عقارب الساعة تشير إلى العاشرة والنصف من صباح أحد الأيام الدراسية، حيث فقدت فاطمة الوعي إثر أزمة ربو ألمت بها وهي تحضر إحدى الحصص، مما اضطر الممرضة الموجودة في العيادة المدرسية نقلها في سيارتها الخاصة إلى أقرب عيادة متحملة بذلك مسؤولية كبيرة، ومتجاوزة بذلك أي تأخير قد ينجم في طلب سيارة الإسعاف، وقد تم إسعاف الطالبة في أقرب مستوصف، نظراً لعدم توافر جهاز إسعاف للربو في المدرسة.
إنها إحدى القصص التي تحدث في أروقة المدارس بصورة متكررة، ولكنها كانت درساً قاسياً أربك الممرضة والإدارة المدرسية، وكشف فجوات عدة في النظام الصحي المدرسي، لعل أبرزها نقص الأجهزة والمعدات الطبية الأساسية التي يجب توافرها في العيادات المدرسية خدمةً للأهداف التي أوجدتها وزارة الصحة والخدمات الطبية.نقص الأدوية والمعدات ورس أحمد، ممرضة بإحدى المدارس الثانوية، تمارس على حد قولها دور الممرضة والأخصائية النفسية للطالبات، فهي تقدم لهن محاضرات توعوية وتساعدهن على تخطي صعوبات تلك المرحلة، أبدت ورس استياءها من الحال التي آلت إليه العيادات المدرسية وقالت: هناك نقص حاد في الأدوية والأجهزة والمعدات الطبية، وعندما نطالب وزارة الصحة بالأدوية تكون الإجابة، أن الأولوية للمراحل التأسيسية، وما أن يصل الدور إلينا تكون الأدوية قد نفدت.
ونبقى طويلا ننتظر ومن دون أدوية، وإن وصلت فهي، بسكوبان وخافض للحرارة ومسكن وإسعافات أولية، وأكدت ورس أنهم لمواجهة ذلك النقص، فإن توفير معظم الأجهزة والمواد الصحية يأتي بجهود شخصية من المعلمات ومديرة المدرسة، فهن قد تبرعن للعيادة بجهاز لفحص السكر إلى جانب توفير العديد من مواد التنظيف والتعقيم والمواد الصحية بدافع شخصي للارتقاء بخدمات العيادة المدرسية ومحاولة ضمان جو صحي ملائم للطالبات.
وشكت أيضاً من عدم توفر أسّرة طبية ملائمة، فالوزارة لا تحرص على الجرد السنوي، وإحصاء التالف من الأدوات والتعويض عنه بالجديد، بل تلقي بها على عاتق المدرسة، كما أن تزويد العيادة المدرسية بالأجهزة والمعدات يغني عن اللجوء إلى العيادات الخارجية، فبعض الحالات تستدعي اصطحاب الطالبات إلى المستشفى مما يضطر الممرضة إلى مرافقتهن وترك المدرسة.
غياب الممرضة
وطالب عدد من الممرضات والمعلمات بضرورة وجود طبيبة في كل مدرسة بشكل منتظم، حيث تم تطبيق هذا القرار لفترة ثم أُلغي، رغم أنه يوفر عناء الذهاب إلى المستشفى ويغني الطالبات من التخلف عن حصصهن لفترات طويلة، كما رأين ضرورة إعادة النظر في موعد بدء دوام الممرضات الذي يبدأ مع الطالبات، حيث لا يتسنى لهن تجهيز العيادة وتنظيفها والتأكد من توفر جميع الأدوات والأجهزة، واستبدال التالف منها استعداداً لاستقبال أي حالات طارئة.
واشتكى عدد آخر من المعلمات والطالبات من غياب الممرضة المتكرر لأسباب مختلفة. أما بهية الجوي، مديرة مدرسة الصفوح للتعليم الثانوي للبنات بدبي فقد أكدت أن غياب الممرضة لأسباب التدريب أو تغطية النقص في مدارس أخرى يعد مشكلةً مربكة، فالمدرسة تضم عدداً كبيراً من الطالبات اللاتي يحتجن إلى متابعة طبية، إلى جانب الحالات الطارئة التي تستوجب وجود ممرضة، فالمعلمات والطالبات ليس لديهن إلمام بالإسعافات الأولية حتى يتم التعامل مع الحالات الطارئة.
مبنى متخصص
ورأت ضرورة الاهتمام بمبنى العيادة المدرسية، وقالت: «يجب أن يكون تصميم العيادة ملائماً للأهداف الصحية التي وضعت من أجلها، كما يجب تواجد طبيبة في المدرسة مرتين أسبوعياً على الأقل، كما يجب أن يشمل دور العيادات المدرسية تقديم التوعية والمحاضرات المتعلقة حول التغذية السليمة والأمراض المتعلقة بكل مرحلة عمرية «فالوقاية خير من العلاج». وعدم توفر الممرضة بشكل دائم في المدرسة هو التحدي الأبرز، حسب نورة المنصوري ـ معلمة بمدرسة العذبة للتعليم الأساسي.
