نعلم أن الحياة يمكن أن تبدأ مرة ثانية وربما ثالثة عندما نقرر لها ذلك دون النظر إلى أي معوقات أخرى يمكن أن تقف أمام الانطلاقة نحو أفق جديد كيف نجد أنفسنا في علاقتنا مع الحياة الجديدة دون اعتبار لشهادات الميلاد؟ كثير من الأشخاص لا يحب أن يقال عنه انه وصل إلى نهاية الطريق، لأن ذلك يعني جمود التفاعل والتجربة مع الحياة، لكن هذا الأمر عند الشعراء عكس ذلك لأنهم عشاق الآفاق المفتوحة والإبداع والسعي نحو التغيير دائماً، وبالواقع إذا كانت خبرة الحياة هي رصيد للوقار والأفكار، فهي تلاحقنا جميعاً.
لذا علينا وإن غزا رؤوسنا الشعر الأبيض، أن نتعلم فن التعايش مع راحة البال، ونعطي كل ساعة فرحة خاصة، إذا التقينا بأحفادنا أصبحنا منهم، وإذا رأينا أصدقاءنا ضحكنا معهم على ذكريات قديمة. محمد عبدالله احمد مبارك الجودر لم يكن يعلم أن حلمه في قيادة طائرة تقل مسافرين تجوب المشرق والمغرب سيتحقق . ولكن ليس في السماء بل على الأرض وفي جنبات الفصول ليقود طلبة عبر 25 عاماً قضاها في الميدان التربوي ليصبح أستاذاً لكثير ممن يتسلمون مناصب ومهام وظيفية عليا في الدولة وهو الذي يؤكد أن الروتين ونقص الصلاحيات يعوقان التطوير في أي مجال ولا سيما التربية، وأن عقدة (الخواجة) تقف حجر عثرة في تحقيق أهداف الكوادر المواطنة في الدولة.
كيف بدأت حياتك العملية؟
بدأت معلما، كنت شابا مفعما بالحيوية والنشاط والطموح، فاخترت مهنة التربية على غيرها من المهن بعد تخرجي من جامعة الإمارات من قسم التربية، واخترت هذه المهنة لإيماني العميق بأن التربية والتعليم من أجلّ المهن وأشرفها وأرفعها، كون المعلم يحمل نبراس العلم والثقافة وعصا التغيير في المجتمع، وقد كان طلاب مطلع الثمانينات يختلفون كثيرا عن الطلاب في الوقت الراهن، من حيث السلوك والالتزام واحترام المعلم، وكان الطالب يحصل على رعاية من الأسرة بشكل اكبر، وتواصل مستمر بين الأسرة والمدرسة لصالح الطالب.
وكيف كانت المهنة بالنسبة للمواطنين في ذلك الوقت؟
كانت مهنة التعليم بالنسبة لكثير من المواطنين محطة «ترانزيت» لوظائف أخرى، أكثر جدوى ماديا من مهنة التعليم، واقل عبئا جسديا من هذه المهنة، وكانت الإغراءات كبيرة وخاصة مع نضوج العمل الحكومي في كثير من المجالات، وبداية النهضة الاقتصادية التي أقنعت الكثيرين بالعمل التجاري، لكنني قاومت كل هذه الإغراءات وصممت على البقاء في التربية لأخدم مجتمعي، وأنال شرف تعليم أبناء الوطن.
وما هي طبيعة العمل والوظائف التي تدرجت فيها؟
عملت بداية التحاقي بالتربية معلم جغرافيا لمدة 9 سنوات، ومن مشرف لمدة عامين ومسؤول قسم الامتحانات بتعليمية الشارقة، ثم مشرف في ثانوية خليفة بأبوظبي، وانتقلت إلى مدرسة العروبة في الشارقة مساعد مدير لمدة 12 عاما، وفي عام 2005 عينت مديرا لمدرسة عبدالله السالم الإعدادية ومكثت بها 3 سنوات قبل توقيع الاستقالة وانتهاء عهدي بالتربية بشهر ديسمبر 2007.
كيف تنظر إلى طبيعة عملك وما وصلت إليه؟
مهنة التعليم هي أجل مهنة على الأرض فالمعلمون ورثة الأنبياء كونهم أصحاب شعلة الأمل والعلم التي تنير المجتمع، ولذلك أكن لها كل احتراما، إلا أنها في الفترة الأخيرة تراجعت بسبب النظرة السلبية من المجتمع ومن وسائل الإعلام، ونظرا للإحباط الذي أصبح ينتاب المعلم والعاملين في التربية.
