نعلم أن الحياة يمكن أن تبدأ مرة ثانية.. وربما ثالثة... عندما نقرر لها ذلك دون النظر إلى أي معوقات أخرى يمكن أن تقف أمام الانطلاقة نحو أفق جديد .. كيف نجد أنفسنا في علاقتنا مع الحياة الجديدة دون اعتبار إلى شهادات الميلاد؟
فكثير من الأشخاص لا يحب أن يقال عنه إنه وصل نهاية الطريق، لأن ذلك يعني جمود التفاعل والتجربة مع الحياة، لكن هذا الأمر عند الشعراء عكس ذلك لأنهم عشاق الآفاق المفتوحة والإبداع والسعي نحو التغيير دائماً. وبالواقع إذا كانت خبرة الحياة هي رصيد للوقار والأفكار، فهي تلاحقنا جميعا، لذا علينا وإن غزا رؤوسنا الثلج الأبيض، أن نتعلم فن التعايش مع راحة البال، ونعطي كل ساعة فرحة خاصة، إذا التقينا بأحفادنا أصبحنا منهم، وإذا رأينا أصدقاءنا ضحكنا معهم على ذكريات قديمة.
ونموذج «حصاد العمر» الذي نعرضه اليوم هو دلالة على ربيع عمر متجدد، يدعو إلى الراحة بعد عناء طويل، وذلك من خلال لمعان ينعكس من عينين وروح عاشقة للحياة. واليوم نتعرف على تجربة خليفة ناصر السويدي الذي أنهى حياته الوظيفية بحصوله على وسام الاستقلال من الطبقة الأولى من رئيس الدولة، حفظه الله، تقديرا وتثمينا للدور الذي اضطلع به خلال فترة ترؤسه مجلس إدارة هيئة الهلال الأحمر ولما بذله من جهود لتعزيز مكانة الهيئة في ميادين العمل الإنساني والخيري.
خليفة ناصر السويدي الذي تخرج عام 1971 من كلية الشرطة في أبوظبي وكان الأول في دفعته ومن الأوائل في مراحل دراسته شغل عددا من المناصب المهمة في الدولة وكان آخرها رئيسا لمجلس إدارة هيئة الهلال الأحمر التي قضى فيها ما يزيد على 15 عاما في العمل الإنساني واستحق بجدارة هذا الوسام الذي قلده له نيابة عن صاحب السمو رئيس الدولة سمو الشيخ حمدان بن زايد آل نهيان نائب رئيس مجلس الوزراء رئيس هيئة الهلال الأحمر، ويعتبر أفضل تقدير يمكن أن يحصل عليه مسؤول وذلك تقديرا لدوره المؤثر في إدارة وتسيير دفة العمل الإنساني والخيري في الهيئة الأمر الذي جعلها تتبوأ مكانة مرموقة بين الهيئات والمنظمات الإنسانية.
وأشار سمو الشيخ حمدان بن زايد خلال مراسم تقليد السويدي وسام رئيس الدولة إلى الدور البارز والجهود الطيبة التي تركت بصمات واضحة لما بذله خليفة ناصر السويدي خلال فترة توليه مهام رئاسة مجلس إدارة هيئة الهلال الأحمر من موقعه كنموذج من أبناء الإمارات الذين حرصوا على تمثيل إمارات الخير والعطاء ورفع رايتها في المحافل الدولية كواحدة من الدول المبادرة إلى مساندة الأصدقاء والأشقاء في كافة الأوقات وخاصة لتلبية نداء الواجب الإنساني ومساندة المنكوبين والمتضررين من الكوارث والأزمات سواء الطبيعية أو تلك التي وقعت نتيجة ظلم الإنسان لأخيه الإنسان.
وما يجعل خليفة ناصر السويدي مختلفا عن غيره من المسؤولين أو الموظفين الذين تركوا الحياة العامة والوظائف الحكومية أن طبيعة عمله تنبع من العطاء ليس فقط المادي وإنما المعنوي فقد كان نعم الأب والمعلم لأبناء جيله لأن عمل الخير لديه ليس مرتبطا فقط بالعمل لدى جهة خيرية وإنما يؤكد أن بإمكان أي موظف مهما كان يشغل من مناصب وفي أي جهة يعمل بها أن يكون معطاء ومبادرا إلى عمل الخير سواء من خلال مساعدة الآخرين وانجاز معاملاتهم بتفان وصدق إضافة إلى التعامل الحسن والابتسامة التي يجب أن ترتسم على وجه الموظف أو المسؤول في معاملاته سواء مع زملائه الموظفين أو الجمهور الذي يتعامل معه.
ولأن مهامه الوظيفية توقفت مع منحه هذا الوسام ارتأينا أن نبدأ حوارنا من هناك:
بعد 15 عاما قضيتها في العمل بهيئة الهلال الأحمر... ماذا يعني لك حصولك على وسام صاحب السمو رئيس الدولة ؟.
