لم يكن يخطر ببال ذاك الشاب الصغير الذي جاء طالباً متدرباً في العطلة الصيفية إلى بلدية دبي أن هذا المكان سيرتبط بأجمل سنوات عمره، حيث دفعته الروح الأخوية التي كانت سائدة في الأقسام التي تدرب فيها إلى الطلب من المشرفين عليه بأن يتيحوا له الفرصة بأن يكون من ضمن هؤلاء الموظفين الذين كانوا بصمت وهدوء شديدين يصنعون بواكير نهضة دبي الكبرى.
طالب كاظم حسن الموظف الذي حصل على العديد من كتب التقدير والتنويه والإشادة من رؤسائه في العمل خلال سنوات عمله التي امتدت منذ العام 1974 وانتهت في مطلع العام 2005 أكد أنه إذا ما عاد الزمن به إلى الوراء مرة أخر وخُير في أي مكان سيعمل فإنه بلا شك سيختار أن يكون هذا المكان في بلدية دبي، هذا الموقع الذي أعطاه الكثير من وقته وجهده وزهرة سنوات عمره. فيما لم يبخل عليه هذا المكان بأي شيء حيث منحه الشخصية القادرة والخبرة في التعامل مع الآخرين، كما وفر له كل أسباب الاستقرار المادي والمعيشي عبر تطوره الوظيفي، فيما كانت المساحة الكبيرة التي أعطته إياها البلدية لخدمة الوطن وإعلاء شأنه بالنسبة له هي الجائزة الأكبر التي اعتبرها كاظم الأكثر تميزا والأهم طيلة سنوات عمره المهني.
متى وكيف بدأت حياتك العملية؟ ... ــ البدايات كانت في العام 1974 عندما كنت ما أزال طالباً في المدرسة، حيث تقدمت للاشتراك كطالب متدرب في العطلة الصيفية في بلدية دبي، وكما هي العادة فإن القائمين على العمل يمنحون المتدرب الفرصة الكاملة للإطلالة والاطلاع على كافة الأعمال التي تقوم بها الدائرة، حيث تنقلت بين العديد من الأقسام فيها ما أتاح لي أن أتعلم الكثير خلال فترة التدريب الصيفي، وكان المهم في الأمر إطلالتي على العلاقات المتميزة التي تربط العاملين فيها رؤساء ومرؤوسين.
الأمر الذي جعلني أندفع بحماسة شديدة لطلب الحصول على وظيفة كاملة ومستقرة في البلدية من رؤسائي المباشرين وهم حميد الغيث رئيس قسم التعويضات آنذاك والمرحوم ابراهيم سعيد، حيث رفع طلبي بعد الموافقة المبدئية عليه منهما إلى نائب مدير عام البلدية في ذلك الحين عبد الغفار حسين للمصادقة النهائية عليه ولأصبح عقب ذلك موظفاً رسمياً في البلدية ولتبدأ خطواتي الأولى بها التي استمرت 30 عاماً.
ما هي طبيعة العمل والوظائف التي شغلتها وتدرجت فيها خلال عملك في البلدية؟
ـ عينت منذ البداية في قسم التموين في الدائرة والذي كان معنياً بتوزيع مادتي الأرز والسكر على المواطنين بموجب بطاقات تموينية يجري منحها للمواطنين كل حسب عدد أفراد أسرته، واستمر عملي في هذا القسم لمدة 9 أعوام إلى حين إغلاق هذا القسم، انتقلت عقب ذلك إلى قسم التراخيص التجارية في وظيفة مفتش، ليستمر عملي في هذا القسم لمدة 10 أعوام كانت حافلة بالكثير من الأحداث والمفارقات.
خاصة وأن طبيعة العمل الميدانية كانت تتيح لي الاحتكاك بالجمهور الذي يحمل كل فرد منه شخصية وفكراً مختلفاً عن الآخر تجعل اليوميات مليئة بالحكايات، ثم كانت المحطة الثالثة بالعودة مجدداً إلى قسم التموين الذي أعيد افتتاحه ليستمر عملي فيه لمدة 7 سنوات وتم اختياري بعدها للعمل في قسم المشتريات كإداري دعم وذلك لمدة 10 أعوام، هذا القسم الذي كان محطتي الأخيرة في عملي ببلدية دبي.
أي قسم من هذه الأقسام التي عملت فيها يمثل لك شيئاً مميزاً؟
ربما يكون قسم المشتريات هو الأكثر تميزاً بالنسبة لي، استناداً إلى التطوير الذي حظيت به لمهاراتي المهنية من خلال عدد من الدورات في مجال الكمبيوتر وكتابة وإعداد التقارير، حيث نقلت من فئة الموظف العادي إلى صاحب المهارات الجيدة التي أهلتني لأداء عملي بكفاءة وفاعلية جعلتني موضع تقدير من أفراد الجمهور وزملائي ورؤسائي.
