نعلم أن الحياة يمكن أن تبدأ مرة ثانية وربما ثالثة عندما نقرر لها ذلك دون النظر إلى أي معوقات أخرى يمكن أن تقف أمام الانطلاقة نحو أفق جديد.. كيف نجد أنفسنا في علاقتنا مع الحياة الجديدة دون اعتبار لشهادات الميلاد؟.

كثير من الأشخاص لا يحب أن يقال عنه أنه وصل إلى نهاية الطريق، لأن ذلك يعني جمود التفاعل والتجربة مع الحياة، لكن هذا الأمر عند الشعراء عكس ذلك لأنهم عشاق الآفاق المفتوحة والإبداع والسعي نحو التغيير دائماً، وبالواقع إذا كانت خبرة الحياة هي رصيد للوقار والأفكار، فهي تلاحقنا جميعاً لذا علينا وإن غزا رؤوسنا الشعر الأبيض، أن نتعلم فن التعايش مع راحة البال، ونعطي كل ساعة فرحة خاصة، إذا التقينا بأحفادنا أصبحنا منهم، وإذا رأينا أصدقاءنا ضحكنا معهم على ذكريات قديمة ومهير سعيد الجراح الذي نلتقيه اليوم هو دلالة على ربيع العمر المتجدد، يدعو إلى الراحة بعد عناء طويل، وذلك من خلال لمعان ينعكس من عينين وروح عاشقة للحياة. فإلى ما قال في حوارنا معه:

كيف بدأت حياتك العملية؟

بعد أن أكملت الدراسة الثانوية العامة سافرت إلى المملكة العربية السعودية ودرست في معهد الرياض للعلوم الصحية ونلت دبلوم الصحة العامة بعد 3 سنوات وأول ما أتيت إلى الإمارات في يوليو عام 1973م اشتغلت مباشرة حيث تم تعييني في وزارة الصحة في قسم المراقبة الصحية بدرجة مسؤول صحة وتم انتدابي إلى عجمان للعمل في البلدية وفي ذلك الوقت كانت مهام البلدية قليلة ولا يوجد فيها قسم صحة وكان بها قسم النظافة ومسؤول للرخص.

ما هي طبيعة العمل الذي قمت به؟ وما هي الوظائف التي تدرجت فيها؟

أتيت إلى بلدية عجمان لأعمل حسب ما درست من علوم صحية وحماية البيئة. صحيح أن البلدية موجودة منذ عام 1966م إلا أن مجالات العمل كانت محصورة في تخطيط المدينة والنظافة واستخراج بعض الرخص وكانت هذه هي البدايات وعندما أتيت من قبل وزارة الصحة وعملت لوحدي فترة وبعدها طالبت وزارة الصحة بتعيين مراقبين معي للعمل حيث تم تعيين مواطنين .

وتم تأهيلهم وتدريبهم لمدة 6 أشهر في كل من بلدية دبي وقسم مكافحة الملاريا وفي ذلك الوقت كانت جهود وزارة الصحة منصبة في مكافحة مرض الملاريا نسبة لانتشارها الكثيف في الدولة، وعندما أكمل الموظفون الدورتين عملوا معي في مجال الرقابة الصحية ومكافحة الحشرات والتفتيش كما قامت وزارة الصحة بتوفير دراجات نارية للعمل والبلدية وفرت لنا المبنى وهنا كانت الانطلاقة الأولى ووضع اللبنات لتأسيس قسم الصحة العامة في بلدية عجمان.

كيف تنظر إلى طبيعة عملك وما وصلت إليه؟

طبيعة عملي جاءت متناغمة مع دراستي في مجال الصحة العامة ومراقبة الأغذية واللحوم وتفاجأت عندما حضرت بأن الإمكانيات شحيحة والعاملون في القسم 3 مواطنين وطالبت مرة أخرى وزارة الصحة بزيادة عدد المراقبين وتم تعيين 3 من الأخوة العرب للعمل في مجال التفتيش الصحي ووفرت لنا البلدية سيارة وقدمت لنا البلدية الدعم لتوسيع الأنشطة في مجال الصحة العامة وحماية البيئة.

وبقينا نعمل ولا نضع قلة الإمكانيات حجر عثرة في طريق خدمة المجتمع والدافع والنجاح الحقيقي لنا في ذلك الوقت هو توجيهات صاحب السمو الشيخ حميد بن راشد النعيمي عضو المجلس الأعلى حاكم عجمان أطال الله عمره، الذي كان يزور البلدية باستمرار ويشد من أزرنا ويقول لنا اعملوا وكانت توجيهات سموه وحكمته خلف نجاح جميع أعمال البلدية ويكفي بأنه أسس عجمان الحاضرة.

وعندما تولى مختار مكي إدارة البلدية في أواخر السبعينات من القرن الماضي وكان الرجل مهتما جداً بالصحة العامة والبيئة، أصبح للعمل في هذه المجالات أفاق عديدة وبعدها جاء علي بن عبد الله الحمراني مديراً للبلدية حيث أصدر قرارا بتكليفي رئيساً لقسم الصحة العامة ووفر لي كل الدعم وجعل قسم الصحة العامة يعمل بطريقة منظمة.

وزاد عدد المفتشين وأحمد الله كثيراً بأني عاصرت مقدم الشيخ راشد بن حميد النعيمي رئيساً للبلدية بعدما حولت إلى دائرة البلدية والتخطيط والذي أحدث نقلة كبيرة حيث تم تحويل القسم إلى إدارة للصحة العامة وأصبح الآن عدد الموظفين العاملين في الدائرة لا يقل عن ألفي موظف وقبل حضوره كان عدد الموظفين لا يتعدى 700 موظف كما تم ربط البلدية بهيئة المعاشات وتمت زيادة رواتب الموظفين.

