حذر الدكتور هنري مناسي المدير التنفيذي للجمعية الاميركية لصيادلة النظم الصحية من الاستعمال العشوائي للأعشاب الطبية مشددا على أن بعضها قد يسبب وفاة فورية لمستخدميه، ودعا الجهات ذات الاختصاص إلى الحزم في وقف أنشطة هؤلاء الباعة مؤكدا في الوقت ذاته على أنها ظاهرة عالمية ولكن من الضروري محاربتها في ظل تطور العلوم الحديثة.

وتحدث هنري مناسي الذي يعد واحدا من أشهر الصيادلة على مستوى العالم في حوار أجرته معه «البيان» عن مستويات الصيادلة الذين يمارسون المهنة مؤكدا على أن الصيدلة لم تعد كما كانت عليه في السابق عندما كان يقتصر دور الصيدلي على صرف الأدوية بدون الحاجة لمعرفة التركيبات الدوائية أو الحرص على سلامة المرضى. وأشاد مناسي بالمستوى الكبير الذي حققه قسم الصيدلة بمستشفى توام بالاشتراك مع جونز هوبكنز، مؤكدا على أن ما وصل إليه يضاهي أشهر الصيدليات في المستشفيات المتقدمة في الولايات المتحدة الأميركية مشيرا إلى سعي فريق الصيادلة بقيادة الدكتور هاشم الطريفي إلى تطوير المهنة وتطبيق أحدث توصيات الجمعية الأميركية لصيادلة النظم الصحية بخصوص مقاييس الأداء بالنسبة للخدمات الصيدلانية.

وتطرق مناسي إلى مشكلة المناهج التي لا تزال تدرس في كليات الصيدلة بدول المنطقة والإمارات والتي لا تواكب التطور النوعي الذي شهدته مهنة الصيدلة، داعيا في الوقت ذاته إلى بذل المزيد من الجهود لنشر الثقافة الدوائية، وتحديث قوانين صرف الأدوية الملزمة والتي تساهم بدورها في تنظيم عمل الصيدليات الخاصة، وضرورة إقامة جمعيات أهلية لأهل المهنة تقوم بإصدار التشريعات ومراقبة الأسواق. وإلى نص الحوار:

بداية وددنا لو توضح لنا المفهوم الحديث لمهنة الصيدلة مقارنة بما كانت عليه في الماضي.

تعلمون أن العلوم في مجملها تقدمت وتطورت بشكل لافت ساعد على ذلك سهولة الاتصال وانتقال المعلومات وأشير هنا إلى الإمارات التي تسخر إمكانيات هائلة في سبيل الاستفادة من العلوم المتقدمة ونقل التجارب النوعية إلى داخل الدولة، وبالنسبة لمفهوم الصيدلة كلنا نتذكر أن الصيدلي كان في السابق عبارة عن شخص يقوم بقراءة الوصفة الطبية.

ومن ثم صرف الأدوية التي تحويها دون الحاجة لمعرفة تراكيب الأدوية وفوائدها واستعمالاتها وتأثيراتها وما إلى ذلك من دور كان يؤديه الصيدلي لكن في الوقت الحالي نجد أن الصيدلي صار جزءا هاما من فريق العمل والمكون من الأطباء والصيادلة والممرضين والفنيين،وأصبح عليه مهام تتعدى دور صرف الدواء إذ أصبح لابد له أن يملك معلومات كافية عن الأدوية من حيث تراكيبها وجوانب السلامة وصار دوره لا يقل أهمية عن دور الطبيب.

هناك إقبال متزايد خلال السنوات القليلة الماضية على الأعشاب الشعبية ومحلات العطارة كيف تقيمون هذا الإقبال؟

أنا أوكد أن هذا الإقبال غير مدروس مع العلم أن التداوي بالأعشاب ليس جديداً على العالم أجمع لأنه بدأ منذ آلاف السنين ولكن ما نعرفه أن هناك العديد من الأعشاب التي تشكل خطورة كبيرة ومن الممكن أن تسبب الوفاة خصوصا إذا ما كان العاملون في هذا المجال لا يملكون العلم الذي يؤهلهم لصرف تلك الأعشاب أو النصح بها.

وبالطبع هم اعتمدوا كثيرا على أساليب الدعاية والإعلان عن تلك الأعشاب ولكنها مضللة وخطرة إلى حد كبير وأتذكر حادثة وقعت في الولايات المتحدة الأميركية عندما كانت تباع أعشاب تسرع دقات القلب وتعرف باسم «الإفيدرا» وكان ينصح بها لتخفيف الوزن وإعطاء الجسم طاقة ولكنها وبعد أن اتضح خطرها الواضح على الصحة تم منعها بشكل قاطع لأنها من الممكن أن تؤدي إلى الوفاة في حال أخذ جرعات عالية منها.

