في وقت أكد فيه القائمون على خدمات الحج من أصحاب الحملات أن ارتفاع الأسعار مرده إلى الزيادة الكبيرة على أسعار الخدمات من مسكن ومواصلات وتذاكر سفر، شدد الدكتور أحمد الحداد كبير المفتين ومدير إدارة الإفتاء بدائرة الشؤون الإسلامية والعمل الخيري بدبي على أن الكسب من تقديم هذه الخدمات لا مانع منه على أن يكون من غير إرهاق للمسلمين الذين يتمنون أداء هذا النسك العظيم على أحسن أحواله.

أصحاب حملات الحج الذين أوضحوا بالتفصيل أسباب الارتفاع في الأسعار التي أثقلت كاهل من استطاع إلى الحج سبيلاً، أكدوا أن هذه العبادة في طريقها لتصبح قصراً على الأغنياء اذا استمرت الحال على ما هي عليه لتترك الفقراء من دون عزاء. وأوضح إبراهيم محمد الجمال مدير مكتب حملة الفجر للحج والعمرة برأس الخيمة إن ارتفاع أسعار تكاليف الحج تعود لعوامل عدة أهمها ارتفاع إيجارات الفنادق والشقق الفندقية في مكة المكرمة والمدينة المنورة وبقية المشاعر المقدسة إلى جانب غلاء تذاكر الطيران والقوانين الجديدة في السعودية والتي حددت أعداداً معينة للحجاج من كل دولة تم تقسيمها على حملات الحج على مستوى الدولة حسب الدرجة والفئة.

وقال إن تكلفة رحلة الحج للفرد الواحد في البرنامج الأول لحملة الفجر تصل إلى 27 ألف درهم للمواطنين و35 ألف درهم للمقيمين تشمل تذاكر السفر الجوية والإقامة في فنادق 5 نجوم قريبة من الحرمين المكي والمدني إلى جانب وجبات التغذية.

وأضاف الجمال ان الأسعار تتفاوت أيضاً حسب نوعية البرامج والمدة الزمنية لمغادرة الحجاج وإقامتهم حيث تصل إلى 14 ألفاً و800 درهم عبر برنامج الحج السريع الذي يغادر فيه الحجاج إلى الديار المقدسة في الخامس من ذي الحجة ويعودون إلى الدولة في الثالث عشر من ذي الحجة كما تصل تكلفة الحاج الواحد في البرامج الأخرى إلى 24 ألف درهم.

وأيده في ذلك أحمد بن عليوه مدير حملة بن عليوه للحج والعمرة برأس الخيمة مشيراً إلى أن ارتفاع أسعار تكاليف الحج يرجع إلى الغلاء الذي اجتاح متطلبات الحج الأساسية مثل تذاكر السفر والتغذية والسكن في الديار المقدسة وأسعار الخيام فضلاً عن نظام الحج الجديد بتخصيص نسبة معينة من الحجاج لكل دولة، الأمر الذي أدى إلى خفض أعداد الحجاج في كل حملة حسب درجتها وفئتها.

وقال إن أسعار تكاليف الحج لدى حملته تتراوح ما بين 16 و17 ألف درهم جواً فيما تقل برا إلى 13 ألف درهم بعد أن كانت الأسعار في العام الماضي 12 ألف درهم جوا للحاج الواحد وتسعة آلاف و500 درهم عن طريق النقل البري.

من جانبه أكد شعبان عبدالمعبود سليم من حملة المطروشي في عجمان أن السبب في ارتفاع أسعار حملات الحج يكمن في ارتفاع الإيجارات في المملكة العربية السعودية بصورة عامة وفي مكة بصورة خاصة، لذلك كان لا بد من رفع الأسعار لتغطية التكاليف من مصاريف مختلفة وخدمات عامة.

وأضاف ان الارتفاع الذي طرأ على حملات الحج هذا العام مبرر ومنطقي ولا يرجع إلى القائمين على الحملات أنفسهم، فارتفاع الأسعار شمل كل ماله علاقة بعملية خدمات الحجيج بدءاً من تذاكر الطيران.

وتوفير المسكن المناسب للحجاج بمكة، والمدينة المنورة، حيث تم هدم البنايات القديمة والتي كانت أسعار الإيجار فيها متهاودة وتم استبدالها ببنايات حديثة ذات إيجارات مرتفعة، حتى المواصلات الداخلية داخل مكة والمدينة التي يتم توفيرها للحجاج ارتفعت أسعارها بصورة لافتة.

