نعلم أن الحياة يمكن أن تبدأ مرة ثانية وربما ثالثة عندما نقرر لها ذلك من دون النظر إلى أي معوقات أخرى يمكن أن تقف أمام الانطلاقة نحو أفق جديد، كيف نجد أنفسنا في علاقتنا مع الحياة الجديدة دون اعتبار لشهادات الميلاد؟.
كثير من الأشخاص لا يحب أن يقال عنه انه وصل إلى نهاية الطريق، لأن ذلك يعني جمود التفاعل والتجربة مع الحياة، لكن هذا الأمر عند الشعراء عكس ذلك لأنهم عشاق الآفاق المفتوحة والإبداع والسعي نحو التغيير دائماً، وبالواقع إذا كانت خبرة الحياة هي رصيد للوقار والأفكار، فهي تلاحقنا جميعاً. لذا علينا وإن غزا رؤوسنا الشعر الأبيض، أن نتعلم فن التعايش مع راحة البال، ونعطي كل ساعة فرحة خاصة، إذا التقينا بأحفادنا أصبحنا منهم، وإذا رأينا أصدقاءنا ضحكنا معهم على ذكريات قديمة.
الدكتور عبد الغني محمد حبيب الرضا رئيس مستشفى راشد سابقا يعمل بصمت ولا ينظر إلى السعادة كنهاية للمطاف لأن السعادة كما يقول مربوطة بمسبباتها بل واجهة الحياة. أعماله الجراحية التي أجراها أثناء مسيرته الحافلة في الحقل الطبي وعلمها لأجيال من الجراحين شاهد على ذلك. يؤمن الدكتور عبد الغني بأنه ما زال قادرا على العطاء والعمل لساعات طويلة ولكن شاءت الظروف أن يكون بعيدا عن الساحة فالوقت ليس وقته كما يقول وهو سعيد بذلك. «البيان» التقت الدكتور عبدالغني حبيب الرضا في «حصاد العمر» والى تفاصيل اللقاء:
كيف بدأت حياتك العملية؟
بعد تخرجي من جامعة القاهرة عام 1970 التحقت بالعمل في قسم الجراحة العامة في مستشفى آل مكتوم والذي كان يضم غرفة عمليات واحدة وعنبرا واحدا لمرضى قسم الجراحة وعشرين سريرا وأربع ممرضات وطبيبي تخدير هما المرحومة الدكتورة أمينة كاظم .
والدكتور سعيد فهمي واستشاري واحد في الجراحة وهو الدكتور شنشنوالا الذي تدربت على يديه، وكنا نعمل تقريبا معظم العمليات الجراحية في معظم التخصصات والتي تضم جراحة الجهاز الهضمي من قرحة المعدة لسرطان المعدة وإزالة الأورام وجراحة الغدة الدرقية وجراحة سرطان الثدي وجراحة الكبد والبنكرياس وتثبيت الكسور بأحدث الأساليب المتبعة حاليا وجراحة المسالك البولية من إزالة الحصى من الكلى والحالب وجراحة البروستاتا.
والحق يقال أن الدكتور شنشنوالا هو أول جراح في دبي ادخل الأساليب الحديثة والجراحات الكبيرة ولا اعلم أن هناك أحدا قد مارسها قبله وبكل جدارة يستحق كل الشكر والتقدير. وبعد فترة اعتمدت على نفسي في إجراء تلك العمليات بدون مساعدة. وبعدها انتقل قسم الجراحة إلى مستشفى راشد عند افتتاحه في العام 1973 بعدد اكبر من الأسرة والجراحين وأطباء التخدير والممرضات.
وفي عام 1974 بعثتنا حكومة دبي أنا وزملائي إلى بريطانيا للدراسات العليا والحصول على الزمالة الملكية وعملت هناك لمدة أربع سنوات تقريبا حيث عملت في عدة مستشفيات ومع أساتذة لن انسى فضلهم علي في تطوير وصقل خبرتي في الجراحة وبعدها حصلت على زمالة كلية الجراحين الملكية في جلاسكو سنة 1977. وعدت إلى وطني والتحقت بمستشفى راشد وأدخلت الخبرات التي اكتسبتها أثناء وجودي في المملكة المتحدة.
ما هي الوظائف التي تدرجت بها؟
بعد حصولي على درجة استشاري جراحة عامة سنة 1980 تم اختياري وبالتحديد في عام 1981 مديرا لمستشفى راشد وبقيت في هذا المنصب لمدة عشرين عاما تقريبا، كنت خلالها أمارس مهنة الجراحة مع وظيفتي الإدارية ومن ثم عزلت من الإدارة لأكون مستشارا طبيا للدائرة حتى عام 2004 وحتى خروجي من العمل بالتقاعد.
هل حققت الأهداف المرجوة من عملك؟
باعتقادي أكثر من ذلك، ولا أريد أن اذكر أو امتدح نفسي فالأعمال الجراحية التي أجريتها وعلمتها لجيل من الجراحين هي الشاهد على ذلك، وقناعتي هي أنني ما زلت قادرا على العطاء أكثر ولكن شاءت الظروف أن أكون بعيدا عن الساحة فالوقت ليس وقتي وأنا سعيد بذلك.
صف أول يوم وآخر يوم في عملك؟
أول يوم لم أحس به، كان اعتياديا جدا فقد استلمت العمل في بلدي ولست غريبا علي ما رأيت. تعرفت على وجوه جديدة سرني التعرف عليها وقد رحبت بي وأحسست بالاستقرار من لحظة التحاقي بالعمل.