وهنا أدعو الجهات ذات الاختصاص إلى الحزم في منع هذه الأعشاب من الأسواق وتجريم تداولها،حتى ان البعض من هذه الأعشاب تؤثر بشكل واضح على عمليات التخدير وأنصح هنا أن يحضر كل شخص الأعشاب التي استعملها معه قبل مراجعة أي طبيب لفحصها والتأكد من كونها لا تشكل خطراً على صحته.

ما هو تقييمك لمستوى مهنة الصيدلة في الإمارات بعد أن شاركت في مؤتمر الصيدلة الذي أتاح لك فرصة الالتقاء بشريحة كبيرة من الصيادلة؟

حقيقة أنني لمست تطوراً واضحاً في الأداء في الإمارات مقارنة بالعديد من الدول التي زرتها وخصوصا في مستشفى توام بالاشتراك مع جونز هوبكنز ومن خلال المؤتمرات التي يشاركون فيها وأتذكر أنه في أغسطس الماضي عقد مؤتمر صيادلة المستشفيات العالمي في مدينة بازل بسويسرا وكان مستوى المشاركة فيه يصل إلى 300 صيدلي متخصص يمثلون 120 دولة إحداها كانت دولة الإمارات وناقش المشاركون إمكانية وضع رؤية دولية لمهنة الصيدلة من مبدأ أن لكل مريض الحق في الحصول على أفضل الخدمات وتمخض عن المؤتمر الاتفاق على 74 توصية تحدد المهام ومستويات الأداء وكنا على ما أتذكر نطالب الدول المشاركة ضرورة توحيد الرؤى ومستويات الأداء بين الجامعات والمستشفيات والحكومات في ما يخص الصيدلة.

وخلال زيارتي للإمارات سعدت كثيرا لما شاهدته في مستشفى توام الذي يطبق الكثير من هذه التوصيات بالشكل الذي يفوق العديد من المؤسسات الطبية في العالم ويضاهي المتقدمة في أميركا بدءا من عمليات التنظيم وتطوير إمكانات الكوادر الصيدلانية العاملة وتنفيذ محاضرات التوعية والإطلاع على آخر التجارب وخصوصا جانب توعية الجمهور الذي يتفرد به توام على مستوى المنطقة.

كما اطلعنا على المشاريع الجاري تنفيذها ومنها استخدام الرجل الآلي في صيدليات توام ومشروع الدراسات العليا الذي يتيح للمتقدم لها التدريب بالإمارات ثم الحصول على الشهادات من أميركا بالتعاون مع جامعة بوردو والذي يخطط له حالياً.

وحقيقة في توام وجدنا تصوراً واضحاً للجوانب التي يجب تطويرها بقيادة الدكتور هاشم الطريفي وصولا لتطبيق خطة 2015 التي تتبناها الجمعية الأميركية لصيادلة المستشفيات بالإضافة إلى كون مستشفى توام المستشفى الوحيد في الإمارات والذي يمكن للصيدلة من خلاله تقديم امتحانات البورد للتخصصات الصيدلانية بدلاً من الذهاب للولايات المتحدة الأميركية.

كما انه يملك لجنة للسلامة الدوائية وصيدليا إكلينيكيا متخصصا في هذا المجال ويشرف عليها نائب المدير الطبي بالمستشفى الدكتور رياض عبد الكريم ويعتبر مستشفى توام رائداً في هذا المجال.

رت العديد من دول المنطقة ما هي الفكرة التي تكونت لديك من خلال هذه الزيارات وخصوصا في مجال الصيدلة؟

أعتقد أن هناك فارقاً شاسعاً بين ما نشهده من صيادلة وبين طبيعة المهام المنوطة بهم وأسوق لكم هذا المثال ثم نعود لشرح طبيعة هذا الفارق،زرت دولة عربية وهي مشهورة بكثرة مصانع الأدوية فيها ولذلك نجد إقبالاً جيداً على دراسة الصيدلة،وتوجه الخريجين للعمل في تلك المصانع،والغريب أنهم أهلوا للعمل في مصانع أدوية في الوقت الذي لا يمكن الاعتماد عليهم للعمل في المستشفيات لأنهم بكل بساطة غير مؤهلين لذلك.

إذن الفارق بدأ من خلال الدراسات الجامعية أولا، وكلنا نعلم أن هناك توجها للتخصص حتى في الصيدلة،ودور الصيدلي الجديد بات بحاجة ماسة إلى وجود تخصص،فيما التعليم الجامعي لم يشهد أي تطور يلبي الاحتياجات الفعلية للمستشفيات التي أصبح الصيدلي فيها يعمل ضمن فريق عمل مكلف بالعديد من المهام الحيوية التي لا يمكن الاستغناء عنها أو إغفالها إذن نحن بحاجة سواء في الإمارات أو دول المنطقة إلى تحديث المناهج الدراسية التي تعتبر كلاسيكية إلى حد كبير ولا تخدم المهنة ولا ترقى لتطلعات النهوض بمهام الصيدلي الحديثة.

