من باريس انطلقت الثورة الفرنسية العام 1789 مرسخةً مفاهيم الحرية والإخاء والمساواة ورافعةً شعار «السيد مواطن» لتنسف كل الألقاب النبيلة التي ترعرعت في عهد الملك لويس بنسخه المتعددة وآخرها السادس عشر صاحب المقولة الشهيرة:أنا الدولة والدولة أنا.

ومن عاصمة النور، خط المفكر الشهير جان جاك روسو أولى مبادئ العقد الاجتماعي الذي أسس لمفهوم السلطة وبنى علاقةً حميدة للفرد بمجتمعه على نحوٍ علمي «مؤنسن» إن جاز التعبير.وفي قصر شايو على ضفاف نهر السين التأمت الدورة الثالثة للجمعية العمومية للأمم المتحدة لتبني أحد أهم المواثيق الدولية في تاريخ البشرية المعاصر إن لم يكن أهمها على الإطلاق ألا وهو الإعلان العالمي لحقوق الإنسان.

بطاقة تعريف

في مثل هذا اليوم، يطفئ الإعلان شمعة عيد ميلاده ال60 وقد اشتعل الشيب في رأسه من هول ما رآه من انتهاكاتٍ جسيمة لبنوده التي هتكت عذريتها وهي لم تكمل بعد عقدها الأول.ولو كان للإعلان لسان لنطق اليوم مخاطباً الدول التي حملت به إلى الدنيا مردداً قول المتنبي:«يا أعدل الناس إلا في معاملتي، فيك الخصام وأنت الخصم والحكم».

ذلك أن القوى العظمى التي أقرت الميثاق آثرت تجنب إضفاء الطابع الملزم عليه لانعكاساته السلبية عليها في صراعها آنذاك مع القوى التحررية في البلدان التي كانت تحتلها، وهذا ما يتضح في أيامنا هذه من رفض الدول الكبرى الانضمام إلى المحكمة الجنائية الدولية التي ولدت العام 2002 من رحم الإعلان العالمي لحقوق الإنسان.

كما المعاهدة الدولية ضد التمييز بحق النساء العام 1979 وضد التعذيب العام 1984 والمعاهدة الدولية لحقوق الطفل العام 1990 وقبلها شرعة الحقوق المدنية والسياسية والعهد الدولي الخاص بالحقوق الثقافية والاقتصادية والاجتماعية العام 1966.

السيدة الأولى

تبرز خاصية الإعلان العالمي من كونه أسس لمبدأ «وراثة» الحقوق و«شموليتها» في وقتٍ حلقت فيه القوانين الدولية السابقة المشابهة في فضاءٍ ضيق بزمانٍ ومكانٍ محددين ولأسبابٍ موضوعيةٍ كانت تعني مساحةً جغرافيةً لذاتها.

وحينما دقت نيران الحرب العالمية الثانية وفظائع النازية والفاشية التي شكل المدنيون حطبها جرس الإنذار، سارعت الأمم المتحدة إلى تشكيل لجنةٍ تتولى مهام صياغة إعلانٍ عالمي لحماية حقوق البشر ترأستها آنذاك إليانور روزفلت أرملة الرئيس الأميركي الراحل فرانكلين روزفلت والتي وصفت ب«سيدة العالم الأولى» وعضوية وزير الخارجية اللبناني الراحل شارل مالك .

موقعون ومعارضون

في ال10 من ديسمبر العام 1948 اعتمدت الجمعية العمومية بقرارها رقم 217 وبمصادقة 48 دولة الميثاق الجديد فيما امتنعت 8 عن الموافقة من دون معارضة أية دولة.وكانت العديد من الدول العربية والإسلامية من بين الموقعين وهي:سوريا، لبنان، باكستان، تركيا، أفغانستان، مصر، العراق وإيران وباستثناء المملكة العربية السعودية التي تحفظت على المادة 18 التي تشير إلى حق الأشخاص في تغيير ديانتهم.

ويتكون الإعلان من 30 مادة حددت إطاراً عاماً لمفهومٍ كليٍ غير قابلٍ للتجزئة للحقوق والحريات المدنية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية والسياسية كالحق في المساواة بغض النظر عن العرق واللون والجنس والثروة والدين والرأي السياسي، وحق الإنسان في التملك والتنقل واللجوء هرباً من الاضطهاد والتمتع بمحاكمة عادلة وعدم تعريضه للتعذيب أو الحط بكرامته وحقه في التعبير عن رأيه والانضمام إلى جمعيات سلمية والتعلم والعمل بشروط لائقة والزواج دون إكراه.

أبرز الانتهاكات

لعبت أجواء الحرب الباردة وظروفها المتشعبة دوراً كبيراً في القذف ببنود الإعلان العالمي في غياهب النسيان أو التناسي على حساب مصالح القوى الكبرى السياسية.وبرز ذلك جلياً في السياسات الغربية الداعمة لأنظمةٍ شموليةٍ مستبدةٍ فاسدة في أميركا الجنوبية وإفريقيا وآسيا والمنطقة.