وأوضح أن حملة المطروشي تنظم ثلاثة برامج للحجيج منها برنامج الحج الشامل ويشمل المدينة ومكة، وأهم مميزاته تقديم خدمات فنادق 5 نجوم مطلة على الحرم مباشرة وقيمته الإجمالية تبلغ 65 ألف درهم وأقصاها 100 ألف درهم .

والبرنامج الثاني في مكة فقط وتقدم فيه نفس خدمات البرنامج الأول وبقيمة إجمالية 59 ألف درهم و أقصاها 90 ألفا. والبرنامج الثالث vip عبارة عن خيم خاصة وطيران وسيارات خاصة إضافة إلى فنادق 5 نجوم في مكة المكرمة والمدينة وتكلفته تبلغ 120 ألف درهم وأقصاها 140 ألفاً، وبرنامج العزيزية ويعد الثالث وتكلفته 35 ألف درهم علما أن العام الماضي كانت تكلفته 25 ألف درهم .

متابعة دقيقة

من جانبه أوضح حاتم سمير من حملة البراق في عجمان أن أسعار الحملات البرية قد انخفضت بصورة ملحوظة نتيجة لقلة الحجاج حيث قامت وزارة الأوقاف بتحديد العدد الأمر الذي أدى إلى انخفاض الأسعار علما بأن الوزارة قامت مؤخرا بزيادة عدد الحجيج المواطنين والوافدين ولكن تلك الزيادة أتت متأخرة ما أنعكس سلبا على الحملات، مبينا أن أسعار الحملات البرية 19 ألف درهم شاملة الإقامة لمدة 15 يوما يتم خلالها تقديم الوجبات طوال اليوم .

وأضاف اننا نعي دورنا في خدمة الحجيج، ورفع الأسعار ليس هدفاً من أجل الكسب المادي، لاسيما وأن السوق في الدولة مفتوح والمسألة متعلقة بالعرض والطلب، مبيناً أن هناك متابعة دقيقة من المسؤولين بوزارة الأوقاف لحملات الحج ولكن ما يزعجنا تأخر إبلاغنا بالعدد المحدد لكل حملة ما يسبب لنا إرباكاً.

ويقول مدير حملة الراشدية للحج والعمرة في عجمان ان الارتفاع في أسعار الحج هذا العام جاء مبالغاً فيه، وهناك أسباب عديدة لهذا الارتفاع والحملات ليست بريئة من المغالاة في أسعارها، حيث طغى الجانب المادي والرغبة في المزيد من الربح لدى الكثيرين.

وأوضح أن هناك ارتفاعاً جنونياً في الأسعار طال كل شئ خاصة الأمور المتعلقة بخدمات الحجيج، لكن يجب أن يكون هناك هامش من الربح يستطيع أن يتنازل عنه أصحاب الحملات لمزيد من التيسير للراغبين في تأدية فريضة الحج، مبينا أن السبب الرئيسي في ارتفاع الحملات ارتفاع الأسعار في مكة والمدينة نتيجة للتوسعة، وارتفاع أسعار تذاكر الطيران 4700 درهم للطيران السعودي و5200 درهم لطيران الإمارات إضافة إلى ارتفاع تكلفة المواصلات .

وأضاف ان تكلفة الحج للفرد الواحد 38 ألف درهم شاملا كل شيء، وانه تم إغلاق باب التسجيل.

استعداد نفسي ومادي

وبدوره أوضح الدكتور أحمد الحداد كبير المفتين ومدير إدارة الإفتاء بدائرة الشؤون الإسلامية والعمل الخيري بدبي أن الاستعداد للحج نوعان: نفسي ومادي، أما الاستعداد النفسي فأن يهييء نفسه لتلبية نداء الله تعالى لأداء هذه الفريضة العظيمة التي هي خاتمة الأركان ومتممة الإسلام، ويعلم أنه سيكون له فيها حال آخر غير الحال الذي يألفه من نفسه، من راحة ودعة وصحة وغير ذلك.

وأنه سيكون له مناجاة وتجليات واجتماعات وأمور وجدانية قد لا تتحقق له في بلده أو في أوقات عباداته الأخرى، فإنه سيناجي ربه في مهبط وحيه وفناء بيته وموضع تجلياته، وفي مقام تسكب فيه العبارات وتقال فيه العثرات وترفع فيه الدرجات، فليس حاله كحال غيره من سائر الأمكنة والأزمنة.

