نعلم أن الحياة يمكن أن تبدأ مرة- ثانية.. وربما ثالثة... عندما نقرر لها ذلك دون النظر إلى أي معوقات أخرى يمكن أن تقف أمام الانطلاقة نحو أفق جديد .. كيف نجد أنفسنا في علاقتنا مع الحياة الجديدة دون اعتبار إلى شهادات الميلاد .

فكثير من الأشخاص لا يحب أن يقال عنه إنه وصل نهاية الطريق، لأن ذلك يعني جمود التفاعل والتجربة مع الحياة، لكن هذا الأمر عندالشعراء عكس ذلك لأنهم عشاق الآفاق المفتوحة والإبداع والسعي نحو التغيير دائما.

وبالواقع إذا كانت خبرة الحياة هي رصيد للوقار والأفكار، فهي تلاحقنا جميعا، لذا علينا وإن غزا رؤوسنا الثلج الأبيض، أن نتعلم فن التعايش مع راحة البال، ونعطي كل ساعة فرحة خاصة، إذا التقينا بأحفادنا أصبحنا منهم، وإذا رأينا أصدقاءنا ضحكنا معهم على ذكريات قديمة.

ونموذج »حصاد العمر« الذي نعرضه اليوم هو دلالة على ربيع عمر متجدد، يدعو إلى الراحة بعد عناء طويل، وذلك من خلال لمعان ينعكس من عينين وروح عاشقة للحياة.

سالم علي برطاع الهاملي ترجل عن صهوة الوظيفة بعد 35 عاما قضاها في خدمة أهله ووطنه ومنطقته تقلد خلالها عدة وظائف في عدة مواقع في الوقت الذي كانت فيه المنطقة في أمس الحاجة لأبنائها المتعلمين. وهو يؤمن بتجديد الدماء لكن بصورة تحفظ الجميل للموظف المحال للتقاعد مكانته.

كيف بدأت حياتك العملية؟

أولا بدأت حياتي وأنا تلميذ بمدرسة ابتدائية بمنطقة طريف بالمنطقة الغربية تبعد 45 كيلومترا عن مدينة زايد و 120 كيلومترا عن مكان سكني في ليوا جنوب مدينة زايد وكانت تشرف على المدرسة إحدى الشركات التي تنقب عن البترول في المنطقة الغربية وتمنح الشركة لكل طالب 5 روبيات يوميا وكنت أفضل شراء البيبسي من (الكنتين) ولا يوجد بالكنتين سوى الحلوى والبيبسي ..

وتعمل المدرسة بالنظام البريطاني حيث تركز على اللغة الانجليزية والرياضيات والأمور المهنية والفنية. وأمضيت 4 سنوات بالمدرسة ثم انتقلت في الفترة من (61 -1962 ) إلى أبوظبي لمواصلة تعليمي ثم التحقت بأول مدرسة نظامية تم افتتاحها في الفترة من 66 - 1968 بمدينة زايد بالغربية.

ما هي طبيعة العمل ؟ وما هي الوظائف التي تدرجت فيها؟

بدأت عملي كرئيس قسم في دائرة الكهرباء والماء في مدينة زايد في الفترة من (73 - 1980) فيما كنت أواصل تعليمي في الفترة المسائية ثم تم اختياره مديرا لمكتب الشؤون الإسلامية والأوقاف في الفترة من (80 ـ 1986) وبعد إتمام الثانوية عملت مديرا للمنطقة التعليمية في الفترة من (86 ـ 2003) ..

وطبيعة عملي كانت إدارية وفنية بحتة، ومدير المنطقة التعليمية يواجه بعض الصعوبات خاصة إذا لم يفهم طبيعة المجتمع الذي يتعاون معه فالشخص الذي لا يجيد عرف المجتمع الذي يتعامل معه يفشل في عمله أو يفشل في اكتساب ثقة الناس وخاصة إذا كان في مركز قيادي .. وفي هذه الحالات كنت أتقيد باللوائح التي تنظم العمل وخاصة في العمل التربوي وأنفذها على الجميع، فالعمل في حقل التعليم خطير لذلك كنت استعين بمساعدين لمدير المنطقة بأخذ برأيهم في الأمور الفنية واللوائح التي تنظم العمل.

