امتاز المغفور له الشيخ راشد بن سعيد آل مكتوم، بالقدرة على التخطيط المستقبلي، سواء كان ذلك بالنسبة لرقي وتطوير إمارة دبي، أو فيما يتعلق بالمسيرة الاتحادية التي يشكل أحد أبرز أقطابها، وقد استخدم راشد التخطيط طويل المدى وقصير المدى.
فكان إذا ارتأى أن الحاجة تدعو فقط إلى خطة قصيرة، شرع في تنفيذها تنفيذاَ يتلاءم والحاجة إليها، أما إذا أراد أن يضع خطة طويلة الأجل، فإن تخطيطه يكون مثارا للإعجاب والدهشة، فقد كان «رحمه الله» يخطط للآجال الطويلة بدقة وعمق وتركيز، والشواهد على ذلك عديدة، والحديث عنها تنطق به المنجزات العملاقة التي تحققت على أرض دبي والإمارات.
ومن خصاله القيادية الحميدة، قدرته على التحليل والمقارنة، فراشد بن سعيد كان رجلاً وحاكماً يعتمد على التحليل والمقارنة، وكان «رحمه الله»، يملك القدرة على اختيار الوقت المناسب لتنفيذ عمل ما، لذلك حينما كان يريد أن يعلن عن مشاريع اقتصادية أو عمرانية أو اجتماعية أو ثقافية أو غيرها، كان الإنسان المواطن وغير المواطن، أبناء دبي، وأبناء الإمارات كافة، وأبناء الخليج عامة، يشعرون بقوة الإعلان، وجدوى القرار.
وكان «رحمه الله» من الطراز الذي يملك القدرة على مواجهة المشكلات التي تعترض طريقه بكثير من ضبط النفس، وبالابتعاد عن أي انفعال نفسي قد يؤثر على اتخاذ القرار، ولا يعرف التسويف أو التردد على الإطلاق، ولهذا كانت قراراته تاريخية.
وامتاز راشد بن سعيد «رحمه الله»، بذاكرة قوية فوق العادة، وكان متابعاً لما يصدره من أوامر وتعليمات، وظل يمتلك لياقة بدنية عالية، مكنته من القدرة على المتابعة الناجحة ذهنياً وميدانياً لكل ما يصدره من قرارات وتعليمات، وكل هذه الصفات جعلت منه حاكماً له الهيبة المبنية على التقدير والحب والوقار.
ويعود تاريخ استلامه مقاليد الحكم في إمارة دبي، إلى ما بعد وفاة والده الشيخ سعيد بن مكتوم حاكم دبي، فتولى الشيخ راشد مقاليد الحكم في الرابع من أكتوبر العام 1958، بعد أن استمر في ولايته للعهد عشرين عاماً، فأخذ على عاتقه توفير الخدمات الأساسية لسكان دبي.
وأعلن عن رغبته في بناء مطار دبي، وفي الثلاثين من سبتمبر 1960 افتتح المطار، حيث أدت سياسة السماء المفتوحة إلى جعل دبي مركزاً إقليمياً لحركة الطيران، كما أنشأ شركة كهرباء دبي العامة في العام 1959، وأبرم مع حكومة قطر في العام 1959 مشروع أعمال المسح الجيولوجي للتنقيب عن المياه، وسد احتياج الإمارة من المياه العذبة.
وفي العام 1960، ونتيجة لازدياد نسبة المواطنين والوافدين، برزت الحاجة لبناء المساكن والشقق السكنية، فأنشأ «رحمه الله» دائرة الأراضي والأملاك، وفي العام نفسه أمر بإنشاء شركة التلفون والبرق واللاسلكي، تلا ذلك إصداره مرسوماً يقضي بإنشاء بلدية دبي في العام 1961.
وبعد عام واحد، افتتح الشيخ راشد أول جسر يربط ديرة ببر دبي، وهو جسر آل مكتوم، كما أسس في العام 1963 شركة نفط، وأول بنك وطني «بنك دبي الوطني المحدود»، برأسمال مليون جنيه إسترليني.
وتوالت الانجازات مع نهاية الستينات، وبداية الاتحاد الذي كان أعظم انجاز سعى إليه الشيخ راشد بن سعيد مع أخيه الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان «رحمهما الله»، فتوصل إلى إنشاء مينائي راشد والحمرية، والميناء الصناعي في جبل علي وجداف دبي.
وبرزت جهوده الدولية، بعد توليه منصب نائب رئيس الدولة ورئاسة مجلس الوزراء، حيث أسهم في التطوير العمراني، والنهضة الشاملة التي شهدتها الإمارات في بداياتها، من بناء المرافق العامة والبنى التحتية.
كما حرص «رحمه الله» على تقوية العلاقات مع دول الخليج والدول الأخرى، وبرزت اهتماماته في مناقشة قضايا أمته وشعبه العربي والإسلامي، وأبرزها قضية احتلال الجزر الثلاث «طنب الكبرى، وطنب الصغرى، وأبو موسى»، والقضية الفلسطينية، والحرب العراقية الإيرانية ودعا إلى إنشاء مجلس يضم دول الخليج العربي.
وفي بداية الثمانينات مرض الشيخ راشد فجأة، وذهب للمملكة المتحدة للعلاج، وعاد بعدها واستمر في ممارسة أعماله إلى أن اشتد به المرض أواخر الثمانينات، حتى رحل عنا يوم الأحد السابع من أكتوبر 1990، عن عمر يناهز ثمانية وسبعين عاماً، وذلك بعد حياة حافلة جعلت من دبي مدينة عالمية يشهد لها الجميع.
اتحاد : 1971
في الثاني من ديسمبر العام 1971، وفي كلمة موجهة إلى أبناء الإمارات كافة، وإلى مواطني دبي خاصة، سجل التاريخ موقفاً شامخاً لأبرز أقطاب المسيرة الاتحادية، الشيخ راشد بن سعيد آل مكتوم «رحمه الله»، جاء فيها: «نعلن قيام الإمارات العربية المتحدة دولة مستقلة، هدفها توفير الحياة الفضلى لشعبها».
النسب : والدته «أم دبي»
هو الشيخ راشد بن سعيد بن مكتوم بن حشر بن مكتوم بن بطي بن سهيل الفلاسي، ينحدر من قبيلة بني ياس، وينتمي إلى قبيلة آل بوفلاسة، والده الشيخ سعيد بن مكتوم آل مكتوم، الذي حكم دبي من الفترة 1912 وحتى 1958، ووالدته الشيخة حصة بنت المر التي عرفت بـ «أم دبي»، لما اتصفت به من قوة الشخصية والإرادة والعزيمة، القادرة على تنشئة أجيال ذات إرادة واستقلالية.
وهي الصفات التي ورثها أبناؤها عنها منذ ولادتهم، حيث ولد الشيخ راشد في العام 1912، وترعرع وإخوانه، في منزل والده الشيخ سعيد آل مكتوم في منطقة الشندغة، وهو واحد من عدة منازل تابعة لأسرة آل مكتوم.
