قال محللون إن بوسع الرئيس الأميركي المنتخب باراك أوباما أن يعيد صياغة قواعد العمل في أسواق المال التي ترجع إلى عصر جرينسبان يدعمه في ذلك أغلبية قوية للديمقراطيين في الكونجرس وغضب عام بين الاميركيين أطلقت شرارته أزمة الائتمان. وأظهرت استطلاعات آراء الناخبين أن الاقتصاد كان عاملا رئيسيا في فوز أوباما الحاسم على منافسه الجمهوري السناتور جون مكين مما يمنحه تفويضا قويا بمواصلة نهجه الخاص تجاه الرأسمالية الذي روج له أثناء الحملة الانتخابية.
وكتب أوباما في مقال بصحيفة وول ستريت جورنال قبيل انتخابه «في لحظة كهذه لا يمكننا أن نتحمل أربعة أعوام أخرى من زيادات الإنفاق أو التخفيضات الضريبية القائمة على أسس ضعيفة أو الغياب التام للإشراف الرقابي الذي أصبح رئيس مجلس الاحتياطي الاتحادي السابق ألان جرينسبان نفسه يعتبره خطأ». وبالنسبة إلى وول ستريت حي المال في نيويورك وعواصم المال الأخرى التي اقتدت بنيويورك فان هذا سيعني على الأرجح سلسلة من القوانين التي تهدف إلى حماية أصحاب المساكن والمقترضين وفي الوقت نفسه تشديد القيود على البنوك والأدوات الاستثمارية التي تبيعها. كما اقترح أوباما خطة لتحفيز الاقتصاد ستشمل تخصيص أموال لمشروعات البنية التحتية. كذلك فانه يفضل إصلاح قانون الافلاس لمساعدة أصحاب المساكن وتيسير إعادة هيكلة القروض العقارية التي تعثر أصحابها في السداد.
وكان جرينسبان وهو من المؤمنين بشدة بحرية الأسواق حصل على لقب «المايسترو» عقب انتهاء فترة رئاسته للبنك المركزي الأميركي التي شهدت فترة طويلة من النمو الاقتصادي القوي. لكنه أصبح منذ ذلك الوقت رمزا لتحرير القيود الرقابية وحمله منتقدوه مسؤولية السماح للشركات المالية بأن تنمو وتتضخم بما يتجاوز الإشراف الحكومي. ومع تزايد الخسائر في مختلف أنحاء العالم في أواخر أكتوبر اعترف جرينسبان بأنه أخطأ جزئيا في مقاومة الرقابة على بعض الأوراق المالية. وقال جرينسبان أمام أعضاء في الكونجرس «أصبح أولئك الذين نظروا منا إلى المصلحة الذاتية لمؤسسات الإقراض لحماية حقوق حملة الأسهم وأنا شخصيا بصفة خاصة في حالة من الذهول وعدم التصديق».
ولن يكون لدى أوباما وقت طويل. فما من شك يذكر أن الاقتصاد الأميركي ينزلق إلى ركود ربما يكون الأعمق منذ السبعينات كما أن الاقتصاد العالمي يواجه خطرا جسيما يتمثل في أول تراجع اقتصادي منذ سبع سنوات.
ولن ينتظر زعماء العالم تنصيب الرئيس الجديد في يناير المقبل للتخطيط لأوسع عملية اصلاح للنظام المالي العالمي منذ الفترة التي أعقبت الكساد الكبير في ثلاثينات القرن الماضي. وليس من المتوقع أن يحضر أوباما اجتماع مجموعة العشرين للدول الغنية والناشئة الذي سيبحث الأزمة المالية في 15 نوفمبر الجاري.
