سرعت الحكومة الأميركية أمس خطة إنقاذ القطاع المالي المتداعي عبر اتخاذ إجراءات لضخ 250 مليار دولار في رؤوس أموال مصارف وتقديم ضمانات جديدة للقروض. وتزامنت هذه التطورات مع حالة من التشاؤم في الأوساط السياسية رغم الارتفاع الذي سجلته أسواق الأسهم العالمية خلال اليومين الماضيين وفي أعقاب إجراءات قامت بها عدد من الدول والتكتلات الإقليمية هدفت لطمأنة المستثمرين في القطاع المالي. وحذرت المستشارة الألمانية أنجيلا ميركل من التعجل في التفاؤل، وقالت إن خطورة الوضع لم تتغير وان الشركات لن تستطيع العمل في العصر الحديث دون وجود نظام اقتصادي صالح. وقال رئيس الوزراء البريطاني جوردون براون اعتقد أن المخاطر أعلى من أي وقت مضى وأن الأيام المقبلة حاسمة بالنسبة للمجتمع الدولي».

وأعلن الرئيس الأميركي جورج بوش عن إجراءات ملموسة جديدة ضمن خطة الإنقاذ التي اعتمدها الكونغرس في الثالث من الشهر الحالي موضحا أن الدولة ستدخل للمرة الأولى في رؤوس أموال بعض المؤسسات المالية. وقال بوش في مداخلة متلفزة من البيت الأبيض إن «هذه الإجراءات لا تهدف إلى السيطرة على اقتصاد السوق وإنما للحفاظ عليه». وأشار بوش على أن إدارته ستستخدم قسما من أموال خطة الإنقاذ البالغة قيمتها 700 مليار دولار «لضخ أموال في المصارف عبر شراء أسهم».

وأكد أن الحكومة الأميركية ستضخ رأس مال بشكل مباشر في مؤسسات مالية من خلال شراء حصص من الأسهم في مسعى للمساعدة في فك جمود أسواق الائتمان الناجم عن انهيار سوق الإسكان. وأوضح عقب اجتماع مع كبار مستشاريه الاقتصاديين «هذا إجراء قصير الأجل ضروري لضمان قدرة النظام المصرفي الأميركي على البقاء».

وأضاف أن رأس المال الجديد سيشجع البنوك على استئناف الإقراض وهو ما سيعزز خلق الوظائف والنمو الاقتصادي.

وأشار بوش إلى أن البرنامج أعد بعناية لتشجيع البنوك على إعادة شراء تلك الأسهم من الحكومة عندما تستقر الأسواق وبإمكانها جمع رأس مال من مستثمرين من القطاع الخاص. وأصر على أن الخطوات الحكومية ستكون محدودة ومؤقتة وإنها لا تهدف للاستحواذ على السوق الحرة. ويمثل قرار المساهمة المباشرة في رأس مال البنوك تراجعا عن النهج السابق من جانب إدارة بوش.

وأوضح وزير الخزانة الأميركية هنري بولسون أن 250 مليار دولار ستخصص لهذه الغاية وان تسع مؤسسات مالية كبرى وافقت على أن تساهم الدولة في رؤوس أموالها في إطار هذا البرنامج. وأعلنت وزارة الخزانة أن المؤسسات المالية التسع التي وافقت على دخول الدولة في رؤوس أموالها ستستوعب 125 مليار دولار، أي نصف المبلغ الذي أعلنت السلطات أنها ستستثمره في مجمل القطاع المالي.

وتابع أن سندات الخزينة التي أصدرتها المصارف ستحظى بضمانة «فورية» لكن لفترة محدودة وان ضمانة الدولة ستشمل أيضا كل الحسابات الجارية. وقالت الهيئة الفدرالية الأميركية لضمان الودائع المصرفية إنها ستضمن الديون الجديدة التي تحظى بأولوية للمصارف لمدة ثلاث سنوات.

وستوسع هذه الهيئة أيضا ضمانتها لتشمل كل الودائع المصرفية التي لا تحمل فوائد بغض النظر عن قيمتها.