كيف تنظر إلى طبيعة عملك وما وصلت إليه؟

طبيعة عملي تحتاج إلى الصبر وخاصة في مجال التعليم وتحتاج إلى الحكمة والتروي في التعامل مع شرائح من المجتمع من مواطنين ومقيمين، وكنت انظر دائما إلى التطوير حيث كنت أعمل على مدار الساعة فهاتفي المحمول لا يتوقف عن الرنين ليلا ونهارا و أرد على السائلين في كل الأوقات واستخدم سيارتي الخاصة للطواف على مدارس المنطقة وهي منطقة شاسعة..

والشيء الذي اشعر بأنه تحقق عندما استلمت إدارة المنطقة التعليمية كان عدد المدارس الذي لم يكن يتجاوز 20 مدرسة وروضة وتركت العمل وقد وصل عدد المدارس حوالي 36 مدرسة وروضة تقريبا وتم فصل مدارس جزيرة دلما عن ابوظبي وضمها لإدارة المنطقة وهذا يعود لجهود كافة العاملين بقطاع التعليم وتوجيهات الحكومة الرشيدة.

هل حققت الأهداف المرجوة من عملك؟

لم أحقق كل شيء لكن أحس بأنني ساهمت مع زملائي و بالتنسيق مع الجهات الحكومية في عمل شيء، حيث بدأنا افتتاح المزيد من المدارس ورياض الأطفال في عدد من مدن المنطقة بإلحاح من المواطنين وبتعاون الجميع بالميدان التربوي توسع الميدان التربوي كما ازداد عدد الطلاب في جميع المراحل بالمنطقة الغربية.

صف أول يوم وآخر يوم عمل لك؟

أول يوم لي في دائرة الكهرباء كموظف، كانت عملية الحضور والانصراف في أول الأيام مقلقة بالنسبة لي و خاصة أنني بدوي وطبيعة البدوي الحركة بلا قيود إلى أن مضت فترة طويلة حتى تأقلمت مع الوضع الجديد وكان جل همنا التركيز على محطات توليد الكهرباء كنا حريصين على عدم انقطاع التيار الكهربائي من المدينة خاصة في فترة الصيف، وآخر يوم كان مفاجأة غير سارة عندما قرأت في إحدى الصحف المحلية خبر إحالتي إلى التقاعد بدون علمي.

بعد سنوات عمل طويلة ما الحكمة التي خرجت

بها ؟

الحياة ادوار لكل واحد منا دور يلعبه ويقول المثل (لو دامت لغيرك ما وصلت إليك) وان العمل يعطيك موقعا اجتماعيا وحياة اجتماعية ويكون لك معارف كثر وخاصة العمل في مجال التربية والتعليم فهو عمل طيب ومقدس لكن يتطلب منك أن تتعايش مع الجميع وتكون بينك وبينهم شعرة معاوية وعلى المسؤول أن يحرص على ألا تنقطع هذه الشعرة على أي حال.

هل لك أن تلخص لنا خبرة 35 عاما في جملة واحدة.؟

«دخلت الحياة العملية من الباب وخرجت من نفس الباب» وعلى المرء الذي يعمل في أي موقع أن يؤدي الأمانة ويرد الجميل للوطن بلا مقابل وبما يرضي الله ورسوله الكريم وان يتعامل المسؤول مع الجميع بحكمة وخاصة في مجال التعليم لان الموظف في هذا المجال يتعامل مع الطالب وولي الأمر والأجهزة الحكومية والمجتمع.

ما الفائدة الثقافية والاجتماعية التي خرجت بها؟

العمل في الدواوين في حد ذاته ثقافة لان الموظف يتعامل مع شرائح من المتعلمين والعلماء لذلك يكتسب أشياء جديدة وفي مجال التعليم تتسع معارفه وتتكون له صلات ومعارف جديدة كما يتطلع على عادات وتقاليد وأساليب جديدة. ويضيف إن الاحتكاك مع الناس والمتعلمين والمثقفين يزيد ثقافة الإنسان خاصة إن العمل بالتربية لأنه يرتاده المثقفون والمتعلمون من الناس ..