والشيء المؤكد بالنسبة للمستثمرين هو أن المستقبل سيحمل تشديدا لقواعد التعامل في الأسواق. وقال وليام دونوفان الشريك بشركة فينابل للاستشارات القانونية في واشنطن والمستشار العام السابق للرابطة الوطنية لاتحادات الائتمان الاتحادية «من يعملون في صناعة الخدمات المالية بصفة عامة يجب أن يفهموا أن السناتور أوباما أرسل إشارة واضحة جدا انه ينوي مواصلة جدول أعمال ناشط بصفته رئيسا».
وأضاف «ان إصلاح الهيكل الرقابي الحكومي للخدمات المالية، وتشديد شروط السيولة ورأس المال وإصلاح قوانين الإفلاس وبطاقات الائتمان كلها أمور مطروحة».
ويواجه أوباما مهمة لا يحسده عليها أحد تتمثل في معالجة الركود وعجز في الميزانية تفاقم بسبب الحرب في العراق وخطة الإنقاذ المالي التي بلغ حجمها 700 مليار دولار.
وسيسلط المستثمرون العالميون الأضواء على كل خطوة يخطوها. وقال روب هندرسون رئيس اقتصاديات الأسواق ببنك استراليا الوطني «ليس الوقت مناسبا لاي أحد أن ينتخب رئيسا في ضوء المشاكل القائمة، سيتعرض لضغوط من اليوم الأول لتنشيط الاقتصاد وفي الوقت نفسه التعامل مع العجز الهائل في الميزانية».
ورغم أن مجال الحركة في الميزانية محدودة فانه لن يثني أوباما على الأرجح عن السعي من أجل ضخ جرعة إضافية من الإنفاق الحكومي لإنعاش الاقتصاد. وطالب الديمقراطيون في الكونجرس بخطة تحفيز أخرى قد تتضمن انفاق عشرات المليارات من الدولارات على مشروعات البناء المحلية لاصلاح الطرق والجسور وغيرها من منشآت البنية التحتية القديمة.
وأيد أوباما الإنفاق على البنية الأساسية كوسيلة لخلق وظائف وهي قضية قد تتزايد أهميتها غداً الجمعة عندما تعلن الحكومة بيانات الوظائف لشهر أكتوبر. وتشير التوقعات إلى أن التقرير سيظهر اختفاء 200 ألف وظيفة في أكتوبر ليصبح أسوأ شهور العام على صعيد سوق العمل.
وقال خبراء ان سياسات اوباما الداعية إلى تقليص الاعتماد على الواردات النفطية الأجنبية لن يكون لها تأثير مهم يهدد منتجي النفط الخليجيين الذين يضخون حاليا خمس الاحتياجات النفطية العالمية تقريبا. ووعد اوباما خلال حملته بان تكون الولايات المتحدة خالية بنسبة 85% من السيارات التي تعمل بالمنتجات النفطية او الغازية في غضون عشرين عاما.
كما خفف اوباما معارضته لمشروع القانون الذي يسمح باجراء اعمال تنقيب في البحر لرفع الانتاج النفطي الأميركي وتخفيف الاعتماد على النفط المستورد بهدف مواجهة موجة اسعار الخام المرتفعة.
وقال الخبير الاقتصادي السعودي علي الدقاق «لن يكون هناك مشكلة بالنسبة لدول الخليج في المستقبل المنظور حتى ولو طبق اوباما سياسته».
وأضاف «مهما فعلت الولايات المتحدة، ستظل بحاجة إلى النفط الاجنبي لسنين كثيرة قادمة». وذكر الدقاق ان الولايات المتحدة لن تتمكن من خفض الاسعار عبر رفع انتاجها لان كلفة الانتاج ستكون عالية جدا. وتنتج دول التعاون الست التي تمتملك 45% من الاحتياطي النفطي العالمي المثبت، حوالي 13 مليون برميل من الخام يوميا، يذهب ما بين 10 و12% منها فقط للولايات المتحدة.