وفي بيان مشترك أعلنت وزارة الخزانة والاحتياطي الفدرالي والهيئة الفدرالية الأميركية لضمان الودائع المصرفية أن الحكومة «سمحت لهذه الهيئة بضمان الديون التي تحظى بأولوية لمؤسسات مدرجة في الهيئة بشكل مؤقت ومؤسساتها القابضة».

وأوضحت الهيئة أن هذه الضمانة تتعلق بالسندات المالية الجديدة التي تصدرها المصارف حتى 30 يونيو 2009 وسيكون ساريا حتى 30 يونيو 2012.

وجاء في البيان المشترك بين بولسون ورئيس الاحتياطي الفدرالي الأميركي بن برنانكي والهيئة الفدرالية لضمان الودائع المصرفية. وتأتي هذه الخطوات بعد تعهد مجموعة الدول الصناعية السبع في نهاية الأسبوع باستخدام كل الأدوات المتاحة من اجل إعادة الثقة إلى الأسواق وإنقاذ مؤسسات مالية رئيسية.

كما تأتي بعد جهود قامت بها بريطانيا لضخ أموال في المصارف التي تواجه صعوبات مالية. وقال بولسون «اتخذنا إجراءات حاسمة لحماية الاقتصاد الأميركي».

وأضاف «نأسف لاضطرارنا للقيام بمثل هذه التحركات، هذه الإجراءات ليست ما كنا نتمناه لكن علينا القيام بها لاستعادة الثقة في نظامنا المالي». وتابع أن «تملك الحكومة لحصة في أي شركة أميركية خاصة هو أمر غير مرغوب به لمعظم الأميركيين بما يشملني».

وقال «لكن إذا كان البديل هو ترك المستهلكين والشركات بدون إمكان الحصول على تمويل فذلك أمر غير مقبول تماما. فحين لا يكون التمويل مؤمنا يقوم المستهلكون وأرباب العمل بتقليص إنفاقهم ما يؤدي إلى إلغاء وظائف أو حتى إغلاق بعض المحلات».

وفي حين واصلت الأسهم الأوروبية والآسيوية ارتفاعاتها دعا رئيس وزراء بريطانيا جوردون براون إلى الاتفاق على مجموعة من الإصلاحات للنظام المالي العالمي محذرا من أن الإجراءات المنسقة التي اتخذتها دول العالم هذا الأسبوع ليست كافية لضمان الاستقرار على المدى الطويل. وقال براون للمراسلين الأجانب في لندن إن المخاطر «أعلى من أي وقت مضى» وأن الخطوات التي تتخذ لضمان تدفق السيولة إلى البنوك غير كافية.

وأضاف «نحتاج إلى إظهار أننا نتعامل مع أسباب المصاعب في المقام الأول وأننا نقوم بالإصلاحات الضرورية حتى يعمل النظام المالي العالمي بطريقة جيدة». وشددت المستشارة الألمانية على أهمية وجود «تنسيق دولي أفضل لمراقبة أسواق المال» بهدف تقليل المخاطر مشيرة إلى أن تحقيق رسملة أفضل للبنوك تندرج تحت هذا الأمر أيضا.

وتطرقت ميركل إلى أهمية إشراك الاقتصاديات الصاعدة بقوة مثل الصين والهند بشكل أكبر في القواعد المالية العالمية بهدف التغلب على الأزمة وأعلنت عن عقد مباحثات قريبة مع ممثلي البلدين. وفيما يتعلق بتوقعاتها بشأن أداء اقتصاد بلادها في المرحلة المقبلة، قالت ميركل إنها تأمل في ألا يضعف أداء الاقتصاد الألماني بشكل مبالغ فيه يصل إلى مرحلة التراجع.

