيراد المباشر لعدد من السلع الأساسية كالأرز من الخارج، وبالتالي كان من الطبيعي أن ينخفض سعر الأرز في هذه المنافذ بنسب كبيرة مقارنة بما هو عليه في منافذ البيع الأخرى كالمحال التجارية و«السوبر ماركت» التي تعتمد على الحصول عليه من الموردين.

وعلى الرغم من الإقرار بوجود هذه الفروق بين مختلف منافذ البيع إلا أن تجارا وموردين أكدوا أنها تعتبر غير ملموسة بشكل كبير وهو ما أكدت عليه وزارة الاقتصاد بالإشارة إلى أن الرقابة المستمرة التي تفرضها على منافذ البيع المختلفة والإجراءات الصارمة التي تتخذ بحق أية تجاوزات تحول دون وجود فروق سعرية كبيرة في المنتجات بين مختلف منافذ البيع.

وأشارت مصادر مسؤولة بالوزارة إلى أن هذه الفروق السعرية لا تعني وجود تجاوزات في السوق خاصة إذا كانت طفيفة، فهي تعتبر منطقية في ظل تطبيق مبدأ السوق الحر الذي لا تخضع خلاله السلعة لتسعيرة ما، مشيرة إلى أن الأهم في هذه الأمور هو مصلحة المستهلك وعدم وجود تجاوزات.

فيما يرى مستهلكون أن هذه الفروق السعرية للسلع بين مختلف المنافذ تحتاج إلى إعادة نظر، خاصة وأن البعض يستغلها لرفع الأسعار بصورة مبالغ فيها، مشيرين إلى أن أغلب هذه التجاوزات تكون في المنافذ الصغرى التي تعتبر نفسها بعيدة عن أعين الرقابة بدرجة كبيرة.

ووفقاً لمستهلكين، أشار عيسى الصمدي مدير حسابات في أحدى المؤسسات الحكومية إلى أن فروق الأسعار تبدو ملموسة بدرجة كبيرة في مختلف منافذ البيع ولا تعتبر طفيفة، فعلى سبيل المثال يباع الدجاج الطازج زنة 1000 جرام في جمعية أبوظبي التعاونية بـ 16 درهماً بينما نجده في «الهايبر ماركت» بـ 17 درهماً ويقفز إلى 19 درهما في المحال التجارية الكبرى والبقالات، مشيراً إلى أن الأمر يؤكد على ضرورة وجود رقابة من وزارة الاقتصاد على مختلف المنافذ لاسيما الصغرى من أجل ضبط هذه الأمور.

وأوضح أن غالبية المستهلكين يعتمدون على منفذ بيع واحد لشراء احتياجاتهم ولا يمكن لهم أن يقوموا بمسح السوق للتعرف على الأسعار الأخرى للسلع في كل منفذ على حدة، وبالتالي فالأمر بحاجة إلى إعادة ضبط لوجود معيار شبه واحد للأسعار لاسيما في منافذ البيع الكبرى، خاصة إذا كان الأمر يتعلق بتفاوت في أسعار السلع في مختلف المنافذ بمقدار ليس بالقليل.

فيما أشارت سلمى غريب ربة بيت إلى أن فروق الأسعار بين مختلف المنافذ يبدو بسيطاً في السلع التي لا تلامس بشكل أساسي احتياجات الجماهير، إلا أنه يبدو كبيراً في سلع أخرى تعتبر أساسية للبيت لاسيما الأرز الذي يبلغ التباين في سعره بين الجمعيات التعاونية والمحال التجارية الكبرى 20 درهماً، وأيضاً الدجاج الطازج والمجمد.

وأوضح كمال عبد العزيز موظف حكومي أن فروق الأسعار تظهر بشكل كبير في منافذ البيع الصغرى مقارنة بما هي عليه في الجمعيات التعاونية و«الهايبر ماركت» خاصة في المنتجات الأساسية التي تلامس احتياجات الجماهير اليومية، مشيراً إلى أن هذه المنافذ بحاجة إلى المزيد من الرقابة خاصة وأنها تعتبر الملاذ الأمثل لعدد من الأسر التي تعتمد على طريقة الدفع الأجل الذي يتاح فقط في هذه المنافذ.

وقال علي شريف ويسكن في منطقة الفلاح في أبوظبي إن البقالات والمحال التجارية في المناطق البعيدة عن قلب مدينة أبوظبي تلجأ إلى رفع الأسعار بصورة مبالغ فيها، معتمدين على عدم وجود رقابة صارمة عليهم بالإضافة إلى عدم وجود مراكز بيع كبرى قريبة تنافسهم، مشيراً إلى أنه لامس بنفسه ارتفاع أسعار السلع في هذه البقالات بشكل يفوق نظيرتها داخل مدينة أبوظبي.