ولكن هذا لا يعني أنني أنسى أهمية عملي ودوري في الأقسام الأخرى والتي أديت دوري فيها وما هو مطلوب مني على أكمل وجه، إلا أن الخصوصية بالنسبة لعملي في قسم المشتريات تأتي من خلال دوري الأكثر فاعلية في هذا القسم الذي جاء نتيجة مهاراتي التي تطورت جراء الدورات العديدة التي أتاحتها لي بلدية دبي.
هل ترى أنك قد ساهمت بتحقيق أهداف الأقسام التي عملت فيها؟
بدون شك، فقد عملت بجهد شديد في أداء مقتضيات وظيفتي ولم أتراخ يوماً في ذلك، حيث كنت أتوجه إلى عملي ولا أغيب عنه حتى في الأيام التي كنت أعاني من عارض صحي قد يكون مبرراً للآخرين للحصول على إجازة مرضية، فقد كنت أفكر دائماً بمصالح الجمهور التي قد تتعطل في حال غياب موظف ما عن عمله، وبصراحة أقول بأنني لم أسع يوماً في هذا الإطار لإرضاء رؤسائي، بل لإرضاء رب العالمين وضميري الذي كان سيعذبني لو تخاذلت يوماً في أداء واجبي.
ما الحكمة التي خرجت بها من سنوات عملك الطويلة؟
ان الموظف الذي يؤدي دوره بإتقان ويراعي ضميره في ذلك فإنه في نهاية المطاف سيجد التقدير الذي يستحقه، حتى لو نجح بعض المتسلقين والمتزلفين والكسالى من الوصول إلى بعض المواقع التي تمثل واجهة للمشهد الوظيفي، فإنه في نهاية المطاف لا يصح إلا الصحيح.
وهذه الحكمة لم تأت من فراغ بل من خلال تجربتي الطويلة، حيث نجح بعض الكسالى من الوصول وتحقيق بعض الامتيازات إلا أن الجميع في نهاية الأمر كانوا يستطيعون تبين حقيقتهم وإعادة الأمور إلى نصابها، كما علمتني التجربة أن الجنود المجهولين دائماً تتاح لهم فرصة ما ليتعرف الجميع على ما قدموه من انجازات في مجال عملهم وليكونوا تحت الضوء، وذلك مهما حاول البعض إخفاء ذلك، وأقول ذلك حتى لا يشعر الخيرون بالإحباط واليأس من عدم وجود من يقدر جهدهم وأداءهم.
ما الفائدة الاجتماعية والثقافية التي عادت عليك جراء عملك في بلدية دبي؟
يجب الاعتراف بأن الفائدة كانت كبيرة وكبيرة جداً، فعلى المستوى الشخصي فقد منحتني البلدية كما أسلفت فرصة كبيرة لتطوير إمكانياتي المهنية من خلال الدورات التي وفرتها لي ولغيري من الموظفين، وعلى صعيد آخر وبالتحديد الفوائد الاجتماعية التي حصلت عليها من عملي فهي أيضاً كثيرة.
خاصة وأن طبيعة عملي الميدانية في بعض المراحل جعلتني على تماس مباشر مع الجمهور وبالتالي تكوين العديد من علاقات الصداقة معهم والتي كان أساسها عدم خلط العمل بالصداقة، والذي ربما كان سبباً في زيادة احترام أفراد الجمهور الذين تعاملت معهم لي، ومازلت أحتفظ بالكثير من العلاقات الني نسجت خلال عملي ومن هذه العلاقات من مضى عليها أكثر من20 عاماً ومازالت مستمرة حتى الآن.
بماذا تنصح الموظفين الجدد الذين يتأهبون للعمل لأول مرة في إحدى مؤسسات الدولة؟
كما قلت سابقاً فإن التفاني والإخلاص في العمل هو السبيل الوحيد للوصول إلى أعلى المراتب الوظيفية وقبل ذلك لإرضاء رب العالمين والضمير الهانئ، وعدم الالتفات مطلقاً إلى من يصعدون بسرعة الصاروخ إلى أعلى المراتب الوظيفية.