وفي ذات الإطار أعلن رئيس المجموعة الأوروبية جان كلود يونكر أن «ما من سبب يدعو إلى إعلان انتهاء الأزمة المالية»، وذلك رغم تجاوب الأسواق المالية مع خطة مساعدة المصارف في منطقة اليورو. وقال يونكر، رئيس وزراء ووزير المالية في لوكسمبورغ، أمام مجلس النواب في بلاده «رغم رد الأسواق الايجابي خلال اليومين الماضيين، لا يوجد سبب لإعلان انتهاء الأزمة المالية والمبالغة في التفاؤل».

وقال مصدر في مكتب الرئيس الفرنسي نيكولا ساركوزي ان تنظيم قمة لمجموعة الثماني بشأن الأزمة المالية قد يستغرق شهرا على الأقل. وأضاف المصدر أن ساركوزي يهدف إلى عقد القمة بحلول نهاية نوفمبر. ويبدو أن الاقتراح يحظى بدعم اليابان والولايات المتحدة وكندا إضافة إلى الأعضاء الأوروبيين الثلاثة الآخرين في مجموعة الثماني.

وألقى الرئيس السابق لصندوق النقد الدولي ميشيل كاميدسو باللائمة على صناع القرار السياسي فيما يتعلق بالأزمة الحالية في أسواق المال العالمية قائلا إنهم يتحملون القسط الأكبر من المسؤولية عن هذه الأزمة لأنهم لم يطبقوا الإصلاحات الاقتصادية التي اعتمدها الصندوق من قبل. وقال الفرنسي كاميدسو «أشعر ببعض الإحباط، لقد اعتمدنا هذه الإصلاحات في صندوق النقد الدولي قبل 11 عاما وحذر الصندوق أيضا من أزمة القروض عالية المخاطر».

ويرى كاميدسو أن أصل الأزمة الحالية في أسواق المال يعود إلى «جزء غير تقليدي في سوق المال» تماما كما كان الأمر بالنسبة للأزمة المالية في المكسيك والأزمة الآسيوية وأشار إلى أن صندوق النقد طالب خلال الأزمة بفرض رقابة على أسواق المال وأضاف: «لو تم اتباع ذلك لكان في الإمكان تجنب الأزمة».

وأكد الخبير الاقتصادي الذي ترأس من قبل «بنك فرنسا» أن جميع المعنيين كانوا يتفهمون أثناء الأزمة الآسيوية عام 1997 سبب تأييد اللجنة المؤقتة التي شكلها الصندوق آنذاك لمعالجة الأزمة لاعتماد الرقابة على أسواق المال مضيفا «لقد قبل هذا الطلب بالإجماع ولكن عندما انتهت الأزمة وتراجع الحماس نسي المسؤولون تطبيق الإصلاحات».

وطالب كاميدسو بسرعة تطبيق القرار التي تم تبنيه عام 1997 وقال إن ذلك يسري أيضا على القرار «المنسي» بشأن صلاحيات وزراء مالية الدول الأعضاء في صندوق النقد. وأضاف أن الحكومات تتردد دائما في نقل صلاحياتها إلى مؤسسة مالية دولية هامة «ولكن الجميع أصبحوا يدركون اليوم أن من غير الممكن ترك أسواق المال بدون أي نوع من الرقابة، إذا لم يكن هناك حارس في القرية الكونية، فسرعان ما ستكون هناك قرية عصابات يفرض فيها الغشاشون ومعدومو الضمائر القانون الذي رأيناه مؤخرا في أسواق المال».

لجنة

أعلن مدير عام منظمة التجارة العالمية باسكال لامي ان المنظمة شكلت فريقاً لمتابعة تطور الأزمة المالية العالمية. وفي حين يرى معظم أعضاء منظمة التجارة العالمية ان الأزمة ستؤثر على الاقتصادات، قال لامي خلال اجتماع أمام أعضاء المنظمة الـ 153 انه «شكل فريقا خاصا في الأمانة العامة لمتابعة آثار الأزمة المالية» في مختلف مجالات العمل داخل المنظمة.