قابلت مجموعة كبيرة من الصيادلة في الإمارات من خلال مؤتمر توام الدولي للصيدلة ما هي الملاحظات التي خرجت بها؟

من الطبيعي أن الشخص عندما يستعرض تجربة الآخر أو يطلع على تجارب الآخرين يبدأ بشكل تلقائي في المقارنة بين ما وصل إليه وما وصلوا إليه هم في ذات المجال وأحب التنويه إلى أننا في الولايات المتحدة الأميركية نعمل تحت مظلة الجمعية الأميركية لصيادلة النظم الصحية ويندرج تحت عضويتها قرابة 36 ألف صيدلي مستشفيات وتصدر عنها كتيبات ونشرات دورية شاملة لكافة الأدوية.

بالإضافة إلى مستويات الأداء المطلوبة وهذه المنظمة انبثق عنها تقرير يركز على نقاط تطوير المهنة حتى العام 2015 وتمحورت تلك النقاط على ثلاثة جوانب أولها الدور القيادي في أقسام الصيدلة لأنه لوحظ أنه بات من الصعوبة إيجاد أشخاص مؤهلين قادرين على أداء مهامهم بالشكل المطلوب وعمليات شراء وتخزين وتوزيع الأدوية ومتابعة مفعولها وأخيرا مستوى الفاعلية الإكلينيكية التي يجب أن يلعبها الصيدلي لنجاح العملية العلاجية.

وفي الإمارات نجد العكس بمعنى أنني لم أسمع عن وجود نقابات أو منظمات أهليه تنظم عمل الصيادلة تتولى عملية إصدار التراخيص، وتتولى عمل الاختبارات الدورية للصيادلة للوقوف على آخر المستجدات من حيث مواكبتهم لكل ما هو جديد في هذا المجال ومن الممكن أن تتولى هذه النقابات أو اللجان عملية التوعية بطرق استخدام الأدوية وإصدار الكتيبات والدراسات وغيرها من المهام التي من شأنها رفع مستوى الأداء المحلي،وهذا بالمناسبة جانب يجب الالتفات إليه وإعطاؤه قدراً كافياً من الأهمية.

كيف تقيمون قوانين صرف واستخدام الأدوية لا سيما وأن هناك أدوية من الممكن إساءة استخدامها عن قصد وبدون قصد؟

في اعتقادي أن قوانين صرف الأدوية بحاجة إلى مراجعة بالشكل الذي يضمن سلامة الأفراد وينظم عمليات البيع وخصوصا تلك المستحضرات الطبية التي كما تفضلت يمكن استخدامها بقصد أو بدون قصد.

وعلى سبيل المثال لا الحصر الاستخدام العشوائي للمضادات الحيوية بدون وصفات طبية قد يقلل مستوى المناعة لدى الأشخاص، بالإضافة إلى عدم تقبل الجسم لمستوى الجرعة والحاجة في المرات القادمة إلى جرعات أكبر، وقد لا تجدي نفعا وخصوصا عندما يتناولها الشخص ببساطة وكأنها كبسولة مسكنة لألام الرأس.

ما الذي تقدمه الجمعية الاميركية لصيادلة النظم الصحية لدول العالم الثالث من برامج تساعد على الرفع من مستوى الأداء؟

بالطبع المنظمة تحمل على عاتقها إصدار وتوزيع كتاب نظام الدواء الأميركي للمستشفيات وذلك بالتعاون مع الاتحاد العالمي للصيادلة وفيه معلومات حول جميع الأدوية المسجلة في أميركا وطبع ونشر قوانين الأداء المطلوبة بالإضافة إلى موقع المنظمة على الانترنت والذي يتيح للكل الإطلاع على أخر المستجدات في هذا المجال بالإضافة إلى إصدار التوصيات التي من شأنها رفع مستوى الكفاءة سواء على مستوى الفرد أو المؤسسات.

تطور

زيادة أعداد الأدوية تفرض تحديثاً دائماً للمعلومات

قال الدكتور هنري مناسي المدير التنفيذي للجمعية الاميركية لصيادلة النظم الصحية إن الصيادلة اليوم يتعاملون مع نحو 5 آلاف دواء ومنها يتفرع ما يقارب 18 ألف مستحضر مختلف فمنها الكبسولات والأشربة والحقن والدهانات الموضعية وغيرها والجمعية الأميركية للأغذية والدواء تسجل كل عام ما بين 30 إلى 90 منتجا جديدا.

أضف إلى ذلك أن هذه الأدوية تقسم إلى أنواع فمنها المستحضرات الصيدلانية والبيولوجية الخاصة بالتطعيم وأخرى تساعد على تشخيص الأمراض ومنها ما يستخدم في أقسام الأشعة وهذه كلها تحتاج إلى مراقبة وتعليم متقدم بل وتحديث مستمر في المعلومات، وإلا لن يكون لدينا صيدلي قادر على أداء واجباته.

إذا لم يكن ملماً بكافة التغيرات في هذا المجال.

حوار ـ سليم المستكا