أثار المد الأحمر الذي ظهر مؤخراً على الساحل الشرقي وا ستقر في دبا الحصن، بعد أن تشكل في كلباء وامتد إلى الفجيرة وخورفكان ثم البدية وشرم وضدنا الكثير من التساؤلات والجدل حول طبيعة هذه الظاهرة ومدى تأثيرها وأضرارها على الحياة البحرية والبشرية على المدى القريب والبعيد.

حيث أدت الظاهرة إلى نفوق أعداد كبيرة من الأسماك قدرت بين 15 ألفاً إلى 17 ألف سمكة، تراوحت بين الأحجام الصغيرة والمتوسطة. حيث طفت أعداد هائلة منها على سطح الماء وتكدس مثلها على رمال الشاطئ، وأصبحت الظاهرة حديث الناس، وأثارت مخاوف لدى الجميع. كما انبعثت الروائح الكريهة وانتشرت في المنطقة حتى انحسار المد. ومنع الصيادون ومرتادو البحر من ارتياده والسباحة فيه حتى انتهاء فترة المد لما تسببه من أضرار سيئة على حياة الإنسان ومحركات القوارب وأدوات الصيد، كذلك تعطلت حركة الصيد مما تسبب في ارتفاع أسعار الأسماك في الأسواق خلال تلك الفترة وبنسبة تفوق الـ 50%.

وأفاد مدير بلدية دبا الحصن محمد أحمد المطوع عن وصول شركة خاصة مختصة بتنظيف وتأهيل شواطئ ومياه البحر التابعة لإمارة الشارقة مساء أمس، وذلك بعد سلسلة طويلة من الاتصالات والاستفسارات والتساؤلات المختصة باستمرار تلوث مياه المنطقة من ظاهرة المد الأحمر وازدياد الشكاوى من انبعاث روائح كريهة على مدى ثلاثة أشهر. مشيرا إلى تعرض المياه مرة أخرى في فترة الصباح إلى نفوق كميات كبيرة من الأسماك. وأوضح محمد المطوع بأن الجهود كانت فردية من قبل البلدية منذ فترة حدوث ظاهرة نفوق الأسماك منذ أكثر من شهرين ( المد الأحمر)، والتي كانت في حدود الإمكانات البسيطة والتي اعتمدت فقط على تنظيف الشاطئ و مياه البحر القريبة منه من الأسماك الميتة ونقلها إلى مكب النفايات. لافتا إلى عدم وجود إمكانات ومعدات في البلدية . لكن قسم البيئة وحمايتها قام ببحث ودراسة أسباب عودة الروائح الكريهة ونفوق الأسماك واقتراح الحلول ووضع التوصيات لمعالجتها والتصدي لها.

وقد تم الاتصال بوزارة البيئة والمياه بالمنطقة الشرقية وهيئة البيئة والمحميات الطبيعية بالشارقة وبلدية الشارقة لتحديد مدى خطورة ترسبات هذا المد على الثروة السمكية والحياة البحرية بشكل عام.

و قال مدير البلدية بأن قسم الصحة العامة بالبلدية أنه يتابع ميدانيا الموقع المعرض للمد الأحمر، مؤكدا أن الروائح البحرية الكريهة تزداد وتتقلص نتيجة المد والجزر وحركة الرياح والتيارات المائية لكنها مازالت موجودة كون بقايا الطحالب عالقة.

وتم تشكيل فريق يعمل على مدار الساعة من دون توقف لرصد التطورات. مبينا بأنه من المرجح أن السبب يعود إلى مياه الميناء الراكدة، حيث لا تتحرك فيها المياه بقوة إضافة إلى قلة حركة الأمواج بها بسبب أسباب عدة منها مشروع الدفان الجديد لعدم وجود منفذ يسمح بدخول وخروج الماء ما جعلها منطقة حرجة من ناحية الملوثات.

وقال المطوع بأن ظاهرة المد الأحمر معروفة لدى الناس وهي ظاهرة طبيعية تحدث في كل المواقع، إلا أن حجمها هذه المرة كان كبيرا جداً، وآثارها ملحوظة وروائحها كريهة للغاية، ولا بد من القول إنها أكبر موجة طحالب حمراء «رأيتها في حياتي».

تحول العوالق المزدهرة

أوضح تقرير صادر من وزارة البيئة والمياه بأن أكثر المياه في الدولة تأثرا بهذه الظاهرة هي المياه الساكنة خاصة خلال شهر سبتمبر، ويمكن أن يتكرر ازدهار هذه العوالق عدة مرات في الشهر حيث تفتح الحويصلات وتتحول إلى خلايا نشطة سابحة تبدأ بعدها في التكاثر بالانقسام البسيط لتنتج كل خلية خلال أيام قليلة بين 6000 ـ 8000 خلية، مما يتسبب في حدوث المد الأحمر، وبالمقابل فان الخلايا تتوقف عن التكاثر، عندما تنخفض كمية المغذيات متحولة إلى حويصلات تهبط إلى قاع الماء حيث تبقى في حالة سكون إلى أن تتحسن الظروف المحيطة بها مرة أخرى.

