في الذكرى الثامنة عشرة التي تصادف اليوم 7 أكتوبر لرحيل المغفور له الشيخ راشد بن سعيد آل مكتوم، مؤسس وباني نهضة دبي، وأحد أقطاب اتحاد الإمارات؛ تقف شواهد الإمارة؛ والإمارات عامة، شاخصة ومؤكدة على إصرار وعزيمة تسلح بهما «رحمه الله»، ليعاند الظروف ويقهر المستحيل.
حتى ينير للحلم شموعاً، صارت من بعده قناديل ونجوماً وكواكب، تشخص إليها أنظار العالم بلا حصر، بعد أن أبدع صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم نائب رئيس الدولة رئيس مجلس الوزراء حاكم دبي «رعاه الله»، في فك رموز استمرارية النهضة والبناء، بذكاء وحنكة وصبر وتخطيط وإصرار ومثابرة وكلها صفات استلهمها سموه من والده المغفور له الشيخ راشد، كيف لا وقد أضحت دبي أعجوبة العالم الأولى، بما تنفرد به من إنجازات تطول فوق كل ما لم يبلغه إنسان، وتوفر كل معطيات تُؤخذ لتحقيق الأحلام والآمال والطموحات، والأمن والاستقرار للبشرية جمعاء.
المغفور له «بإذن الله» الشيخ راشد بن سعيد آل مكتوم، ولد في العام 1912، ونشأ في كنف الشيخ سعيد بن مكتوم آل مكتوم، الذي اشتهر بالورع والتقوى وسمو الأخلاق وحبه لمواطنيه، ولا يختلف اثنان على أن المغفور له الشيخ سعيد آل مكتوم، حاكم محبوب من شعبه، بما اتسم به «رحمه الله» من حكمة وسعة صدر وخلق عظيم، ورجاحة عقل وقدرة على مواجهة الظروف القاسية بصبر وإيمان عميقين، ونفس مؤمنة أن الله سبحانه وتعالى، هو الرزاق العظيم عاش الشيخ راشد «رحمه الله» في كنف شيخة فاضلة، والدته المرحومة الشيخة حصة بنت المر التي كانت لها مكانة خاصة في نفوس المواطنين.
وكما يقول أهل دبي: «حصة بنت المر كانت أماً ليست لراشد فحسب، بل لدبي أجمعها»، وفي جو يسوده التقدير والاحترام المتبادل بين الحاكم والرعية نشأ راشد، وفي مناخ ديمقراطي فريد يقف فيه المواطن حراً طليقاً بفكره ولسانه ومنطقه أمام حاكم البلاد، معبراً عما يجول في نفسه دونما خوف أبداً كان راشد رحمه الله، يراقب عن كثب أسلوب والده، المغفور له الشيخ سعيد بن مكتوم آل مكتوم، فاقتبس ما كان له من صور تمثل الديمقراطية، كما عرفها مجتمعنا دون زيف أو تلوين، والتي كانت تنبع من منبع عربي إسلامي بدوي أصيل.
ومما لاشك فيه أن الشيخ سعيد بن مكتوم آل مكتوم، والشيخة حصة بنت المر «رحمهما الله»، كانا المؤثرين في حياة راشد، فهما اللذان أحاطاه بالرعاية والعناية الأبوية، إذ تلقى الشيخ راشد، دراسته الأولى في الكتاتيب في ذلك العصر.
ومع بداية الدراسة النظامية، انتقل إلى مدرسة الأحمدية التي أسست أوائل هذا القرن ببر ديرة، فتفقه في العلوم الدينية وعلوم اللغة العربية والتاريخ والحساب والجغرافيا، في وقت مبكر من عمره، ومنذ طفولته، اتصف راشد بصفة الرجل المكتمل، مختلفاً في تلك الصفة عن رفاقه وزملائه، فقد كان أسلوبه في الحياة ينم عن فكر ناضج سابق لعصره.
وفي طفولته وشبابه، لم يكن راشد محباً للعب أو اللهو كغيره من الزملاء، وقد كان شاباً مثابراً وجاداً وباحثاً عن كل ما يرفع الهامات ويسمو بالهمم، نحو الفضائل وسمو الغايات، ومنذ شبابه كان حريصاً على أن يكون لدبي شأن خاص، ومكانة خاصة وأسلوب مميز لا مثيل له في الاستعداد لمستقبل بدأ يلوح في الأفق.
ويؤكد من عاصر راشداً من رفاق الصبا، أن سموه كان يلتهب حماساً، ويتدفق نشاطاً من أجل أن يخلق من الصحراء مدينة حديثة، تباهي في جمالها مدن العالم المعاصر. انطلق الشيخ راشد بن سعيد آل مكتوم مبكراً نحو التشييد والبناء، وكان لابد له أن يحدث ثورة عمرانية لم تشهدها البلاد من قبل، واستطاع أن يكسب الرجال كسباً قائماً على الكفاءة التي بدأت تظهر بوضوح لدى هذا القائد الشاب، إذ اكتسب راشد من التجارب في بداية شبابه الشيء الكثير، واتسعت درايته.
وراشد بن سعيد آل مكتوم كان قريباً من القرارات المهمة، التي اتخذت في جانب إدارة شؤون البلاد في تلك الحقبة التاريخية، وكان في أحيان كثيرة الرجل المؤثر تأثيراً مناسباً، وحكيماً فيما يصادفه من حالات تتطلب علاجاً خاصاً، وعلى هذا المنوال بدأت مسيرة هذا القائد، مفعمة بالجد والحزم والعزم والمثابرة والتصميم، وفرض الهيمنة الشرعية في ربوع البلاد، فكانت بداية موفقة، تكللت بالنجاح في جميع مراحل انطلاقتها.
وكان رجلاً سياسياً قديراً استطاع أن يخلق علاقات أخوية وثيقة مع جميع الحكام بدول الخليج العربي، وفي مختلف الظروف والأوقات والأزمنة، وكان اتحاد الإمارات لبنة من لبنات أفكاره العظام، التي امتزجت بطموحات الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان رحمه الله، واندمجت بآمال إخوانهما حكام الإمارات.
كل أولئك الذين عايشوا الشيخ راشد بن سعيد رحمه الله، أجمعوا في أكثر من مناسبة، وفي أكثر من زمان ومكان على أن سموه كان شخصية عربية فذة، فقد كان حكيماً وسديد الرأي، يعالج الأزمات على هذا الأساس، وهو صاحب عقلية قيادية فذة.أحد المواطنين، من أولئك الذين خبروا الحياة وعرفوها وأدركوا أسرارها، قال ذات يوم: «حكمنا راشد بأخلاقه الفاضلة والحميدة».
إعداد ـ عنان كتانة



