نعلم أن الحياة يمكن أن تبدأ مرة ثانية وربما ثالثة عندما نقرر لها ذلك دون النظر إلى أي معوقات أخرى يمكن أن تقف أمام الانطلاقة نحو أفق جديد، كيف نجد أنفسنا في علاقتنا مع الحياة الجديدة دون اعتبار لشهادات الميلاد؟. كثير من الأشخاص لا يحب أن يقال عنه انه وصل إلى نهاية الطريق، لأن ذلك يعني جمود التفاعل والتجربة مع الحياة، لكن هذا الأمر عند الشعراء عكس ذلك، لأنهم عشاق الآفاق المفتوحة والإبداع والسعي نحو التغيير دائماً، وبالواقع إذا كانت خبرة الحياة هي رصيد للوقار والأفكار، فهي تلاحقنا جميعاً.

لذا علينا وإن غزا رؤوسنا الشعر الأبيض، أن نتعلم فن التعايش مع راحة البال، ونعطي كل ساعة فرحة خاصة، إذا التقينا بأحفادنا أصبحنا منهم، وإذا رأينا أصدقاءنا ضحكنا معهم على ذكريات قديمة.

محمد شويطر يحمل في شريط ذكرياته الممتد لسنوات طويلة جملة من الخبرات المتراكمة التي تعلمها خلال عمله في ميدان التربية والتعليم، فكان مؤثرا في مشهد التطور الذي حققته الدولة في قطاع التعليم وشاهدا على التغيرات المتسارعة التي حظي بها على مر السنوات الماضية وفي السطور التالية حوار يسرد سيرة إنسان هذا الوطن المخلص:

كيف بدأت حياتك العملية؟

بدأت حياتي العملية مدرسا منتدبا في وزارة التربية والتعليم، فأنا حاصل على بكالوريوس سياسة واقتصاد واجتماع وليس هناك أي اختلاف في بداياتي الوظيفية والآن، حيث انني أرى ان الإنسان بطبيعته كائن اجتماعي يؤثر ويتأثر فنحن نعيش هذا الشعور دائماً في كل لحظة من لحظات الحياة، حيث ان الفرد يكتسب خبراته من المحيط الخارجي الذي يعيش فيه، كما عليه أيضا أن لا يكون بمعزل عن هذا العالم فيجب أن يكون له دور إيجابي مؤثر، ويتم ذلك من خلال عمله.

ما هي طبيعة العمل وما هي الوظائف التي تدرجت فيها؟

اخترت العمل في وزارة التربية والتعليم لتقديسي لمهنة المعلم سواء الفنية أو الإدارية ـ ويرجع السبب في ذلك الاختلاف إلى انتشار البطالة، فالبطالة لها تأثيرها السلبي على نوعية الأعمال المتوفرة في سوق العمل.

وأول ما عملته كما ذكرت مدرساً منتدباً في ديوان الوزارة بدبي وكنت أمارس عملا إداريا فنيا في جميع الأقسام، وبعد أن أصبحت أتقن جميع الأعمال تم تعييني رئيس شعبة ثم رئيس قسم ثم مدير إدارة وبعدها عضوا في اللجنة العليا لتطوير المناهج وفي اللجنة العليا للموارد البشرية واللجنة العليا للصلاحيات، وكل هذه اللجان يترأسها معالي الوزير لأنني دائما أبحث عن التطوير ويكفي لي أن أقول انني كنت من الأوائل الذين استخدموا الحاسب الآلي في عملي بالوزارة، بالإضافة إلى تمثيلي لوزارة التربية والتعليم والشباب في حضور اجتماعات مجلس التعاون بوزارة الخارجية، فكل عمل قمت بمزاولته أثر بي وأثرت فيه أنا أيضا.

عملت كمدير لمركز تدريب وتأهيل العاملين بالشارقة ولكن هناك شيء يجب أن أوضحه جيداً هو اختلاف مفهوم العمل أي الوظيفة الآن عنه في الماضي بمعنى أن معظم الأفراد الآن من الذين يبحثون عن عمل أيا كانت نوعيته واختصاصاته فهو يبحث عن العمل من أجل الدخل فقط، اي من أجل العائد المادي.. ولا ينظر إلى أن هذا العمل يجد فيه نفسه أم لا. بينما في الماضي كان الفرد يختار العمل الذي يجد فيه نفسه.

