جاء قرار رئيسة حزب «كاديما» الإسرائيلي ووزيرة الخارجية و«فتاة الموساد» السابقة تسيبي ليفني، وقف مساعيها لتشكيل ائتلاف حكومي والدعوة إلى إجراء انتخابات مبكرة مطلع 2009، ليربك المشهد السياسي الإسرائيلي، ويعيد خلط الأوراق والتحالفات، ويضع علامات استفهام على مصير عملية التسوية سواء على المسار الفلسطيني أو السوري، وتالياً على حظوظ إحياء مبادرة السلام العربية.

وبعد سلسلة مشاورات أجرتها مع مقربيها، أعادت ليفني التكليف بتشكيل الحكومة للرئيس الإسرائيلي شمعون بيريز وأبلغته «أنها لم تتمكن من تشكيل حكومة»، وذلك إثر تعثر المفاوضات مع كتل الائتلاف الحالي، ووصولها إلى طريق مسدود «الطريق المسدود «خلقه رفض حزب «شاس» الديني المتطرف (12 نائباً من أصل 120 في الكنيست) ولائحة التوراة الموحدة (ستة نواب) الانضمام إلى ائتلاف ليفني، بعد أن رفضت مطالبهما المتمثلة في «زيادة كبيرة في العلاوات العائلية والوعد بعدم التفاوض مع الفلسطينيين حول قضية القدس الشرقية الحساسة التي تحتلها إسرائيل منذ العام 1967».

وحسب القانون الإسرائيلي «يملك الرئيس صلاحية تكليف مرشح آخر بتشكيل الحكومة بعد ثلاثة أيام من إبلاغه رسمياً، وإذا لم يجد مرشحاً مناسباً تستطيع الكنيست اختيار مرشح يحظى بموافقة غالبية الكتل البرلمانية خلال ثلاثة أسابيع وإذا لم يتم الاتفاق على مرشح متفق عليه يعلن الرئيس عن إجراء انتخابات عامة خلال 90 يوماً» والموعد في هذه الحالة هو 17 فبراير المقبل. وحتى ذلك الوقت تواصل حكومة رئيس الوزراء المستقيل ايهود أولمرت عملها كحكومة انتقالية، من دون قدرتها على «اتخاذ أي قرارات مصيرية تتعلق بالدولة والمفاوضات».

ليفني التي تلقت صدمة فشل مفاوضات الائتلاف الحكومي ب«شجاعة» ظاهرية على الأقل، ومن دون أن تبدي خوفاً من مواجهة الصقر اليميني المتطرف زعيم حزب الليكود بنيامين نتانياهو المتأهب لاصطياد «المنصب الكبير».

حاولت أن تظهر في أول تصريحات لها بعد الرسوب في امتحان ترويض «المتشددين» وتشكيل حكومة جديدة أنها تعتزم خوض حملة انتخابية تظهرها في صورة امرأة تدافع عن المبادئ أمام جمهور من الناخبين أصيب بالتشويش بسبب الجدال حول الائتلاف المتعدد الأحزاب وسلسلة من مزاعم الكسب غير المشروع وفضائح أخرى بين صفوة المجتمع الإسرائيلي.

وقالت ليفني ذات الخمسين ربيعاً لصحيفة «معاريف»: «لست هنا لأنجو لكنني هنا لأقود»، مستبعدة خيارها الآخر وهو قيادة البلاد بحكومة تفتقر إلى أغلبية قوية في البرلمان. وقالت «لا يمكنكم أن تبتزوني.. إن مصلحة البلاد على رأس أولوياتي». وقالت كذلك في بيان مقتضب أصدره مكتبها إن «حزب كاديما سيفوز بالانتخابات البرلمانية لأنه أثبت أنه يفعل الصواب».

وتابعت «عندما اتضح أن الأحزاب تستغل الفرصة للتقدم بمطالب غير مشروعة على الصعيدين الاقتصادي والسياسي قررت أن أتوقف وأتوجه نحو الانتخابات«، أي انها تريد ان تقول بوضوح انها اختارت الطريق الصعب في السياسة الإسرائيلية التي هزتها أخيراً قضايا فساد قوية أجبرت أولمرت على الاستقالة.

لكن هل ليفني قادرة على تكرار تجربة جولدا مائير أول إسرائيلية جلست على كرسي رئاسة الوزراء في الدولة العبرية.. ربما لاسيما وان شعبيتها زادت منذ ان تولت رئاسة حزب «كاديما» خلفاً لأولمرت، لكن الكلمة النهائية الحاسمة في هذا الموضوع تعود إلى نتائج الانتخابات المرجح إجراؤها في منتصف فبراير.