ويضيف ان الاستعداد المادي فيتمثل في توفير النفقة الطيبة من طيب كسبه، ويختار الرفقة الصالحة والشيخ العالم الناصح، ليتمكن من أداء نسكه بما ينبغي فعله وقوله على وجه الكمال، الذي يخرج به من الذنوب فيكون كيوم ولدته أمه، ولا يكون له جزاء عليه إلا الجنة.

ولا يكون كذلك إلا أن يحج كما أمر صلى الله عليه وسلم بقوله: « لتأخذوا مناسككم» وأن يخرج من ديون الناس أو يتسامح منهم بتأجيله، ومن حقوق الناس برد الودائع، وأداء الأمانات، وطلب المسامحة ممن يكون قد ظلمه أو أساء إليه، وهكذا حتى يخرج بنفس راضية، ونية صافية، صدق في الدعاء، وحسن الظن والالتجاء.

إرهاق الحاج

ويؤكد الدكتور الحداد أن الحج عبادة وينبغي لمن يعنى بخدمة الحجاج أن يقصد بذلك وجه الله تعالى، فذلك خير وأبقى، ولا مانع أن يأخذ نفقاته بل ويكسب، ولكن من غير إرهاق للمسلمين الذين يتمنون أداء هذا النسك العظيم على أحسن أحواله، فإذا أرهق الحاج بالتكاليف فقد لا تكون نفسه راضية، بل لعله قد يكون شق على نفسه بدين أو تقتير نفقة، أو تقديم هذه النفقة على ضروريات حياته، فلا ينبغي أن يكلف فوق ذلك، فالأولى أن يعينه على البر والتقوى ويكسب أجره.

ويشير الدكتور الحداد إلى أنه لا مانع شرعاً، للإنسان أن يوسع على نفسه في النفقة، وله أن يسكن المسكن الفاخر والمركب الهنيء فقد قال الله تعالى : ( قل من حرم زينة الله التي أخرج لعباده والطيبات من الرزق) وقال النبي صلى الله عليه وسلم : «كلوا واشربوا والبسوا وتصدقوا ، في غير إسراف ولا مخيلة ».

وقال ابن عباس : « كل ما شئت ، والبس ما شئت ، ما أخطأتك اثنتان : سرف ، أو مخيلة» كما أخرجه البخاري في الصحيح، بل قد نص العلماء على أنه يستحب للحاج أن يأخذ نفقة أكثر مما يحتاج ليتصدق على الفقراء ويواسي الزملاء والأصدقاء والرفقة، وقد كان كثير من السلف يحمل معه غيره في الحج وينفق عليهم .

ويرى الدكتور الحداد أن الحج السريع تسمية حادثة، والحج له أركان وواجبات تؤدى في أوقات محددة، فمن أدى أركانه وواجباته فقد اكتمل حجه سمي سريعا أو بطيئا، إلا أن مسمى الحج السريع يعني أن الحاج لا يتمتع بكثير من الطاعات والقربات، إلا أن هذا لا يؤثر على صحة الحج إذا حافظ الحاج على أداء النسك ولم يخل بواجب منه، وللناس أعذارهم في ذلك وظروفهم الخاصة، فلا تثريب عليهم.

ويقول إن الحج عن الغير جائز شرعا ووردت به السنة فقد جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم قال: يا رسول الله إن أبي شيخ كبير لا يستطيع الحج والعمرة ولا الظعن قال: «حج عن أبيك واعتمر » كما أخرجه ابن خزيمة.

فإذا كان المسلم قد وجب عليه الحج فلم يحج حتى مات فإن على ورثته أن يحجوا عنه إن ترك ميراثا فإن لم يترك تصدقوا عليه به، وكذا إن كان عاجزا عن أدائه كما في قصة الرجل السابق، وقد ذهب إلى هذا جمهور أهل العلم، وخالف فيه السادة المالكية فلم يروه إلا أن يوصي.

مضيفا: «غير أنه يشترط في الحاج أن يكون قد حج عن نفسه لما روت عائشة رضي الله تعالى عنها، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم سمع رجلا يلبي عن شبرمة فقال : « وما شبرمة ؟ '' ، فذكره قرابة له ، قال : « حججت عن نفسك ؟ » قال : لا، قال : « فاحجج عن نفسك ، ثم حج عن شبرمة»، كما يشترط أن يكون بصيرا بأداء المناسك حتى لا يقصر في واجب أو يفعل محظورا .