صف لنا أول وآخر يوم عمل لك؟

إن كل يوم بالنسبة لي يحمل في معانيه أول وآخر يوم، فالفرد يقاس عمره بعمله، فهناك أفراد كثيرون يجلسون في وظائفهم سنوات وسنوات ولكن عمرهم العملي لا يتعدى أصابع اليد الواحدة، وعلى ذلك فالرسول الكريم يحث على العمل ولكن أشار إلى ان هذا العمل له شروط حتى يوصف ذلك الفعل بأنه عمل وهو الإتقان في العمل، والعصر الذي نحن فيه له أركانه ودعائمه الأساسية وأهمها السرعة ولكن هذه السرعة يجب أن تتضمن الإتقان والتميز في العمل.

هل حققت الأهداف المرجوة من عملك؟

إن السعادة في أن تجد عملاً تحبه وتتقنه وأملاً ترجوه وتسعى إلى تحقيقه بالصبر والعمل الجاد والنية الصادقة والمواجهة مع كل الصعاب وقبل كل شيء بالتوكل على الله في كل أمورك، كما واننا نعيش في واقع مغاير لما كان عليه الحال من قبل، نتعامل مع حقائق جديدة وتحولات سواء كانت إقليمية أو دولية متسارعة.

ومن هنا لا يستطيع الفرد ان يضع خلال عمله أهدافاً ثابتة حيث لو كان الأمر كذلك لأصبحت القواعد قوالب جامدة، فالدول ذات الأهداف الرأسمالية وبعد الأزمة الاقتصادية الراهنة قد شهدت تحولا عن أهدافها إلى تبني أهداف اشتراكية بتدخل الدول في رأس المال، فالأهداف يجب أن تتماشى مع الواقع دائما ومع الحقبة الزمنية.

ولكن يجب أن يتم ذلك وفق الخطة الاستراتيجية العامة، وكان كل ذلك له تأثيره على الرافد التدريبي الذي أتشرف بمسؤوليته فإن تحقيق المزيد والمزيد من الإنجازات يتطلب الإبداع والابتكار دائما والبحث عن الأهداف الجديدة المتغيرة المتطورة والتي تصب في العملية التدريبية والتنفيذية.

كيف تنظر إلى عملك وما وصلت إليه الآن؟

مما لا شك فيه ان ما تحقق من إنجازات يشهد لها الجميع في مركز تدريب الشارقة خلال الأربع سنوات التي تشرفت بالعمل فيها في هذا الرافد التدريبي الكبير يضاعف من حجم المسؤولية الملقاة على عاتقي ذلك الرافد الذي هو من أهم روافد العملية التدريبية، ليس على مستوى إمارة الشارقة فحسب بل على مستوى الدولة، حيث نقدم كل السبل والإمكانيات المتاحة لتهيئة البيئة التدريبية المناسبة التي تتماشي مع كل دورة أو مسابقة يتم تنفيذها من أجل المحافظة على ما وصلنا إليه الآن، وتبدو أهمية أن نتطلع إلى أحوالنا لنزيل كل المعوقات لتحقيق المزيد من الانطلاق.

ومن هنا أحببت أن أتحدث عن نقطة في غاية الأهمية وهي الانضباط، فبدونه لا يصلح الإنسان ولا تتحقق أي إنجازات ويصبح الفرد فاقدا أهليته فاقدا الهوية خارجا عن كل نظام لا وزن له ولا قيمة، وقد وصف ذلك رب العزة في قوله تعالى «قل هل ننبئكم بالأخسرين أعمالاً الذين ضل سعيهم في الحياة الدنيا وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعا». وخلاصة القول إذا أراد الفرد تحقيق الإنجازات عليه بالانضباط.

وإنني بعد سنوات طوال في خدمة هذا الوطن الحبيب والاحتكاك بكثير من الأفراد أقولها بكل صدق إن هذا الشعب قادر وقادر على صنع غد مشرق وإنجازات في كل الميادين ولكن هذا يتطلب منا المزيد من المشاركة الفاعلة من كل أبناء الوطن مشاركة نشطة ونترفع عن كل الأهواء الشخصية الضيقة والمهاترات.