ومع هذا يبدو أن موقف ليفني الرافض لابتزازات «شاس» قد أعجب المعلقين الإسرائيليين، حيث اعتبر المعلق السياسي في «هآرتس» عكيفا الدار أن «الامتناع عن بحث وضع القدس يعني في الواقع رفض التفاوض».

كما اعتبر المعلقان ايمانويل روزن من القناة التلفزيونية الثانية الخاصة وبن كاسبي من صحيفة «معاريف» ان «رفض تسيبي ليفني الرضوخ لمطالب تلك الأحزاب قد يزيد في شعبيتها وفي تعزيز صورة (السيدة النظيفة) في السياسة الإسرائيلية».

كلام جميل يرفع معنويات ليفني في مواجهة نتانياهو، الذي يرى معلقون آخرون انه سيحسم الانتخابات لصالحه. المعلق السياسي الوف بن كتب في صحيفة «هآرتس» يقول «في حين ستبدأ ليفني حملتها بتأييد شعبي فانها ستفعل ذلك من منطلق ضعف سياسي.

هو إخفاقها في تشكيل حكومة.. ولن يتوفر لديها أي من مميزات صاحب المنصب. سيظل ايهود أولمرت رئيساً للوزراء لعدة أشهر أخرى وسيتمتع بكل لحظة. سوف يحدد الميزانية.. سوف يجري المفاوضات الدبلوماسية».

لكن بن الوف فاته أن أولمرت ليس سعيداً بالبقاء تحت الضوء، إذ أشار خلال الاجتماع الأسبوعي لمجلس الوزراء الإسرائيلي إلى أن «قرار ليفني الذي سيبقيه في منصب رئيس الوزراء ليس إعلاناً يبعث على السعادة»، ربما طمعاً في الابتعاد عن الضوء الذي يزيد اشتعال حرائق الاتهامات بالفساد التي يواجهها.

سؤال آخر هل ليفني التي خاضت غمار السياسة قبل أكثر من عشر سنوات بعد أن كانت ضابطة في المخابرات الإسرائيلية (الموساد) عندما كانت طالبة في باريس، قادرة فعلاً على إلحاق الهزيمة بنتانياهو؟

الكثيرون في إسرائيل لا يعتقدون ذلك.

أما لقدرة نتانياهو على رص صفوف المتطرفين بمهارة فائقة، أو حتى بسبب نظرتهم العادية لـ «السيدة النظيفة» التي يرون أنها نتاج للآلة السياسية جيدة التجهيز التي يقوم بتشغيلها شركاء زوجها رجل الأعمال نفتالي شبيتسر ومن ثم يشككون فيما إذا كانت «قادرة على إحداث أي تغيير يذكر».

وعلى الرغم من انتماء ليفني إلى عائلة قومية متشددة فان الكثير من الإسرائيليين يتساءلون ما إذا كانت قادرة على تحمل الكثير من الأعباء الأمنية في بلد أصبح فيه قادة عسكريون سابقون زعماء سياسيين كباراً وكان يطلق على رئيسة الوزراء الوحيدة في إسرائيل إلى الآن جولدا مائير «الرجل الوحيد» في مجلس الوزراء.

على أية حال، فان دخول إسرائيل نفق الانتخابات المبكرة، يلقي بظلاله على مسعى الولايات المتحدة التوصل إلى «إطار اتفاق» على الأقل بشأن إقامة دولة فلسطينية قبل أن يترك الرئيس الأميركي جورج بوش البيت الأبيض في يناير، رغم انه يبدو عدم وجود فرص لهذا الأمر، ليس فقط بسبب الانتخابات الإسرائيلية المقبلة.

ولكن بسبب استمرار التوسع الاستيطاني الإسرائيلي في الأراضي الفلسطينية. وما ينطبق على المسار الفلسطيني، ينطبق أيضاً على المسار السوري الذي كان شهد خلال الفترة الأخيرة تحريكاً طفيفاً، تمثل في إجراء عدة جولات من المحادثات غير المباشرة على الأراضي التركية.

إذن هناك أيام صعبة تنتظر «سيدة الموساد»، وإذا لم يقف خلفها أعضاء «كاديما» الذين اتهموها بإعطاء مكانة عليا في «الائتلاف الذي لم ينجز» لحزب العمل ورئيسه ايهود باراك، فان حلمها بتكرار تجربة جولدا مائير سيصبح وهماً كبيراً.

القدس المحتلة ـ «البيان»