وقد شكت من قلة تواجد الممرضة في المدرسة بشكل دوري، لكونها مشتركة بين المدرسة وإحدى الجمعيات النسائية في المنطقة ذاتها، كما أكدت على نقص الأدوية وأدوات التعقيم، وأضافت: «العيادات المدرسية لا تواكب التطور الذي يشهده قطاع التعليم، الممرضات ليس لديهن إلمام بالتاريخ الطبي للطالبات، والأمراض الوراثية المصابات بها، ما زلت أتذكر الحادث الذي تعرضت له إحدى الطالبات في المدرسة إثر إصابتها بحساسية من أحد الأدوية، مما أدى إلى مضاعفات خطيرة، وللحد من ذلك يجب أن يتوفر سجل طبي خاص بكل طالبة، ويتم تحديثه بشكل دوري لتفادي وقوع أية حوادث مشابهة».
تعاون أولياء الأمور
ونوّهت نورة إلى أهمية وضع خطط وبرامج تلزم أولياء الأمور والممرضات بضرورة التعاون في ما يتعلق بصحة الطلبة والمواظبة على برامج التطعيم والالتزام بها، والمتابعة المشتركة للمواعيد الطبية التي تستلزم ذلك، مثل حالات فقر الدم المنتشر بين الطالبات، أو الأمور المتعلقة بالنظافة الشخصية، التي تتحقق من خلال المحاضرات التوعوية الموجهة لكل من الطالبات وأولياء أمورهن حتى يتحقق أكبر قدر من الوعي حيث إن التعاون والتنسيق من شأنهما سد الثغرات وتحقيق التكامل في الأدوار بما يصب في مصلحة الطالب.
دور شكلي
للمستفيدين من خدمات العيادات المدرسية رأي لا يختلف كثيراً عن المعلمات والممرضات، وفاء عبد الله طالبة بالمرحلة الثانوية، تختصر مفهوم العيادة المدرسية بكلمات مقتضبة «العيادة المدرسية بنادول وشاش وميزان» الممرضة تشكو دائماً من عدم توفر الأدوية، لا أفضل اللجوء إلى العيادة، فلا فائدة من ذلك لأنه برأيي ليس لها دور ووجودها شكلي فقط.
وحتى الإجراءات التي تتبعها الممرضات سنوياً لا يتم تفعيلها أو الاستفادة منها بمعرفة المشاكل التي تعاني منها الطالبات، تشاركها الرأي زميلتها حنان موسى، فهي تعتقد أيضاً أن دور العيادات المدرسي شكلي، فيما يجب أن تهتم الممرضة بالطالبات وتحرص على متابعة حالاتهن المرضية وطرق العناية بها وطرق الوقاية من بعض الأمراض الشائعة، وتوعيتهن بمبادئ الصحة النفسية، وعدم الاكتفاء بتقديم العلاج والذي غالبا لا يتعدى خافض الحرارة أو مسكّن.
مريم المطروشي: اعتماد الإجراءات الوقائية وبحث العلاج المجاني لأبناء الوافدين
اعتمدت وزارة الصحة الإجراءات الوقائية للطلبة الوافدين مع إمكانية بحث مجانية الإجراءات العلاجية، كما تعكف وزارة الصحة على تحديث خطة برامج الصحة المدرسية لتحديثها، وأكدت الدكتورة مريم المطروشي مديرة إدارة التشريعات بالوزارة والمشرفة على برنامج الصحة المدرسية أن الخطة الجديدة تستهدف -حسب إحصائيات العام الماضي - ما يقارب 300 ألف طالب وطالبة من مختلف مناطق دبي والإمارات الشمالية، بينهم 144402 في المدارس الحكومية و143 ألفاً في الخاصة، وأشارت أن الخطة الجديدة تركز على تقوية الخدمات المقدمة والتي ستشمل الجانبين الوقائي والعلاجي.
وأوضحت المطروشي أن البرنامج سيركز على العاملين في الصحة المدرسية ودورهم الوقائي والقيام بالمكونات الوقائية في خدمات الصحة المدرسية المقدمة مثل التطعيمات والفحص الطبي الشامل وفحص اللياقة الصحية والبرنامج الوقائي لصحة الفم والأسنان إلى جانب اتخاذ إجراءات الوقاية والاكتشاف المبكر والعزل والتقصي الوبائي للأمراض المعدية ومتابعة حالات ايجابية للأمراض المكتشفة.
وأوضحت أن ثمة مكونات أخرى للبرنامج مثل التثقيف الصحي والتوعية، كما أكدت على أن الخطة تستهدف تقوية برامج الصحة النفسية لاسيما في مرحلة المراهقة، وصحة العاملين والبيئة المدرسية، وتشمل برامج تعزز صحة المجتمع بصفة عامة، وأضافت: يتناول برنامج التحديث ثمانية محاور رئيسية، جزء منها يتعلق بالخدمات الوقائية والعلاجية، وأخرى تتعلق بالتثقيف الصحي، والتغذية المدرسية السليمة، والتربية الرياضية، والإسعافات الأولية، بحيث يشارك فيها الممرضون والعاملون في المدرسة بالتوعية والتثقيف، كل حسب اختصاصه.