الآمال تتصاعد بتأسيس نظام اقتصادي جديد
تصاعدت الآمال بأن يسهم انتخاب الرئيس الأميركي باراك اوباما في إنشاء نظام اقتصادي جديد يخرج العالم من أسوأ أزمة مالية يمر بها منذ الثلاثينات. فيما تلاحقت ردود الفعل الأولية للسوق على الانتخابات، حيث تراجع الدولار أمام الجنيه الإسترلينيني واليورو وانخفضت الأسهم في وول ستريت بعد ارتفاع في يوم الانتخابات وانخفضت الأسهم الأوروبية اثنين بالمئة لكن الأسهم الآسيوية أغلقت في وقت سابق أمس على أعلى مستوياتها في ثلاثة أسابيع.
وقال رئيس المفوضية الأوروبية جوزيه مانويل باروزوأنه يجب العمل على تغيير الأزمة الحالية إلى فرصة جديدة وأنه توجد ثمة حاجة إلى عهد جديد لعالم جديد معربا عن أملة بأن تتضافر جهود الولايات المتحدة الأميركية تحت قيادة الرئيس اوباما مع جهود أوروبا لقيادة هذا العهد الجديد.
وفي تأكيد على المخاوف الاقتصادية التي يواجهها اوباما اظهر تقرير لجهاز التوظيف الخاص ان أرباب الأعمال الخاصة في الولايات المتحدة خفضوا عددا اكبر من المتوقع من الوظائف في أكتوبر بلغ 157 ألف وظيفة.
وقال كيث بومان المحلل بمؤسسة هارجريفز لانسداون أن السوق ربما تعكس العمل الشاق في المستقبل والظروف الاقتصادية الصعبة التي ورثها الرئيس الجديد باراك اوباما وأن الرئيس اوباما سيتحرك بسرعة لتعيين كبار أعضاء فريقه.
وقد استهلت الأسهم الأميركية تعاملات أمس في بورصة وول ستريت في نيويورك بتراجع ملموس في أعقاب إعلان فوز المرشح الديمقراطي باراك أوباما بانتخابات الرئاسة الأميركية. وشهد مؤشر داو جونز القياسي تراجعا بنسبة 4 .1% في حين تراجع مؤشر ستاندرد أند بورز الأوسع نطاقا بنسبة 19 .1% ومؤشر ناسداك لأسهم التكنولوجيا بنسبة 23 .1% في بداية التعاملات.
وكانت الأسهم الأميركية سجلت أكبر ارتفاع في يوم انتخابات الرئاسة الأميركية منذ 1994 حيث ارتفع مؤشر داو جونز بأكثر من 300 نقطة.
وانخفض الدولار الأميركي مقابل اليورو الأوروبي والجنيه الإسترليني متخليا عن المكاسب التي حققها في جلسة التداول الصباحية، وعزا بعض المتعاملين هبوطه إلى أوامر بيع كبيرة مفاجئة للعملة الأميركية تسببت في تفاقم حركة العملات في سوق ضعيفة الحركة. وارتفع اليورو الأوروبي إلى 3031 .1 دولار مسجلا أعلى مستويات وفقا لبيانات رويترز بعد أن هبط في وقت سابق إلى 2795 .1 دولار. وتسارعت مكاسب العملة الأوروبية الموحدة تسارعت بعد أن تجاوز اليورو مستوى 2910 .1 دولار.
وارتفع سعر صرف الجنيه الاسترليني إلى 6046 .1 دولار مسجلا أعلى مستويات
بعد انخفاضه إلى 5756 .1 دولار في أوائل التداول.
وتحدد سعر الذهب في جلسة القطع المسائية في لندن على 75 .753 دولاراً للأوقية «الاونصة» ارتفاعا من 25 .753 دولارا في جلسة القطع الصباحية وبلغ سعر الذهب عند الإقفال السابق في نيويورك 20 .763 دولارا للأوقية.