من جهته أفاد عبيد جمعة المطروشي وكيل الوزارة المساعد لشؤون الثروة السمكية بوزارة البيئة والمياه انه عند حدوث ظاهرة نفوق الأسماك في منطقة الساحل الشرقي فإن إدارة المنطقة الشرقية بالوزارة، اتخذت الإجراءات اللازمة حيث تم توجيه فريق مكون من قسم الثروة السمكية بالمنطقة، وفريق من مركز أبحاث الأحياء البحرية بأم القيوين للوقوف على مسببات الظاهرة واليات علاجها.

حيث قام الفريق بزيارة المناطق المتأثرة بهذه الظاهرة وأشار الفريق إلى ان نفوق الأسماك يعود إلى ما يعرف بالمد الأحمر، وقد ظهرت الأسماك النافقة على معظم سواحل وموانئ الساحل الشرقي، ولم تتأثر هذه السواحل بالحجم الذي تم تسجيله في ميناء دبا الحصن القديم على الرغم من قرب الميناء الجديد.

وقال وكيل الوزارة المساعد لشؤون الثروة السمكية إنه عند المعاينة تم تسجيل نفوق بعض الأسماك، ويرجع السبب في ذلك إلى نقص كمية الأوكسجين المذاب بمياه البحر الذي استهلكته الكائنات الحية الدقيقة المكونة لهذه الظاهرة، مع العلم والتأكيد على أن هذه ظاهرة المد الأحمر هي ظاهرة طبيعية تحدث في مختلف بحار العالم وتتكون من الكائنات الدقيقة التي تكون موجودة بشكل دائم في حالة سكون في قاع البحر بأعداد قليلة وقد تظل في هذه الحالة لعدد سنوات.

وتظهر حينما تتوفر لها الظروف الملائمة وهي تتكاثر بأعداد كبيرة فتستهلك كميات الأوكسجين المذاب في الماء مما يسبب نفوق الأسماك بالاختناق، وخاصة في مناطق الخيران الطبيعية والاصطناعية مثل الموانئ التي تقل بها حركة المياه والأمواج.

وقال المطروشي إن الوزارة تواجدت في مكان الحدث فور علمها بالموضوع، بالإضافة إلى انه لم تقم بلدية دبا الحصن بالتنسيق مع وزارة البيئة والمياه ممثلة بمدير المنطقة الشرقية أو رئيس قسم الثروة السمكية بالمنطقة لبيان هذه الظاهرة وأسباب تكاثرها بكثرة في ميناء دبا الحصن القديم.

وأكد انه كان من الأرجح والمتوقع من بلدية دبا الحصن مخاطبة هيئة البيئة والمحميات الطبيعية بالشارقة، وأيضا قسم حماية البيئة ببلدية مدينة الشارقة للوقوف على طرق علاج الظاهرة، والتي هي ليست بالجديدة في المنطقة.

لغز من الصعب توقع مكان ووقت حدوثه ولاعلاج جذرياً له

من خلال المعطيات التي وفرتها الجهات المعنية على مدار الأسابيع القليلة الماضية في مراقبة وانتشار المد الأحمر ومدى اقترابه من سواحل المنطقة، فإن العادة في هذه الفترة من كل عام أن تشهد المنطقة البحرية دخول التيارات الباردة القادمة من بحر العرب المحملة بالكثير من المغذيات وأيضا المخلفات الصناعية و الملوثات البحرية (الزيتية والنفطية) مما يؤدي إلى نقص الأكسجين في المياه.

ويحدث المد الأحمر سنويا وهو من الحالات الشائعة في كثير من أنحاء العالم. فيشهد خليج عمان والخليج العربي نحو 40 حالة سنويا كما أشار إليه بيان بيئي سابق، منها ما هو ظاهر ومنها ما هو غير واضح في تأثيره نظرا لأن الظاهرة طبيعية ومن أقدم الظواهر البيئية ويرجع تاريخها إلى أكثر من 1000 سنة قبل الميلاد، إلا أنها بدأت تنتشر في الوقت الحاضر بصورة كبيرة بعدما كانت قاصرة على مناطق معينة ولذلك أسباب مختلفة.