أي إنسان يتمنى أن ينهي حياته الوظيفية بوسام صاحب السمو رئيس الدولة وفي الحقيقة أنني أمام هذا التكريم المشرف لا استطيع أن اعبر عن الفرحة الحقيقية التي تختلج صدري.... لكن هذا التكريم والتقدير من رئيس الدولة لابنائه ليس بجديد على سموه فهو يعبر عن متابعته الحثيثة لأبناء الوطن وانجازاتهم ودعمهم وهو دافع للكثير من رجال وأبناء هذا الوطن لبذل المزيد من الجهد والإخلاص والتفاني في العمل الذي يؤدونه مهما كانت طبيعة هذا العمل لأن أي شخص يمكن ان يكون له تأثير على الآخرين بشكل ايجابي إذا ما كان متفانيا في عمله ومخلصا ومساعدا ومحبا للآخرين في مجال عمله.
وهنا أود أن أوجه الشكر إلى سمو الشيخ حمدان بن زايد آل نهيان الذي تشرفت بالعمل معه وتحت أمرته طوال 15 عاما في هيئة الهلال الأحمر والذي ساعدني على النجاح لانه بحق إنسان قائد والقائد دائما يرفع من مستوى الناس الذين يعملون معه لأنه بارتفاع هؤلاء الناس يصبح هو المعلم.
عندما انضممت إلى الهلال الأحمر لم أكن انتظر أي مقابل لكن الوسام له أهمية معنوية لي ولمن بعدي وهناك أشخاص غيري أيضا في الهلال الأحمر يستحقون هذا الوسام واعتقد أن دورهم سيأتي في التكريم والتقدير.
شغلت عدة مناصب في هيئات ووزارات منها وزارة الإشغال، فما الفرق بين العمل في تلك الجهات والهلال الأحمر؟
ميزات العمل في جهة خيرية هو أن العمل الإنساني محبب لقلب كل شخص يؤديه ولا ينتظر مردودا لأن المردود تراه وتلمسه معنويا وإنسانيا ويمكن أن يأتي من ابتسامة على وجه طفل أو شخص كبير قدمنا له المساعدة ونرى آثاره في المجتمع فمن يعمل في هذا المجال بإخلاص يحاط بحب الناس ودعائهم الذي لا ينقطع ومظاهر الشكر والامتنان والتقدير من المجتمع.
أما العمل في أي وظيفة أخرى قد يحصل الإنسان من خلاله على تقدير أحيانا لكن في احيان كثيرة قد يجلب لصاحبه الشكاوى مثلا من الناس أو من المسؤولين بينما العمل الإنساني ميزته انك تحصل على التقدير من كل شخص وبشكل فوري وعفوي.
برأيك وبعد كل تلك الفترة في العمل الخيري، هل هناك صفات معينة يجب أن تتوفر في من يعمل في هذا المجال ؟
بالطبع فمن يعمل في هذا المجال يجب أن يحب عمله لذلك نرى في العديد من المؤسسات والمنظمات الخيرية والإنسانية ان معظم من يعمل فيها يعمل بشكل تطوعي فهو لا يحصل على أي شيء مادي مقابل هذا العمل إضافة إلى أن على من يعمل في هذا المجال أن يمتلك قلبا كبيرا ويشعر بمشاكل الناس ويبحث عن مشاكلهم وما يعانونه وان ينزل إلى الشارع ويرى الأحداث على أرض الواقع مثل المجاعات وغيرها من الكوارث الطبيعية أو الحروب وما ينتج عنها من مآس فان من يعمل في ذلك المجال يجب أن يزور تلك الأماكن ليقف على حقيقة تلك المآسي والاحتياجات اللازمة لرفع معاناتهم.
كما أن من مميزات الشخص الذي يعمل في هذا المجال ان يتأثر بالأحداث التي تقع في العالم وان تكون نظرته إنسانية بأن يشعر بأخيه الإنسان وهذا الأمر ينبع من عمق ديننا الحنيف الذي يحث على مساندة الضعفاء مهما اختلفت عقائدهم وأجناسهم وألوانهم.
وكما هو معروف لمن عمل في المجال الخيري أو التطوعي فان هذا النوع من العمل يمتاز بأنه ممتع لمن يؤديه فالإحساس بالعطاء وتقديم المساعدة للآخرين من أهم الأسباب التي تجلب السعادة للإنسان.
عملت في السابق في عدة وظائف منها وكيلا لدائرة الأشغال وكنت من مؤسسي نادي العين الرياضي وشغلت منصب رئيس مجلس ادارته كما عملت لفترة في وزارة الداخلية بعد تخرجك من كلية الشرطة وحصولك على الدبلوم الشرطي في الحقوق والقانون، ماذا استفدت من تلك التجارب المتعددة وبماذا تنصح الشباب أو الخريجين الجدد؟
اليوم أصبح مجال العمل أكثر اتساعا وأصبح يعتمد على المعرفة والتأهيل ونحن أسسنا في ظروف صعبة ففي شبابنا لم يكن لدينا الكثير مما يتوفر لدى الشباب المواطن حاليا ومنها الكهرباء والطرق والماء ورغم ذلك فقد صبرنا وواجهنا تلك الظروف واستطعنا أن نحقق ولو جزءا يسيرا من طموحاتنا من خلال العلم والإصرار والتفوق.