هل حققت الأهداف المرجوة من عملك؟
يصطدم التربوي بكثير من العثرات التي تحول دون تحقيق طموحه، أو ما يسعى إليه، فالتغيير في التربية بطيء وقد لا تنجح الأهداف التي يخطها التربوي، نتيجة عوامل عدة أهمها أن المعلم يتعامل مع طلاب مختلفي الطبائع ومن بيئات متباينة، وكذلك يعتبر الخبراء الأجانب «عقدة الخواجة» من العوامل التي تقف عثرة في تحقيق أهداف الكوادر المواطنة في الدولة، لأنها لا تنطلق من بيئة الإمارات، وهو الهدف الرئيس الذي يسعى إليه كل تربوي.
صف أول وآخر يوم عمل لك؟
كنت سعيدا جدا في اليوم الأول من التحاقي في العمل، رغم إنني في مرحلة الشباب كنت احلم بوظيفة كابتن طيران، إلا أن رغبتي في تربية النشء، وغرس الأخلاق والقيم النبيلة، جعلتني أرضى بمهنتي كمعلم، لأنني كنت على ثقة بأنه لا بد بان يلتحق احد طلابي بالطيران ويعوضني عن حلمي، وكان هذا اليوم على النقيض تماما من آخر يوم عمل لي، فقد كان قرار استقالتي أشبه برصاصة الرحمة التي أطلقتها على نفسي، وكان كالكابوس عانيت منه قرابة شهرين.
بعد سنوات عمل طويلة ما الحكمة التي تؤمن بها؟
«تجري الرياح بما لا تشتهي السفن» فكثير من المحطات في حياتي لم تسر وفق ما اطمح إليه نتيجة عقبات كثيرة، وما أكثرها في الميدان التربوي، فقد كنت اطمح بأن اجعل مدرسة عبدالله السالم نموذجية وعملت على ذلك ثلاث سنوات، لإيماني العميق بان أي مدير مخلص في عمله يمكنه بالإمكانات المحدودة أن يجعل من مدرسته مثالا يحتذى به، إلا اني اصطدمت بكثير من الروتين وبنقص الصلاحيات اللذين يعيقان التطوير في أي مجال ولا سيما التربية.
ما الفائدة الثقافية والرصيد الاجتماعي الذي خرجت به بعد هذه السنوات؟
كسبت محبة الطلاب وخاصة في مدرسة عبدالله السالم، فقد كنت اعتبر نفسي أبا لـ 700 طالب وليس مديرا للمدرسة، أراعي ظروف الطلبة الثقافية والاجتماعية والاقتصادي والنفسية، ورصيدي الذي خرجت به هو لقب أستاذ الذي يطلقه علي طلابي الذين أصبحوا قضاة ووكلاء نيابة وأطباء ومهندسين، وهي كافية لتعوضني عن سنوات التعب والكد لربع قرن مضى.
ماذا تنصح الموظفين الجدد؟
أقول لهم يجب الإخلاص في العمل لنيل رضا الله سبحانه وتعالى قبل كل شيء، ومحاسبة النفس قبل محاسبة الله لك، والمسؤولية التي تناط بك هي عليك وليست لك، فعليك أن تحرص على إتقانها، وكذلك لا تحقرن الموظف الذي يعمل تحت مسؤوليتك مهما كان صغيرا.
ما هو أصعب قرار اتخذته في حياتك العملية؟
قرار التقاعد كان بلا شك أصعب قرار اتخذته في حياتي لأنني كنت أحب مهنتي وخاصة عندما أصبحت مديرا للمدرسة، وكرست لها عقلي وقلبي وكل شيء في حياتي، لكن غياب الصلاحيات، وعدم استشارته في كافة مشاريع التطوير التي تقوم بها التربية، جعلت من المدير مهمش مثله كأي موظف في التربية، ليس له أي قرار.
لو عاد الزمن للوراء هل تختار الوظيفة نفسها؟ وماذا تتمنى أن يتغير؟
بنفس الظروف الذي شهدتها التربية في السنوات العشرين الأخيرة لا أتمنى الرجوع إلى التربية، لأن هذه الوظيفة فقدت الكثير من قيمتها، ومن الاحترام والتقدير في المجتمع.
كيف ينظر أبناؤك إلى طبيعة عملك؟
ينظرون إليها باحترام وتقدير.
ما هي خططك المستقبلية للعمل؟ وما هي أولوياتك؟
التحقت مؤخراً بالعمل التطوعي وفي مجال الخدمة المجتمعية ليقيني بوجوب أن أبقى في خدمة مجتمعي ودولتي التي أكن لها كل حب وتقدير، لهذا ارتأيت بان اعمل في العمل التطوعي بعد ربع قرن من العمل في التربية، وأملي في الحياة أن أنشئ أبنائي التنشئة الصالحة السليمة وأوفر لهم الحياة الهانئة السعيدة.
الشارقة ـ فراس العويسي