وقد يدعو لامي إلى اجتماع جديد لأعضاء منظمة التجارة لدرس التدابير الواجب اتخاذها «في حال وصلتنا معطيات تشير إلى ان الأوضاع المالية قد يكون لها عواقب أكثر جدية على النظام التجاري». وأضاف «اقترح في ان نتابع الوضع وان نكون مستعدين للتحرك اذا دعت الحاجة».

واقر أعضاء منظمة التجارة خلال الاجتماع بأن الدول النامية «ستكون الأكثر تضرراً» من الفوضى الاقتصادية وستواجه مشاكل اكبر في تمويل صادراتها ووارداتها. ولبحث هذه القضايا دعا لامي إلى اجتماع في 12 نوفمبر لأبرز المصارف التجارية والمؤسسات المالية الدولية، الجهات الأساسية المانحة للقروض لهذه الدول.

وحول دورة الدوحة لتحرير المبادلات شدد لامي مرة أخرى على ضرورة التوصل إلى اتفاق بعد أكثر من سبع سنوات من المفاوضات في أجواء أزمة.

وقال لامي «حتى وان كان واضحا انه من المستحيل التوصل إلى اتفاق هذه السنة اعتقد انه لا يزال من الممكن إيجاد اتفاق حول الشروط. والوزراء الذين التقيتهم مصممون على المضي قدماً». وبعد فشل الاجتماع الوزاري في يوليو استؤنفت المفاوضات هذا الخريف على مستوى مجموعات العمل وهذا أمر «مشجع» بحسب الفرنسيين.

تداولات

«الأوراق المالية» تتوقع اندماجات بين الشركات

قالت هيئة الأوراق المالية والسلع ان تراجع حجم أعمال بورصات الدولة مع تأثر أسواق المنطقة بالأزمة المالية العالمية قد يدفع شركات السمسرة المحلية لدراسة عمليات اندماج. وقال عبدالله الطريفي رئيس الهيئة على هامش مؤتمر ان السوق قد تشهد اندماجات بين شركات السمسرة الصغيرة وان الشركات الصغيرة لا يمكنها الاستجابة لاحتياجات السوق والمستثمرين. وشهدت العديد من شركات السمسرة تراجع إيراداتها بسبب انخفاض أحجام التداول في الأسابيع القليلة الماضية بعد ان أدت إجراءات تنظيمية جديدة مثل زيادة رأس المال إلى تضخيم التكاليف.

نزاع

اتحاد مالي ألماني يقاضي بنك «هيبو ريال»

تقدم اتحاد حماية أصحاب الأوراق المالية في ألمانيا بدعوى ضد المسؤولين في بنك هيبو ريال استيت للإقراض العقاري. وأفاد الاتحاد بأن ممثليه تقدموا بالدعوى لدى الادعاء العام بمدينة ميونيخ أمس. ويأتي ذلك بعد تدخل الحكومة الألمانية لإنقاذ البنك.

ويتهم أصحاب الدعوى مسؤولي البنك بالغش وتقديم معلومات خاطئة عن حجم رأسمال البنك في السوق المصرفية وبمخالفة القوانين التي تحظر التلاعب بالسوق. يشار إلى أن رئيس مجلس إدارة البنك جيورج فونكه ورئيس مجلس الإشراف كورت فيرميتس استقالا من منصبهما الأسبوع الماضي.

100

أعلنت الحكومة النمساوية أنها ضخت اعتباراً من أمس مبلغ 100 مليار يورو إلى السوق المالية وذلك في خطوة تستهدف دعم مستوى أداء المصارف واستقرار حركة التداول ومواجهة الانعكاسات السلبية.

وأوضح المستشار النمساوي ألفريد غوزنباور الزعيم السابق للحزب الاشتراكي الديمقراطي ونائب المستشار ووزير المالية فيلهيلم مولترار أنه سيتم وضع 85 مليار يورو جانبا كضمانة لودائع المؤسسات والشركات والأفراد و15 مليار يورو ستخصص من أجل تعزيز رؤوس الأموال في البنوك المحلية.