وأنا انصح الشباب المواطن أن يتعلموا جيدا وان يستفيدوا من فرص التعليم المتاحة حاليا والجامعات والمعاهد المتميزة التي يفخر بها بلدنا وان يؤهلوا أنفسهم بشكل جيد والأهم من ذلك الصبر والجلد ليشقوا طريقهم بنجاح.
فنحن نرى اليوم أن أمام الشباب العديد من وسائل المعرفة التي بإمكانهم الاستفادة منها بشكل ايجابي لتثقيف أنفسهم وتوسعة مداركهم في كافة المجالات من خلال الانترنت والاتصالات والتكنولوجيا بكافة أنواعها.
طبيعة عملك في الهلال الأحمر كانت تقتضي في بعض الأحيان زيارة العديد من دول العالم وقت الكوارث وفي أوقات خطرة فهل شعرت يوما بالخوف أو القلق؟
خلال عملي في الهلال الأحمر كنا نزور بعض المناطق الخطرة مثل فلسطين والعراق وأفغانستان لكن بحكم خبرتنا كنا نتعامل مع هذه المواقف الصعبة وكنا نتعامل معها ونستطيع أن نسيطر عليها خاصة وان مبدأنا قوي هو الإنسانية وخدمة المستضعفين.
فإذا حدث للإنسان شيء في تلك المواقف فانه يكون قد راح لهدف سام فتهون الصعوبات في مثل هذه الظروف.
كيف ينظر أبناؤك إلى أبيهم؟
أبنائي والحمد لله ـ فخورون بعمل والدهم خاصة عندما تم تكريمي من صاحب السمو رئيس الدولة كما أن زوجتي كان لها فضل كبير على نجاحي واستمراري في هذا المجال لأنها تحملت الكثير من مشاغلي وغيابي وبشكل خاص عندما كنت أسافر إلى المناطق الخطرة.
ماذا بعد الوظيفة ؟
أصبح لي الآن بعض الوقت الذي أقضيه في الاستراحة والتفكير وأمارس أعمالا خاصة من خلال شركة أسستها في المجال التجاري ولكن بشكل خفيف دون أن اغرق نفسي في العمل فأنا حاليا متفرغ للقراءة وممارسة الرياضة وقضاء أوقات ممتعة مع أسرتي.
حكمة
الإنسان يستطيع أن يقوم بالعمل الخيري في أي وظيفة يشغلها
العمل في الهلال الأحمر أو أي مؤسسة إنسانية وخيرية يعتبر عملا نبيلا وأنا وجدت نفسي في هذا المجال لأن لدي ميولا لخدمة ومساعدة الآخرين واكتشفت هذا منذ سنوات طويلة عندما كنت أعمل في الشرطة كنت احرص على التعامل مع الآخرين بشكل إنساني وهنا أريد أن أؤكد أن الإنسان يستطيع أن يقوم بعمل إنساني في أي مكان يعمل به لأنك مثلا في المجال الشرطي تسمع للمظلوم وتنصفه وتصلح وتقوم.
وخلاصة القول إن أي عمل في الحياة لا يصاحبه عمل إنساني فانه لا قيمة له.
والعمل الإنساني موجود في كل مكان وعلينا أن نمتلك وندرب أنفسنا على الاستعداد النفسي ويجب أن تكون لدينا المبادرة وأن لا نكون سلبيين وأن لا نفكر بشكل سلبي وان يكون تفكيرنا ايجابيا.
وهنا يجب أن أشيد بدور الإعلام في العمل الخيري لأن الإعلام أصبح اليوم شيئا ضروريا في العمل الإنساني فهو يوصلك للمتبرع والمحتاج وهو همزة الوصل بين الناس والمؤسسات الخيرية وهو داعم رئيسي للعمل الخيري.
قدرات
أجواء العمل المثالية تساعد الموظف على الإنجاز
أكد خليفة ناصر السويدي انه خلال فترة عمله كان راضيا إلى درجة كبيرة عن قراراته وموفقا فيها.
وأضاف: المكان الذي لم أكن اشعر فيه بالارتياح سواء من جو العمل كنت لا استطيع أن أنجز به بالطريقة التي أرغب وبما يناسب طموحاتي وبالتالي كنت أحاول دائما الانتقال إلى ظروف عمل أفضل تناسب قدراتي وفي المجالات التي أحبها وعندما كنت اوفق في إيجاد العمل المناسب كنت اعمل بكل جهد وإخلاص.
وأفتخر أنني في معظم الوظائف التي عملت بها أديت بجهد وإخلاص وأمانة وهذا ما أوصي به أبنائي والجيل الجديد.
أبوظبي ـ ماجدة ملاوي