وأوضح أنه سعياً منه للهروب من جشع هذه المنافذ يضطر إلى الذهاب إلى فرع جمعية أبوظبي التعاونية في الشهامة لأجل قضاء احتياجاته، إلا أن المشكلة تكمن في أن هناك بعض السلع التي يصعب العثور عليها في الجمعية وتتوافر في البقالات.

أسباب عدة

وقال محمد الخالدي، تاجر: إن سبب تباين الأسعار لذات السلعة أو لمجموعة السلع الواحدة يعود في المقام الأول إلى الاختلاف في تكلفة البيع والعرض للمحلات التجارية المختلفة، مشيراً إلى أن المحلات تتحمل مصاريف ومستلزمات في ظل غلاء المعيشة مثل تكلفة الإيجار وتكلفة رواتب العمال.

وأشار أحمد المحمدي تاجر إلى أن هناك أسبابا عدة تؤدي إلى تفاوت الأسعار في مختلف منافذ البيع فهامش الربح الذي يتم تحديده يختلف بين تاجر وآخر وفقاً لحجم أعماله وتجارته، لافتاً الى أن الأمر لا يمثل ظاهرة خاصة وأن هذا التفاوت لا يعتبر كبيراً لاسيما بين المنافذ الكبرى التي تعتبر المقصد الأول لعدد كبير من المستهلكين.

وأوضح فيصل العرشي نائب مدير عام جمعية أبوظبي التعاونية أن فروق الأسعار بين منافذ البيع المختلفة تخضع للعديد من العوامل من بينها استراتيجية كل منفذ على حدة والأسلوب الذي تقوم خلالها بجلب السلع المختلفة، مشيراً إلى أنه على سبيل المثال فإن أسعار الدجاج في جمعية أبوظبي التعاونية تعتبر الأقل مقارنة ببقية المنافذ لان الجمعية تعرض المنتج بأقل من سعر الشراء.

وأضاف أن سعر شراء المنتج من المورد هو 17 درهماً للدجاج الطازج زنة 1000 جرام أي أن الجمعية تبيعه بأقل من سعر الشراء، بالإضافة إلى وجود العديد من السلع الأخرى التي تطرحها الجمعية بسعر مخفض مثل الأرز، مشيراً إلى أن هذا الأمر يأتي من منطلق أن الجمعية لا تعتبر ربحية بالدرجة الأولى وإنما تسعى في المقام الأول إلى خدمة المستهلك بغض النظر عما تحققه من أرباح.

وبدورها أكدت وزارة الاقتصاد أنها عبر إدارة حماية المستهلك تمارس العديد من الاختصاصات التي من شأنها التصدي لأي شكل من أشكال الاستغلال حيث تتولى الإدارة مراقبة حركة الأسعار والعمل على الحد من ارتفاعها والعمل على تحقيق مبدأ المنافسة الشريفة ومحاربة الاحتكار بالإضافة إلى تلقي شكاوى المستهلكين واتخاذ الإجراءات المناسبة بحقها.

وقال الدكتور هاشم النعيمي مدير إدارة حماية المستهلك بوزارة الاقتصاد إن الوزارة تقوم بحملات تفتيش مستمرة لمنع استغلال بعض التجار والتلاعب بهدف تحقيق المزيد من الربحية، مؤكداً حزم الوزارة مع التجار ومنافذ البيع في حال محاولتهم رفع الأسعار والحرص على التعاون مع الموردين في الدولة لتعديل أسعار المواد الاستهلاكية وفقاً للتسعيرة العالمية بما يخدم مصلحة المستهلك.

وقال أستاذ الاقتصاد الدكتور عيسى سالم إن الدولة تعتمد على الاقتصاد الحر، فالسوق لا يوجد به نظام التسعيرة فلا يوجد تسعير موحدة للسلع الغذائية والبضائع الأخرى، فالعملية متروكة للجميع فبإمكان أي تاجر تحديد السعر الذي يناسبه، مشيراً إلى أن هذا الأمر قد يستغله البعض في رفع الأسعار فتظهر الفروق السعرية بين مختلف المنافذ بصورة غير منطقية.

وأوضح أنه في هذه الحالة فإنه يكون للرقابة دور حيوي في الحيلولة دون حدوث أية تجاوزات في منافذ البيع المختلفة، حرصاً على التطبيق الصحيح لمفهوم الاقتصاد الحر، مشيراً إلى أن الإجراءات التي اتخذتها وزارة الاقتصاد سابقاً بثبيت أسعار مجموعة من السلع في منافذ البيع الكبرى ساهمت بشكل كبير في التصدي لهذا الأمر.

أبوظبي ـ أحمد جمال