وتغطي هذه الظاهرة مئات الأميال المربعة من المياه، ولا أحد يستطيع أن يتوقع مكان وزمان حدوث المد الأحمر، أو ما ستستغرقه الظاهرة من وقت حتى تزول. فلا يوجد حتى الآن علاج جذري لهذه المشكلة، سوى تحديد أنواع الطحالب السامة ومؤشرات نموها ومنع الصيد أو الاقتراب من المناطق الموبوءة بهذه الطحالب لحين اختفائها.

وأشارت بحوث علمية صادرة بأن ليس كل ظواهر المد الأحمر ضارة أو خطرة على الحياة البحرية من حولها، وإنما الخطورة عندما تتضمن هذه الظاهرة أنواعا معينة من العوالق تنتج سموما تؤثر على الأعصاب و عمليات الأيض، هذه السموم قد تؤدي إلى موت الأسماك أو حيوانات وأحياء بحرية أخرى.

حيث تترسب في أنسجتها بتركيز عال مثل المحار وقد يتسبب بانقراضها وإلى تسمم مصادر المياه، ناهيك عن المشكلات الصحية على حياة الإنسان مثل الإصابة بحروق جلدية عند السباحة في مياه المد الأحمر).

وهناك مسميات مختلفة تطلق على هذه الظاهرة منها (شبح البحر، والموج الأحمر، والطفح البحري، وموج الطحالب الحمراء، وحيض البحر كمسمى محلي قديم، وهي تسمية دارجة في الخليج العربي على ظاهرة الموت الجماعي للأسماك فتجد أعدادا هائلة على شاطئ البحر.

والمد الأحمر ظاهرة طبيعية تحدث في مواسم و مناطق معينة خصوصا في المناطق الساحلية الدافئة والهادئة نوعا ما، وبدرجات متفاوتة نتيجة لنمو سريع وتكاثر شديد لطحالب أحادية الخلية تسمى العوالق النباتية، حيث تمتلك العوالق مواد صبغية تستخدمها في عملية البناء الضوئي مصحوبة بتلوث يمكن تمييزه بالعين المجردة.

ومع تزايد أعداد العوالق يحدث تغير في لون ماء البحر و ليس بالضرورة أن يكون اللون أحمر كالدم كما يوحي الاسم، و لكن قد يكون بدرجات من ألوان الأخضر الزيتوني، الأصفر، البني، أو ألوان أخرى على حسب لون الصبغة التي تملكها العوالق، والتي تتغذى على المواد الغذائية المتوفرة في مياه البحر والقادمة مع الملوثات المسكوبة و المخلفات البشرية والصناعية والمخصبات بكثرة في البحر والتي قدر حجمها بأكثر من 10 مليار طن خلال السنوات الخمس الماضية.

وتستمر الظاهرة أسابيع وقد تمتد إلى أكثر من شهر بينما قد لا تبقى أحيانا إلا لساعات محدودة ولذلك عوامل عدة. وغالباً ما تظهر لمدة أسبوعين لتختفي بعدها ثم تعاود الظهور مرة أخرى.

وكلما زادت فترة المد الأحمر حسب المسبب له تزايدت خطورة الموقف، وهذه المرحلة التي يصاحبها في الغالب موت الأسماك وغيرها من الكائنات البحرية، وذلك بسبب التباين الشديد في تركيز الأكسجين الذائب في الماء بين فترات الليل والنهار.

وعملية تكوين المد الأحمر تتمثل في تشكيل طبقة كبيرة من هذه الطحالب فوق سطح البحر ينتج عنها صعوبة أو اختفاء كميات كبيرة من الضوء وانعدام الهواء في تلك المنطقة مما يؤدي إلى نفوق الأسماك وخاصة أسماك القاع، وقد تبين خلال حدوث الظاهرة تعفن أسماك كثيرة إضافة إلى أسماك حية متلوثة.

لكون الطحالب كائنات متنوعة منها ما يفرز سموما. كما تعتمد نوعية السموم على أنواع الطحالب فهناك سموم تؤثر على الأجهزة العصبية والتنفسية للأسماك، الأمر الذي يؤدي إلى نفوقها، كما تستطيع الطحالب السامة أن تقضي على الحياة البحرية والنباتات وهى تتكاثر بشكل غير طبيعي.

وكذلك قد تؤدي الزيادة العالية في أعداد الطحالب إلى نقص حاد في نسبة الأكسجين في الماء و بالتالي اختناق الكائنات في المنطقة ذاتها.