بل وحتى التآمر وتدبير الانقلابات في بعض الأحيان لإيصالها إلى دفة الحكم كما في انقلاب تشيلي الأسود العام 1973 والذي أطاح بحكومة الاشتراكي الليندي المنتخبة ديمقراطياً، وقبله في الكونغو الديمقراطية عندما استلم عسكري مرتزق يدعى موبوتو سيسيسيكو الحكم في البلاد.

ليعمل فيها نهباً وقمعاً وفساداً مع أفراد عائلته مقابل أداءه دور السد المنيع ضد المد اليساري في القارة السمراء، أو حتى ما كشفته ال«سي آي إيه» نفسها عندما اعترفت قبل سنوات بتعاونها الوثيق مع نظام سوهارتو في تنفيذه (سياسة تنظيفٍ) لساحة اندونيسيا السياسية من آلاف الشيوعيين فيما عرف ب«النظام الجديد».

أما الشيوعيين والذين لم يكلفوا أنفسهم عناء التوقيع على الإعلان العالمي، فكانوا بدورهم مساهمين رئيسيين في استباحة حقوق الإنسان بتصديرهم نموذجهم المشوه في إدارة الدولة والتلصص على عقول المواطنين إلى أنظمةٍ عدةٍ في العالم وربطها بوسائل الإنعاش الدبلوماسية والاقتصادية والعسكرية.

وبين هذا وذاك، مارس نظامان سياسيان نوعاً فريداً بقبحه من الانتهاكات السادية بحق أبناء الأرض الأصليين في جنوب إفريقيا وإسرائيل تمثلت في تطبيق سياسات عزلٍ وفصلٍ عنصري وتجويعٍ وإفقار فضلاً عن مصادرة أراضي وهدم ممتلكات واعتقالات تعسفية وحصار .

وتمييز في المعاملة والتوظيف وحقوق المواطنة هو ما يعني انتهاكاً فاضحاً لبنود الإعلان العالمي ال30 مجتمعةً بكل صفاقة ومن دون رادعٍ أو ضغوطٍ دبلوماسية على أقل تقدير، بل وبتشجيعٍ ودعمٍ واضحين من الولايات المتحدة وإداراتها المتعاقبة.وإن كان نظام «أبارتهايد» سقط في الأولى فإنه ما زال مزدهراً يتكاثر بطريقةٍ سرطانيةٍ فيما الأخوة الأعداء يتفوقون من جهتهم على الإسرائيليين في السباق على انتهاك حقوق شعبهم في حرب داحس والغبراء الفلسطينية.

اعتذار متأخر

ورغم الاعتذار المتأخر لوزيرة الخارجية الأميركية كوندوليزا رايس عن «التقصير» الأميركي تجاه ملف حقوق الإنسان في السنوات ال60 الأخيرة والمتدهور بعد أحداث ال11 من سبتمبر مع ظهور «المحاكمات الطائرة» والتجسس والاعتقالات الكيفية ضد كل من يشك باتجاهاته الفكرية.

إلا أنه من المؤكد أنها لم تسمع بخطبة رائدة الحركة الحقوقية الأميركية إليانور روزفلت التي شددت في إحدى خطبها على أن حقوق الإنسان «تبدأ في الأماكن الصغيرة التي لا ترى على الخريطة وتعيش في حيوات الأفراد، في المنزل والحي والمعمل والمزرعة والمدرسة، وهي الأماكن ذاتها التي يسعى فيها كل رجلٍ وامرأة وطفل إلى أن يحظى بالمساواة والعدالة والكرامة والفرص المتكافئة دون تمييز.وما لم يحصل عليها هناك فلن ينالها بصورتها الواسعة في العالم الكبير».

ولا أدل على الهوة الشاسعة التي تفصل طلاب الحرية وأساتذة القمع غير روايةٍ شهيرةٍ تحضرني هنا عن حاكم اسبانيا العسكري فرانسيسكو فرانكو حينما كان يحتضر على فراش الموت، فأمر أعوانه حينها بحشد جموع الشعب وأتوا بهم ليذرفوا دموعاً بلورية على وجناتٍ باسمة حزناً على زعيمهم.وعندما أسر له أحد مساعديه أن الأصوات التي تتناهى إلى مسمعه ما هي إلا أصوات الجماهير الإسبانية أتته مودعةً، رد الجنرال فرانكو ببلادة الطغاة: وإلى أين يعتزم الشعب الإسباني المغادرة ؟ !.

شظايا سراب

في الذكرى ال60 لميلاد غائبٍ لا تبدو عودته بقريبة، لا عزاء للمواطن البسيط الذي يصارع من أجل حقوقه البسيطة، يخرج في الصباح ساعياً في مناكبها متضرعاً ألا يرجع إلى أطفاله الجائعين بخفي حنين أو ألا يعوده زوار غير مرغوب بهم في بهيم الليل قبل أن ينجلي فجر غيبوبته.

لا عزاء لمن عبر قفار آسيا وغابات إفريقيا وسواحل المتوسط مقامراً بحياته بحثاً عن حريةٍ ضائعة في عتمة أزقة باريس وشظايا سرابٍ بين ثنايا رمال شواطئ جزر الكناري ليصطدم بجدار الإدعاءات المزيفة لغربٍ لم يهتم في يومٍ من الأيام إلا لحقوق الحيوانات ولمصالحه الآنية.