ولكن على أكتاف الآخرين لأنهم سيهبطون أيضاً بسرعة الصاروخ بعد أن يتم اكتشاف وسائلهم غير السوية وغير الأخلاقية في الوصول إلى هذه المواقع، أما النصيحة الأخرى التي أتوجه بها إلى أبنائي من الموظفين الجدد فأقول لهم لا تتوانوا لحظة واحدة عن الالتحاق بالدورات التدريبية التي توفرها لكم مؤسساتكم، لأنها وسيلتكم الوحيدة لتحقيق طموحاتكم من خلال أداء فعال لمقتضيات الوظيفة التي تتحملون مسؤوليتها.
وأود الإشارة في هذا الإطار إلى أنه إذا لم تتوفر دورات في المؤسسة التي يعملون بها عليهم أن يبادروا إلى الالتحاق بدورات على نفقتهم الشخصية دون تردد لأن ما سيدفعونه من تكاليف سيعود عليهم أضعافاً مضاعفة في وقت لاحق.
ما هو الموقف الأصعب الذي واجهته خلال سنوات عملك في بلدية دبي؟
لا تخلو يوميات العمل من مثل هذه المواقف إلا أن الموقف الأصعب الذي واجهته كان خلال عملي في قسم المشتريات، وأنت تعرف كم هي حساسة الأمور التي يكون قوامها المال، والتي يمكن أن تتسبب في تشويه سمعة البعض، إلا أن سمعتي الطيبة التي صنعتها التجربة مع زملائي ورؤسائي كانت سبباً في عدم تسرب أي شك تجاهي عندما وقع الموقف الذي سأورده لك والذي كان سببه ضغط العمل الشديد الذي قد يؤدي إلى النسيان أحياناً..
حيث كنت مخولاً باستلام طلبات العطاءات من الشركات المختلفة ووضعها في الصندوق المخصص لذلك، إلا أنني وجراء الضغط المذكور أخطأت بوضع واحد من أوائل الطلبات التي تقدمت بها إحدى الشركات في صندوق الطلبات الاحتياطية والتي لا يتم اللجوء إلى فتحها عادة إلا بعد الانتهاء من طلبات العطاءات التي يحتوي عليها الصندوق الأول ولا يتم اختيار أحدها.
فيما إذا ما تمت عملية الاختيار فإن الصندوق الثاني لا يتم فتحه مطلقاً، وللأسف وبعدما تمت العملية وجرى اختيار احد العطاءات من الصندوق الأول تقدم أصحاب العطاء بشكوى تم التحقق منها ليجري اكتشاف الخطأ الذي تسببت به أنا شخصياً، ولولا سمعتي الطيبة وثقة رؤسائي بي وعدم وجود أي سوابق لي بهذا الشأن لتحول الأمر إلى اتهام بتلقي عمولة أو رشوة لحجب العطاء المذكور، ولا شك بأنني عشت لحظات غاية في الصعوبة إلا أنني شعرت بالراحة الكبيرة بسبب الثقة الكبيرة التي تعامل بها رؤسائي معي في هذه القضية.
وفي إطار المواقف الصعبة فقد تعرضت فعلاً للعديد من محاولات الرشوة من قبل البعض لإعداد تقارير في مصلحتهم، وكنت أقوم بتسليم المبالغ المالية إلى المستشار القانوني للبلدية لمتابعة القضية، وقد حصلت على العديد من كتب الشكر والتنويه من إدارة البلدية بسبب رفض هذه الرشاوى والمساهمة بضبطها.
وماذا عن الموقف الأكثر إضحاكاً الذي تعرضت له خلال عملك؟
لاشك بأنه كان خلال الفترة التي كنت أعمل فيها في قسم التموين ، حيث فاجأني أحد المواطنين في منطقة «اوكسفورد» في لندن أثناء قضائي لإجازتي السنوية بطلبه مني متابعة مشكلة ضياع بطاقته التموينية؟
محطات
30 عاماً موظفاً في بلدية دبي
بدأ طالب كاظم حسن عمله في بلدية دبي منذ 1974 عندما كان طالباً متدرباً في العطلة الصيفية واستمر عقب ذلك موظفاً رسمياً في البلدية لتبدأ خطواته الأولى فيها والتي استمرت 30 عاماً.
وعين منذ البداية في قسم التموين واستمر فيه لمدة 9 أعوام إلى حين إغلاق هذا القسم، وانتقل عقب ذلك إلى قسم التراخيص التجارية في وظيفة مفتش، ليستمر عمله في هذا القسم لمدة 10 أعوام وكانت المحطة الثالثة بالعودة مجدداً إلى قسم التموين الذي أعيد افتتاحه ليستمر عمله فيه لمدة 7 سنوات وتم اختياره بعدها للعمل في قسم المشتريات كإداري دعم وذلك لمدة 10 أعوام، وكان هذا القسم محطته الأخيرة في البلدية.
دبي ـ خالد اللوباني