ما هي أصعب المواقف التي تعرضت لها في العمل وكيف تعاملت معها وما أجملها؟

تحديداً ما تحقق الآن على أرض الواقع من إنجازات في مركز تدريب الشارقة كانت من أصعب المواقف التي تعرضنا لها خلال العمل، فنحن خلال عملنا في مركز التدريب كانت لنا رؤيتنا الواضحة وهي ليست السعي إلى تحقيق إنجاز واحد فقط بل كنا نهدف إلى تحقيق مجموعة من الإنجازات، كان كل منها يغرس في بنيان هذا الرافد التدريبي ومن هنا جاءت صعوبة الموقف فكان لابد للمركز أن يحدث فيه تغييرات سواء في بنيته التحتية المتهالكة أو في مجال عمله التنفيذي، ما أدى الآن إلى حصوله على العديد من الجوائز وشهادات التقدير من مختلف المحافل التربوية.

بعد سنوات عمل طويلة ما الحكمة التي خرجت بها؟

تعلمت الكثير من أقوال صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم نائب رئيس الدولة رئيس مجلس الوزراء حاكم دبي حيث قال (إن التميز والالتزام هما سر النجاح) نعم التميز والالتزام هما سر كل النجاح في كل شيء سواء كان لك في الأمور العملية أو الاجتماعية، كما تعلمت أيضاً ان الخبرة تعلمك فقط ما الذي يجب أن تقوم به أما الثقة فهي تجعلك أن تقوم به فعلياً، فالخبرة هي نتاج مجموعة من الأخطاء نكتشفها ونتعلم منها ونحاول تجنبها ولكن أقولها للأسف الشديد وبكل مرارة ومن خلال الواقع الآن ان الخبرة فقدت هويتها، حيث أصبحت الخبرة المحلية تهان.. نعم تهان، بينما الخبرة المستوردة تصان.

كيف ينظر أبناؤك إلى طبيعة عملك؟

كثيراً منا يريد تحقيق الكمال مع أولاده وهذا من واقع الأمور، فنحن نريد أن نكون آباء كاملين ونتطلع إلى أن يصبح أبناؤنا كاملين أيضاً ـ ولكن ما هو أساس التعامل بين الابن والأب، الصداقة هي الأساس في التعامل مع الأبناء ويجب أيضاً تشجيعهم دون الضغط عليهم، فالصداقة والتشجيع هما سر بناء الثقة بالنفس لديهم، فلابد من التقرب إلى الأبناء للتعرف على ما يدور في عالمهم الخارجي كما لا بد من الحوار القائم على الاحترام والتقدير وهذا لا ينشأ إلا من خلال التميز التربوي الذي يزرع عن طريق القدوة.

فالقدوة إذا وجدت في بيوتنا فإننا سوف نضمن نشأة جيل صالح يخدم الوطن، كذلك أساس العلاقة مع أبنائي وليس فقط معهم بل مع جميع الناس الصدق فإذا كان الأب صادقا مع أولاده صادقا مع نفسه معطاء فإنه بلا شك سيكون قدوة حسنة كما وأنني أشاركهم في معظم المشكلات العملية التي أتعرض لها في عملي حتى لا يكونوا بمعزل عن الخبرات العملية خاصة أنني أعمل في مجال التدريب.

هل لك أن تلخص لنا خبرة 25 أو 30 عاماً في جملة واحدة؟

من الصعب جداً أن أقوم بهذا العمل فلا يمكنني أن ألخص خبرات السنوات الطويلة في جملة واحدة ففي كل يوم وليس كل سنة يتعلم فيها الفرد الكثير. وكما أوضحت سابقاً بأنه من مجموع الأخطاء التي يرتكبها الفرد تتكون له خبراته فالشخص الذي لا يرتكب أي أخطاء هو ذلك الشخص الذي لا يعمل. شخص ليس لديه أي خبرات.

ولكن لو قمت بجمع معظم الخبرات العملية في جملة واحدة لم أجد غير قوله تعالى «إن الله لا يضيع أجر من أحسن عملا» فالعمل الباقي هو العمل المتميز الأفضل.

ما الفائدة الثقافية أو الاجتماعية التي خرجت بها؟

أن ابدأ عندما أكون واثقاً من نفسي ولا أتوقف لمجرد أن بعض الناس غير واثقين بي.

ما هي الخطط المستقبلية للعمل؟ وما هي أولوياتك؟

إن التطور المتغير لعالم التكنولوجيا والمعلوماتية ووسائل الاتصال الحديثة والتقنيات التدريبية والعولمة توجب علينا بالضرورة الملحة التطوير والتحديث وإدخال تغييرات كبيرة على أنماط ووسائل التعليم والتدريب بجميع تخصصاتها، حيث ان التدريب له أهمية كبرى في تحديد مستوى التنمية البشرية وكفاءة القوى العاملة المستقبلية.