هل يا ترى حققت الأهداف المرجوة من عملك؟

نعم، وأنا راض عن نفسي تمام الرضا وسعيد بما أديت من مهام ويكفي أن عمري كله قضيته في العمل وأحس عند استقبال الشيوخ والمسؤولين وأهل عجمان بكل حب وتقدير، والكثيرون يقولون لماذا تقاعد مهير ولكن أقول لهم لكل زمان دولة ورجال، وللعلم أنا لم أتقاعد من البلدية ولكن تقاعدت من وزارة الصحة وذلك بسبب رفض الشيخ راشد بن حميد النعيمي رئيس الدائرة حيث تم تكليفي بمراقبة الأسواق وأنا سعيد بهذه المهام الجديدة والتي تتماشى مع عمري الراهن.

صف أول وآخر يوم عمل لك؟

أول يوم دخلت في يوليو عام 1973م وكنت سعيدا بأني سوف أقوم بتطبيق ما درسته وعملت بيدي في خلط المبيدات والرش ومكافحة الحشرات والرقابة على المحلات التجارية حيث كان عدد البقالات في ذلك الوقت سبع بقالات و3 مطاعم وعدد سكان عجمان لم يتجاوز 3 آلاف نسمة، وآخر يوم عمل كان صعبا على نفسي بأن أغادر المكان الذي أفنيت فيه شبابي ولكن هذه هي سنة الحياة.

بعد سنوات عمل طويلة ما الحكمة التي خرجت بها؟

عامل الناس كما تحب أن يعاملوك وأعمل بإخلاص وتفان تكسب رضا الناس وراحة الضمير وأنا سعيد حقيقة بأني عملت على مدار 34 عاماً دون توقف ولم استغل يوماً وظيفتي لمصلحتي الشخصية.

هل لك أن تلخص لنا خبرة 34 عاماً في جملة واحدة؟

الإخلاص في العمل وخدمة الناس ضروريان، وبالمقابل يسعد الإنسان أن يجد التكريم من الحكومة نظير جهوده الطويلة، وأنا سعدت جداً بتكريمي ضمن المتقاعدين مطلع العام الحالي من قبل سمو الشيخ عمار بن حميد النعيمي ولي عهد عجمان رئيس المجلس التنفيذي وهذا الشيء أفخر به دائماً.

ما الفائدة الثقافية أو الاجتماعية التي خرجت بها؟

كل جهدي كان منصبا على العمل وكنت أعمل أربعا وعشرين ساعة ومرتبطا مع جهتين الأولى وزارة الصحة والثانية البلدية، هاتفي لا يغلق أبدا والفائدة الاجتماعية التي خرجت بها هي حب الناس وخدمتهم والجميع يعرفني في عجمان.

بماذا تنصح الموظفين الجدد؟

يجب أن يتحلى الموظف بالصبر والاجتهاد وأن يكون مقتنعا بما يقوم به من عمل وأن يراقب نفسه ولا تحدثه نفسه باستغلال موقعه لمصلحته الشخصية.

ما هي أصعب المواقف التي تعرضت لها خلال العمل، وكيف تعاملت معها؟

من المواقف الصعبة أنه كانت ترد إلى الإمارة السلع الغذائية عن طريق الميناء بكميات كبيرة ولم يكن هناك في بداية تأسيس قسم الصحة العامة مختبر يقوم بفحص وتحليل العينات الغذائية وكانت هذه مهمة صعبة حيث تقوم بأخذ العينات إلى مختبري بلديتي الشارقة ودبي للتحليل وبعدها تم السماح بإدخال السلع وهذا الأمر يؤدي إلى تأخير إصدار قرار السماح مما كان يزعج أصحاب الشركات والتجار وحدثت لي الكثير من المشاكل إلا أنني كنت لا أخاف وأعمل بما يمليه على ضميري.

ما هو أصعب قرار اتخذته في حياتك العملية؟

قرار تركي لقسم الصحة العامة.

لو عاد الزمن الى الوراء هل تختار الوظيفة نفسها؟ وماذا تتمنى أن يتغير؟

نعم أختار نفس المجال لأني أحببت دراستي واجد نفسي فيه ولا أحب أن أغيره.

كيف ينظر أبناؤك إلى طبيعة عملك؟

أبنائي ساعدوني في إنجاح عملي بصبرهم على عدم تواجدي معهم بصورة مثل الموظفين الذين ينتهي عملهم بانتهاء وقت الدوام لأن طبيعة عملي في كل لحظة أن يتم استدعائي لأمر هام في مجال الصحة العامة والحمد لله بأن بناتي تخرجن من الجامعة وتزوجن ولدي أربعة أولاد في المراحل التعليمية المختلفة.

ما هي خططك المستقبلية للعمل؟ وما هي أولوياتك؟

ليس لدي خطط أو التفكير في عمل أريد أن ارتاح وأهم أولوياتي تربية وتعليم أولادي وإسعادهم وإعطائهم ما تبقى من أيام العمر.

هل تعتقد أنك تلقى التقدير الذي تستحقه من المجتمع وأصدقائك؟

والله بكل صدق وصراحة الجميع يغمرني بحبه وتقديره وهذا الأمر يدخل السعادة إلى قلبي.

حوار : أسامة احمد