ويمر المد الأحمر بأربع مراحل حتى يصبح حقيقة يمكن أن ترى بالعين المجردة وهي مرحلة البدء، مرحلة النمو، ومرحلة الثبات، ومرحلة الانهيار. إلى جانب وجود عدة عوامل تحفز ظهورها ومنها الحرارة الدافئة، تركيز عال من الغذاء مثل النيتروجين و الفوسفات، هدوء البحر، ملوحة منخفضة واختلاف التيارات المائية، و غالبا ما تشاهد هذه الظواهر في اليوم المشمس بعد يوم مطير.

وأشارت أبحاث جديدة لربط ظهور المد الأحمر بالعواصف الرملية لأن الغبار والرمال يحملان معهما تركيزا عاليا من الحديد وعندما يترسبان في ماء البحر تستخدم بعض الأنواع من البكتيريا هذا الحديد لتثبيت النيتروجين في الماء، وبما أن النيتروجين من المواد المغذية للعوالق فان زيادة تركيزه تساعد على سرعة نموها و بالتالي ظهور المد الأحمر.

فضلا عن أن أكثر المسببات وأخطرها السلوكيات البشرية (إلقاء مياه الصرف الصحي والمخلفات الصناعية والأراضي الزراعية وإنشاء المزارع السمكية وكذلك أعمال الدفن وإقامة المنتجعات السياحية الساحلية) ودورها في مشكلة تلوث مياه البحر، إلى جانب المخلفات الخطرة مما يؤدي إلى زيادة وقوع ظاهرة المد الأحمر الواسع النطاق.

حيث يتوقع عودة المد في الظهور وإن كان في فترات متباينة من أول حدوثه لوجود عوامل تؤدي إلى تكرار حدوثه وذلك عندما تكون درجة حرارة مياه سطح البحر مناسبة، وتوفر كمية الإضاءة المناسبة وسكون المياه.

وكذلك ازدياد كميه المغذيات والرياح والتيارات المائية. بالإضافة لبعض أنواع الطحالب المسببة للمد الأحمر تقوم بتكييف نفسها بتكوين حويصلات في الأحوال البيئية غير المناسبة. حيث تستقر في القاع وتبقى في حالة سكون شهورا أو لسنوات ومع تحسن الظروف المحيطة بها وازدياد كمية المغذيات تتحرك هذه الأنواع إلى الأعلى وتبدأ في النمو والازدهار.

وقال المهندس أشرف كامل الجرجاوي باحث أسماك في مركز أبحاث الأحياء البحرية بأم القيوين، أن المد الأحمر نوعان الأول يحدث أحيانا نتيجة انخفاض مفاجئ لأسباب طبيعية تؤدي إلى قلة نسبة الأكسجين المذاب في الماء بالتالي يقضي على الكائنات الحية بطريقة مباشرة وتموت وتطفو على السطح. والثاني نوع من الطحالب تفرز مواد سامة تنمو وتتكاثر ويقضي على الأسماك والأحياء البحرية، وتتم العملية في الأغلب عند منتصف الليل.

مشيرا إلى خطورة تجميع الأسماك النافقة على الشواطئ نظرا لتضررها بالمد الأحمر مما يعني تسممها بالمواد والإفرازات السامة، لذا لابد من إتباع الطرق الصحيحة والسليمة في التجميع، ومن ثم إحراقها لضمان التخلص منها بصورة آمنة. لافتا إلى أهمية التوعية المستمرة عبر وسائل الإعلام المختلفة لجميع المواطنين والصيادين بهذه الظاهرة وظواهر طبيعية أخرى وإقامة برامج المتابعة وعلى فترات زمنية مختلفة وقصيرة.

إفادة

نفوق أكثر من 15 ألف سمكة

أفاد محمد أحمد بناء على ما تم تنظيفه من قبل مفتشي النظافة بالبلدية فإن موجة المد الأحمر تسببت في موت كميات كبيرة من الأسماك والأحياء البحرية تمثلت في نفوق أكثر من 15 ألف سمكة مختلفة الأحجام، حيث قاموا بجهود كبيرة في إزالة الأسماك النافقة وحملها إلى المحرقة. وأشار المطوع إلى ضرورة ابتعاد السكان عن المناطق البحرية الملوثة، والامتناع عن أكل المنتجات البحرية منها.

وطالب المطوع بوضع إجراءات للسيطرة على حجم هذه المشكلة في البحار بالتعاون والتنسيق من قبل وزارة البيئة والمياه والجهات المعنية، وتفعيل القرارات الدولية في مراقبة ورصد أي ظاهرة طبيعية، وكذلك مواقع التلوث البحري وحجم الملوثات المسكوبة وتشديد العقوبات على مسببي حوادث التلويث من أجل تخفيف تلوث البحر التي قد تساعد في تكرار ظهور هذه الظاهرة كما أشارت إليه الدراسات العلمية.

تحقيق: ناهد مبارك وسيد الطنطاوي