هل تعتقد بأنك تلقى التقدير الذي تستحقه من المجتمع وأصدقائك؟

ليس هناك اعتقاد في الواقع بل إنه يقين حقيقي على أن المجتمع الذي أتعامل في محيطه أو الأصدقاء القريبين مني، يوجد بيننا كل احترام وتقدير ومحبة وهذا لا يأتي إلا من خلال الإيمان بالله والثقة بالنفس في قدراتك. فالثقة تعني إحكام الأمر أي الاطمئنان إليه فلا يكون هناك تردد ولا شك في الأمر أو المحيط الخارجي ـ أما الأمر الذي لا يكون محكماً فإنك لا تستطيع أن تعتمد عليه، وبالتالي لا يكون هناك اطمئنان له، فإذا ائتمنت إلى إنسان ما.. ماذا سيكون تصرفك معه؟ نعم ستكون مطمئناً إليه تستطيع أن تستعين به في عملك وفي معظم أمورك.

أما إذا لم تكن عندك ثقة في النفس سوف تكون بمعزل عن الناس، أي المجتمع والأصدقاء وذلك بأنك لا تطمئن إليهم، فبدون الثقة بالنفس يتكون الضعف الشديد والسلبية الكبيرة التي تؤدي بالفرد إلى العزلة التامة والدليل على ذلك الإنسان عندما يتقدم به العمر نلاحظ بأن محيطه الخارجي قد تقلص تماماً ولما تم ذلك لأن ثقته بالآخرين تكون قد تلاشت عما كانت عليه في الماضي.

ماذا تنصح الموظفين الجدد؟

الإنسان في بداية حياته العملية يكون في أمس الحاجة إلى الناصح الأمين الذي يدله على الخير.. كل الخير، وعلى ما فيه مصلحته، وأنا في بدء حياتي الوظيفية قد وفقني الله إلى مقابلة أفراد كثيرين كان لهم الفضل والتأثير علي خلال مسيرتي الوظيفية.

ومن أهم هذه الأشياء التي أقدمها إلى كل موظف جديد في مستهل حياته العملية يجب عليه أن يحافظ على أخلاقيات العمل في كل سلوكه سواء كان داخل محيط عمله أو خارجه فهو مرآة لهذا المكان، فيجب علينا أن نضع أخلاقيات العمل دائماً أمام أعيننا ولا نقبل التنازل عنها ودائماً عليك أن تستمع إلى نصائح الأفراد الناجحين الشرفاء وليس إلى الأفراد الحاقدين.

يجب عليك أن تؤدي عملك كما ينبغي أن يكون فلا تقبل هدايا، فدائماً التزم بتعليمات العمل وكن أميناً صادقاً مع كل الناس «الصدق الصدق الصدق» أقولها بكل تأكيد إن أساس الاحترام والتحلي بالالتزام في كل الفضائل هو الصدق، لا تكذب مطلقاً مهما كان الأمر، فقل دائماً الحق ولو كان مراً ولا تخدع رؤساءك ولا تعطي وعودا كاذبة فيجب أن تعلم جيداً إمكانياتك وقدراتك فإنه من الأفضل إليك أن تقول لا أعرف من أن تقدم وعداً لا تستطيع الوفاء به.

كما يجب عليك أن تراعي الانطباعات الأولى لك، فهذه الانطباعات لها تأثير كبير وقد تستمر لمدة قد تكون طويلة فالفرد في أي مكان يدخل بمظهره ويخرج منه بأفكاره التي تركها وكن ملتزما دائما بالدوام الرسمي وقدم الشكر للآخرين على مساعدتهم وتوجيههم لك وأظهر احترامك لزملائك ولا تحاول الدخول في أمر ليس لك فيه شأن، كما يجب عليك أن تحرص على التطوير الذاتي ولا تعلل ذلك بالمحيط العملي الذي تعمل فيه بأنه لا يساعد على التطوير فابحث دائماً عن المعلومة في كل مكان وحاول كذلك أن تكون مبدعاً، ابحث عن الأفكار الجديدة حتى لا تكون متجمداً، أما أهم شيء فهو التنظيم، كن منظماً في كل أمورك.

الشارقة ـ نورا الأمير