وسط إجراءات أمنية مشددة وتعليمات تنظيمية غير مسبوقة من جانب السلطات السعودية، تدفقت قوافل حجاج بيت الله الحرام مع إشراقة صباح أمس، التاسع من شهر ذي الحجة، من منى إلى صعيد عرفات الطاهر، حيث قضوا نهارهم مهللين مكبرين باكين متضرعين إلى الله بالمغفرة، وصلوا قصراً وجمعاً صلاتي الظهر والعصر، لينفروا مع غروب الشمس إلى مزدلفة، حيث صلوا المغرب والعشاء وباتوا ليلتهم.
وفي مشهد جليل، تجمع نحو ثلاثة ملايين حاج على جبل عرفات (جبل الرحمة) ليشهدوا الوقفة الكبرى، الركن الأساسي للحج، وليتحول جبل الرحمة والمنطقة المحيطة به إلى موجة مد بشري بيضاء لا فرق فيها بين غني وفقير، ابيض أو اسود، عربي أو أعجمي. وارتفعت أصواتهم بلهجات متعددة تردد: «لبيك اللهم لبيك، لبيك لا شريك لك لبيك، إن الحمد والنعمة لك والملك، لا شريك لك» في موكب إيماني مهيب بدأ بالتوافد من مشعر منى، حيث قضى الحجاج يوم التروية، منذ ساعات الصباح الأولى.
وارتفعت أصواتهم ملبين ومكبرين داعين الله أن يمن عليهم بالمغفرة والعتق من النار، غير عابئين بمشقة الطريق أو حرارة الشمس الحارقة. وبينما بلغ التأثر بمئات من الحجاج حد الإجهاش بالبكاء رهبة.. صلى مئات الآلاف منهم في مسجد نمرة صلاتي الظهر والعصر قصرا وجمعا بأذان واحد وإقامتيْن اقتداء بسنة النبي محمد.
توحيد الكلمة
وألقى مفتي المملكة الشيخ عبدالعزيز بن عبدالله آل الشيخ خطبة عرفة والتي ركز فيها على توحيد الكلمة في فلسطين والعراق والصومال، وعلى أوضاع المسلمين الصعبة، والتي تزداد صعوبة بفعل الأزمة المالية العالمية.
ودعا آل الشيخ في خطبة عرفة صناع القرار في العالم الإسلامي إلى «الحرص على مصالح الأمة وتجنيبها كل بلاء وشر»، كما حضهم على الحفاظ على موارد الأمة والعمل على تنميتها وإصلاحها وعدم الصرف فيما لا ينفع.
وطالب الشيخ عبدالعزيز بن عبدالله، رئيس هيئة كبار العلماء في المملكة العربية السعودية، قادة العالم إلى الاتفاق على المحافظة على الضرورات الخمس التي حثت عليها كل الشرائع السماوية وهي: الدين والنفس والمال والعقل والعرض، إضافة إلى الاهتمام بمكارم الأخلاق وحماية الأسرة من التفكك والضياع.
وقال إن «المحافظة على الأمن لا يكون بالاستبداد والتلويح بأسلحة الدمار الشامل واستحلال البلاد وإصدار القرارات الجائرة، وان قضية الحصار والخناق لا تؤدي إلى نتيجة ولا ترفع الظلم بل تزيد البلاء بلاء»، وحذر حكام العالم من أن الظلم سبب لسقوط الحضارات ودمار الأمم.
ودعا آل الشيخ الفرقاء الفلسطينيين إلى عدم المتاجرة بقضيتهم وأن يجمعوا كلمتهم وينظروا إلى واقعهم وان يرحموا النساء الرمل والأيتام والمسنين، وحثهم على الوحدة والاتحاد والحذر من مكائد أعدائهم.
وتساءل عن أسباب التمزق والاختلاف في الصومال، كما حض المسلمين في أفغانستان وباكستان إلى الحرص على حماية الدين والوطن ومنع كل عمل يلحق الأذى بالأمة الإسلامية. وتناولت الخطبة قضايا الإرهاب والأزمة المالية الاقتصادية العالمية، وازدواج المعايير في الساحة الدولية، إضافة إلى ضرورة توحيد الصف الفلسطيني ووقف الاحتراب في الصومال وأفغانستان وباكستان.
نحر الهدي والتحلل
وفي الوقت الذي يحتفل فيه غير الحجاج في العالم الإسلامي بأول أيام عيد الأضحى المبارك يبدأ حجيج بيت الله الحرام في ذبح أضاحيهم ونحر هديهم، اتباعا للنسك الذي انتهجه وسنه النبي صلى الله عليه وسلم للأمة، حيث يتحللون من ثياب الإحرام بعد عودتهم من عرفات مرورا بمزدلفة ثم العودة إلى منى لرمي جمرة العقبة.
ويحتفل العالم الإسلامي اليوم بأول أيام عيد الأضحى، فيما تبدأ أيام التشريق الثلاثة والتي سيقضيها الحجاج في منى، يرمون خلالها الجمرات الثلاث: الصغرى والوسطى والكبرى، ويستكمل من عليه هدي أو أضحية نسكه.
مشعر عرفة، «مكة المكرمة» ـ عبدالنبي شاهين و«الوكالات»