أما آخر يوم فيؤسفني أن أقول انني لم استطع أن أتمالك مشاعري فكانت اكبر من أن تقاوم وكان أصعب يوم في حياتي، كان قرار العمر الذي أنهى مسيرة العمل والدراسة - الذي رمى شنطة المدرسة في الشارع وتعب الأيام والغربة وكان مفترقا في الطريق لا اعرف من أي اتجاه اسلك، كان المستشفى بيتي الأول وكان الانفصال عن لقاء زملائي اليومي قاسيا، كانت نظرات من حولي في وداعي كالسهام فهربت، نعم هربت إلى اقرب مكتبة واشتريت ما أريد وما لا أريد ومن ثم ركنت شهورا إلى القراءة كي انسى الموقف.
هل تلخص لنا خبرة 25 عاما في جملة واحدة؟
اعمل في صمت ولا تنظر إلى السعادة كنهاية للمطاف في حياتك، فالسعادة موقوتة بمسبباتها بل واجه الحياة بابتسامة، كن رحيما واجعل للعمل والحقيقة والحق اكبر القيم في تقديراتك.
ما الفائدة الثقافية أو الاجتماعية التي خرجت بها؟
عادة ما يخرج المتخصصون الذين كرسوا حياتهم في التخصص بعين واحدة «اعور» كالطبيب مثلا فمن أين يأتي بالوقت الذي يدرس فيه ليتثقف ويدرس فلسفة هيجل وشوبنهاور وجوثي، ومن أين له أن يدرس فلسفة ستويكس ممثلة في إمبراطور روما ماركوس اوربليوس أو اطلع على حضارة اليونان والفرس أو عرف عن قصر الزهراء أو الجراح الزهراوي الذي ما زلنا نستعمل ملقط الولادة الذي اخترعه أيامها وجهاز تفتيت حصا المثانة والخيوط الجراحية.
في اعتقادي تلك هي الثقافة أما التخصص فهو شيء آخر. أما من الناحية الاجتماعية فاعترف لك أن محبتي للناس تفرضها محبتي للسكون والخلود إلى النفس فلست إنسانا اجتماعيا بمعنى الكلمة.
ماذا تنصح المواطنين الجدد؟
النصيحة لا تجدي فهناك مثل يقول ان القرية هي التي تشكل الطفل، يتعلم من أهل القرية الصيد والرقص والحرب وكل ما يلزم الحياة ويدع نصائح أمه في البيت، كثيرا ما تأتي النصائح بنتائج عكسية ان لم يكن هناك استعداد نفسي لاستقبالها لأنها تبعث على تثبيت الفكرة في المخ بمجرد التفكير بها.
ما يجدي هو النظر إلى المثل الأعلى فنصيحتي أن نكون دائما ممن يحتذى بهم من خلال تهيئة البيئة الصالحة للاهتداء بها لبناء الجيل. ولنتذكر دائما أن الطبع وليد العادة. ولكن هناك خطوط عامة للشباب للاهتداء بها في العمل ومنها تخصيص وقت للقراءة، فالقراءة ليست إضافة معلومات وإنما هي الأساس في تكوين الشخصية وإعطائها ثقلها اللازم. والشيء الآخر والمهم استبدال التنافس المدمر بالتعاون المستمر.
لو عاد الزمن إلى الوراء هل تختار الوظيفة نفسها؟
بكل تأكيد لأني أحببتها ولأنني لا أميل إلى غيرها فلا أحب الهندسة واكره الطيران. وثانيا لأنها قربتني من الناس أعطتني الفرحة أن اخدمهم واحترم وطني فتكفيني ابتسامة عابرة من مريض سابق فقد ذاكرته وفي الطرقات يرميني بابتسامة ملؤها الاحترام والعرفان بإفاءة بسيطة تقديرا لإنقاذ حياته. ولتبقى كما هي مهنة إنسانية لا تعلوها أي مهنة مهما طال الزمن أو قصر.. «مهنة ملؤها الإحساس الإلهي».
ما هي خططك المستقبلية للعمل وما هي أولوياتك؟
الآن وأنا في مفترق الطريق لا أنكر أن هذا الأمر يشغل تفكيري فأيامي طويلة ولكنها ليست ضائعة، وان فكرت في العمل فسيكون عملا تطوعيا في مجال الطب.
هل تعتقد انك تلقى التقدير الذي تستحقه من المجتمع ومن أصدقائك؟
قبل أن اذكر المجتمع وأصدقائي يجب علي أن ارفع شكري وتقديري لصاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم نائب رئيس الدولة رئيس مجلس الوزراء حاكم دبي وسمو الشيخ حمدان بن راشد آل مكتوم نائب حاكم دبي وزير المالية ورئيس دائرة الصحة والمسماة حاليا «هيئة الصحة» على إنشاء صرح الصحة في دبي ودعمهم المتواصل في جميع مراحل التطور الذي شهده القطاع الطبي.
كيف ينظر أبناؤك إلى طبيعة عملك؟
أبنائي من الجيل الحديث والجيل الحديث له نظرة مختلفة وميول مختلفة، وكما قال الإمام علي كرم الله وجهه «علموا أولادكم لزمان غير زمانكم» وهذا زمان غير زماننا. فلا استطيع أن أقول ان زماننا أفضل من زمانهم ولكني استطيع أن اجزم أن زمانهم غير زماننا. أفضل أم لا، لا اعلم.
دراستي في الطب تحتاج إلى الوقت.. ووقت طويل إذا ما قورنت بدراسة التخصصات الأخرى. وعلى أي حال لم يختر أي من أولادي دراسة الطب وتركت لهم الباب مفتوحا لا بالإيجاب ولا بالنفي فمهنة الطب تحتاج إلى تضحية فهل يستطيعون؟ ذلك يرجع لقدراتهم وميولهم التي لا املك التحكم بها، وأفضل أن اتركهم في معترك الحياة بإرادتهم وميولهم.
دبي ـ عماد عبد الحميد