وكشفت أن برامج الصحة النفسية وضعت تبعاً لخطط ودراسات أكدت حاجة الطلبة لمثل هذه البرامج، بهدف كشف حالات الاضطراب النفسي وتشخيصها، وتحويلها للاختصاصية النفسية لعلاجها بالإضافة إلى إشراك أولياء الأمور والتعاون معهم في ما يتعلق بتشخيص الحالات النفسية للطلبة، إيماناً بأن الصحة النفسية جزء من الصحة العامة التي تؤثر على نجاح العملية التربوية.
وحول ما إذا كان هناك توجه لاقتراح مناهج الصحة النفسية وأخرى تتعلق بالتغذية السليمة، اعتبرت المشرفة على برنامج الصحة المدرسية بينما أن مبادئ الصحة المدرسية مدمجة في مناهج مختلفة، وأوضحت أن وضع المناهج من اختصاص وزارة التربية والتعليم، بينما يعمل برنامج الصحة المدرسية على تقديم محاضرات في التوعية، والمشاركة في الإذاعة المدرسية وأنشطة وحملات توعوية بالتنسيق مع مختلف المواد الدراسية.
ورداً على شكاوى النقص الحاد في الأدوية، نفت الدكتورة مريم المطروشي وجود نقص مؤكدةً أن صلاحية الممرضة لا تقتضي صرف أدوية، بينما يعتبر ذلك من اختصاص الطبيب المعالج، أما في ما يتعلق بالأجهزة والمعدات، شددت أن الوزارة تطلب كشوف الأجهزة المستخدمة من قبل العيادات المدرسية بصورة سنوية لاستيفائها أولاً بأول لإحصائها وتعويض التالف منها.
فالمسؤولية تقع على عاتق الممرضة التي تقوم بضرورة المحافظة على الأجهزة، وابتعاثها للصيانة في حال الحاجة إلى ذلك، ولا يخلو الأمر من حدوث نقص، وذلك تبعاً للأعداد الكبيرة المستفيدة من مشروع العيادات المدرسية، فالأولوية تعطى للمراحل التأسيسية مع التأكيد على عدم التقصير في هذه الناحية.
تصميم العيادات
وأشارت المطروشي إلى وجود اشتراطات معينة في غرف العيادات المدرسية، تم تحديدها وفقاً للدليل الإرشادي لمتطلبات وشروط ترخيص المدارس الخاصة والحضانات ورياض الأطفال ومواصفاتها والصادر عام 2005، فيجب أن تضم العيادة غرفتين، وقاعة استقبال، وقد تم الاتفاق مع إدارة المباني المدرسية بوزارة التربية على توفير هذه المواصفات، بينما تلجأ بعض إدارات المدارس إلى مخالفة هذه المواصفات، واستبدال غرف العيادات بغرف أخرى، وتمت مخاطبة وزارة التربية بهذا الشأن، بينما تعد نسبة الالتزام بهذه الاشتراطات 87%.
وحول وجود الممرضة في العيادة المدرسية بصورة دائمة، أوضحت المطروشي أن ذلك يتطلب ميزانية أكبر، في ظل نقص عالمي في مهنة التمريض، ولكن تُعد النسبة لدينا مقبولة فنحن نوفر ممرضة لكل 500 طالب، أما فيما يتعلق بدوام الممرضات، قالت ان الوزارة تعمل على تنظيم دوامهن الصيفي بعد انتهاء الدوام المدرسي بينما يتم توزيع التنسيق لتغطية النقص في القطاعات الأخرى في النظام الصحي لضرورة تحقيق التكامل في الخدمات الصحية، ولم تر ضرورة تقديم دوام الممرضات في حين يمكنهن تجهيز العيادة في يوم واحد مؤكدةً أن العمل الفعلي للممرضات يبدأ مع دوام الطلبة، ودعت المطروشي المدارس للتعاون مع الصحة المدرسية بهدف التنسيق وتحقيق التكامل بين قطاعي التعليم والصحة.
مواصفات العيادة
يشترط الدليل الإرشادي توافر مواصفات عدة في مباني العيادات المدرسية، والتي يجب أن تتكون من ثلاث غرف وحمام، غرفة للاستقبال وغرفة طبيب وأخرى للغيار، ويشترط طلاؤها باللون الأبيض، وأن تكون أرضيتها من الفينيل ليسهل تنظيفها، كما يجب وضع سيراميك لحائط غيار الغرفة والمغسلة، إلى جانب توفير إضاءة جيدة وتكييف مناسب، وتخصيص أداوت للنظافة وعامل نظافة خاص للعيادة.أما التجهيزات المطلوبة للعيادة، فهي عبارة عن دولاب زجاجي، وآخر معدني، ومكتبة خشبية، ومكتبين وكرسيين متحركين، و20 كرسي للطلبة، وستارة رأسية ودولاب ذي أدراج، وسرير مفرد وثلاجة.
دبي ـ أمل الفلاسي