وعلى الصعيد نفسه إن الاحتكاك بشرائح المجتمع مهم وان الناس في المناطق التي كنت أعمل فيها طيبون رغم ان معظمهم لا يقرأ ولا يكتب، ويحترمون النظام وسياسة التعليم وكذلك يهتمون بتعليم أبنائهم..لافتا إلى إن تحصيل الشباب في السابق أفضل من الآن.

ماذا تنصح الموظفين الجدد؟

انصحهم بان يكون عملهم لوجه الله تعالى ويعتبر الموظف نفسه يؤدي خدمة للمجتمع وان يتحلى بسعة الصدر وأن يكون بشوشا أمام الشخص المراجع و له قدرة على إقناعه بسلاسة وشفافية.

ما هي أصعب المواقف التي تعرضت لها بالعمل وكيف تعاملت معها؟

عندما اتخذت إجراء أول حركة تنقلات داخلية لمدرسي المدارس واجهت صعوبة في نقل بعض المدرسين لان لهم علاقات متنفذة وربما هذه العلاقة يستفيد منها المواطن والمعلم خاصة في مجال الدروس الخصوصية، وكلما حاولت نقل معلم يعترض بعض الإخوة الذين لهم منفعة لكن اتخذ قرار نقل المعلم رغم الاعتراض لان في نظري التراجع عن اتخاذ القرار يعتبر فشلا حتى لو أدى ذلك إلى إنهاء خدمتي ..

وأضاف إن هذا الموقف احدث صدمة في نفوس البعض لأنهم ينظرون من زاوية مصالحهم وأنا انظر من اجل مصلحة أبنائهم فان التعامل مع الناس يبدأ بالنصح والإرشاد ولكن أي قرار يخص مصلحة العمل ينبغي ألا يجامل فيه لذلك كان الإصرار ضروريا في مثل هذه الحالات.. وأجمل هذه المواقف إن الناس أخيرا أدركوا أهمية التعليم وتركوا قضية التعليم لإدارة المنطقة التعليمية وعدم التدخل فيها.

ما هو أصعب قرار اتخذته في حياتك ؟

أصعب قرار اتخذته في حياتي الزواج بزوجة ثانية.

لو عاد الزمن إلى الوراء هل تختار الوظيفة نفسها ؟ وماذا تتمنى أن يتغير؟

لو عاد الزمن إلى الوراء لم ولن اختار العمل في التربية والتعليم لأنه ميدان صعب ويحتاج إلى طاقة وحكمة .. وأتمنى من القادمين في أي إدارة أن يبدأ من حيث بدأ الآخرون في جميع الأحوال بمعنى أن الموظف أو الإداري الجديد يبدأ من حيث انتهى سابقه ولا يبدأ من الصفر، وينظر إلى أن الآخرين لم يعملوا شيئا ..وكنت أتمني أن التعليم يتغير إلى الأفضل لمواكبة التطور الجاري.

كيف ينظر أبناؤك إلى طبيعة عملك ؟

الحمد لله أبنائي تقلدوا مناصب مختلفة ونجحوا في شق طريقهم رغم انشغالي بالآخرين وهم يقدرون عملي في الميدان التربوي باعتباره رسالة مقدسة وعمل يؤجر علية.

ما هي خططك المستقبلية للعمل وما هي أولوياتك؟

أنا احترم هذه الحكمة ( خيركم من طال عمره وحسن عمله).. تم اختياري بعد عام من التقاعد عضوا في لجنة المصالحة وهي لجنة دورها مساعدة القاضي في أمور الإرث والمشكلات المجتمعية حيث تقوم اللجنة بتقييم الوضع والحقوق بين الأطراف المتنازعة وهي لجنة شعبية مكونة من ذوي الخبرات في العرف القبلي وان هذا الدور يأتي ضمن أولوياتي في خدمة المواطن البسيط.

هل تعتقد انك تلقى التقدير الذي تستحقه من المجتمع وأصدقائك؟

أتمنى أن يكون ذلك ولكن بحمد الله ما زالت تربطني صلات قوية بين أصدقائي هم يزوروني وأزورهم ويتواصلون معي كذلك هناك تواصل مع العاملين في المنطقة التعليمية من معلمين وعاملين ومن بينهم الإخوة المقيمون وآخر كلمة أرجو أن يسامحني الجميع إن كان هناك قصور بدر مني لبعض العاملين.

المنطقة الغربية ـ عبدالله محمود