وسيتحرك اوباما بسرعة لتعيين كبار أعضاء فريقه وسيرث وزير الخزانة الجديد الذي قد يرشح خلال ايام احد أكثر المقاعد الساخنة في واشنطن حيث سيتعين عليه توجيه حزمة إنقاذ بقيمة 700 مليار دولار وقيادة إصلاح تنظيمي لمنع تكرار الأزمة وتضم قائمة المرشحين على الأرجح وزير الخزانة السابق لورانس سامرز ورئيس مجلس الاحتياطي الاتحادي السابق بول فولكر وتيموثي جيثنر رئيس البنك الاحتياطي الاتحادي لنيويورك.
وكان اوباما روج لحزمة تحفيز حكومية ثانية بقيمة 175 مليار دولار ستشمل أموالاً للاستثمارات في البنية الأساسية بالإضافة إلى جولة أخرى من التخفيضات الضريبية.
وفي الإطار ذاته، وافقت الحكومة الألمانية على اقتراح نائب رئيس الحزب الديمقراطي الاشتراكي وزير الخارجية فرانك فالتر شتاينماير الذي يشغل في الوقت نفسه نائب المستشارة انجيلا ميركيل بضخ حوالي 50 مليار يورو لدعم الاقتصاد الألماني وتأمين أماكن عمل جديدة.
وأوضح وزير الاقتصاد الألماني ميشائيل جلوس ان حوالي 15 مليار يورو ستذهب خلال عامي 2009 و2010 لصالح الاستثمارات وحوالي 35 مليار يورو لدعم الصناعة والاقتصاد الألمانية واستيعاب اليد العاملة. وكشف ان الحكومة الألمانية ستقوم بتخفيف الضرائب على الصناعة والاقتصاد خلال العام المقبل كمبادرة لدعم الحركة الاقتصادية.
وأعلن نائب رئيس المعهد الألماني للبحوث الاقتصادية ببرلين جيرنوتنيرب ترحيبه بقرار الحكومة الألمانية واصفا القلق باحتمال حدوث ركود اقتصادي في ألمانيا جراء الأزمة المالية بأنها ـ هيستيريا.
تراجع النفط
انتعاش الدولار يقلص مكاسب خامي برنت وغرب تكساس
انخفض أمس سعر النفط 3% ليهبط إلى أقل من 69 دولارا للبرميل متخليا عن بعض المكاسب الكبيرة التي حققها أمس الأول وذلك بعد أن عزز فوز أوباما في انتخابات الرئاسة الأميركية الدولار. وقال روب لوخلين من ام.اف جلوبال إن الأسعار هبطت في الأسواق الخارجية نظرا لأن ارتفاع أمس كان مبالغا فيه ونحن نشهد دولارا أقوى اثر فوز أوباما. وهبط سعر الخام الأميركي الخفيف في عقود ديسمبر 10 .2 دولار إلى 43 .68 دولاراً للبرميل.
وفي وقت سابق من الجلسة انخفض الخام الأميركي حتى 06 .67 دولاراً وانخفض سعر مزيج النفط الخام الأوروبي برنت 76 .1 دولار إلى 68 .64 دولاراً للبرميل. وقال محللون إن انتصار أوباما قد يشيع قدرا من التفاؤل بقدرة أميركا على إعادة اكتشاف نفسها ولكن أكبر اقتصاد في العالم لا يزال يواجه قوى تضخمية وسيتعرض أوباما لضغط هائل لإنعاش الاقتصاد.
وتحولت أنظار المتعاملين في وقت لاحق من ليلة أمس إلى بيانات مخزونات النفط الأميركية الأسبوعية حيث ينتظر أن تظهر البيانات ارتفاع مخزونات النفط الخام 1 .1 مليون برميل في الأسبوع الماضي بينما ينتظر أن تكون مخزونات المقطرات النفطية قد زادت 4 .1 مليون برميل وانخفضت مخزونات البنزين 800 ألف برميل. ولاحت بوادر على أن السعودية وآخرين من أعضاء أوبك أجروا تخفيضات في صادرات النفط.