من جانبه أوضح الشيخ عبدالله موسى رئيس قسم الحج والعمرة بدائرة الشؤون الإسلامية والعمل الخيري إن من أهم الأمور التي يجب أن يتبعها الحاج وقبل سفره أن يرد الحقوق إلى أصحابها، وأما إذا كانت هذه الحقوق مقسطة وجاء وقت دفع الدين فعليه دفعها أو استئذان صاحبها للذهاب إلى الحج.

وقال موسى إن أسعار الحج ارتفعت بشكل ملفت للنظر ويعود سبب الارتفاع إلى زيادة أسعار العقارات في الأراضي المقدسة وأسعار الخدمات، إضافة إلى تذاكر السفر والإيجارات التي يدفعها صاحب الحملة. وأكد موسى أن الحملات لا تستطيع أن تغالي في الأسعار أكثر من اللازم حيث تقوم الهيئة العامة للشؤون الإسلامية والأوقاف بدورها في هذا الجانب، وتقوم بمجهود كبير في الرقابة على الحملات والتعرف على جميع الجوانب الخاصة من أسعار ومن عقود.

راية المحرزي: من نوى عليه تطهير قلبه

وتقول راية المحرزي مستشارة أسرية واجتماعية وواعظة: إن الحج عبادة عظيمة الأجر والثواب يمحو الله تعالى بها الخطايا ويهدم ما قبلها من السيئات ويرفع بها الدرجات وما أجلّها من طاعة وفريضة ينبغي أن يحرص المسلم على أدائها بالكيفية التي شرعها الله تعالى: «الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ فَلَا رَفَثَ وَلَا فُسُوقَ وَلَا جِدَالَ فِي الْحَجِّ وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ يَعْلَمْهُ اللَّهُ وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى وَاتَّقُونِ يَا أُولِي الْأَلْبَاب» .

وكما أدّاها رسول الله صلى الله عليه وسلم الذي قال: «خذوا عني مناسككم» وبشّر عليه الصلاة والسلام فقال «من حجّ فلم يرفث ولم يفسق رجع كيوم ولدته أمه» وقال صلى الله عليه وسلم: «العمرة إلى العمرة كفارة لما بينهما والحج المبرور ليس له جزاء إلا الجنة».

وأضافت ان الله تعالى فرض على عباده الحج إلى بيته العتيق في العمر مرة واحدة، وجعله أحد أركان الإسلام الخمسة التي بني عليها، لقوله صلى الله عليه وسلم: «بني الإسلام على خمس وذكر منها: حج بيت الله الحرام» ، وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول: «من حج فلم يرفث ولم يفسق رجع كيوم ولدته أمه».

وأشارت إلى أن من ينوي الحج عليه أن يطهر قلبه من الخطايا ويتوب إلى الله توبة نصوحا سواء كان رجلا أو امرأة قبل السفر، وأن يتجنب كل منهما المزاحمة خلال الطواف وخاصة أن الثواب في مكة مضاعف وكذلك الذنب، ولذا على كل حاج أن يبتعد بنفسه عن كل ما يؤذي الآخرين من الحجاج، وتجنب تضييع الوقت في الكلام مع جيرانه ولابد وأن يشغل نفسه بالذكر وبالدعاء وبقراءة القرآن والصلاة.

ودعت النساء إلى عدم المزاحمة على لمس أو تقبيل الحجر الأسود لما يتعرضن له من أذى بسبب الزحام الشديد من الرجال، وما يؤدي إليه من تمزق في الثياب أو وقوع وفيات أو عجز وإعاقة.

فروقات الأسعار بسبب المعاملات الإضافية

أوضح عبدالله راشد الطياري مدير حملة الطياري للحج والعمرة في رأس الخيمة أن هناك اختلافا بين أسعار خدمات الحج بين الحجاج المواطنين والمقيمين.

وقال عبدالله الطياري ان سبب هذا الاختلاف هو أن المقيمين يحتاجون إلى إنجاز معاملات وإجراءات أكثر من بينها إصدار تأشيرات دخول لهم إلى الأراضي السعودية.

وأشار مدير حملة الطياري إلى أن أسعار تكلفة رحلة الحاج الواحد لدى حملته تصل إلى 25 ألف درهم للمواطن وثلاثين ألف درهم للمقيم وفقا لأرقى الخدمات الفندقية والسكنية إلى جانب التغذية.

تحقيق ـ السيد الطنطاوي، وليد الشحي، عصام عوض

(البيان)