قال الرئيس الأميركي جورج بوش إن الأسواق الأميركية تكبدت خسائر قدرها تريليون دولار أول من أمس الاثنين بعد رفض مجلس النواب خطة الإنقاذ التي تقدمت بها وزارة الخزانة والبالغة كلفتها 700 مليار دولار.
وقال بوش في البيت الأبيض إن الواقع يشير إلى أن الولايات المتحدة الأميركية في وضع طارئ والعواقب ستسوء يوما بعد يوم إذا لم يتم التحرك سريعاً. ومرة أخرى لجأ بوش إلى مرشحي الرئاسة الجمهوري جون ماكين والديمقراطي باراك اوباما، وبحث معهما جهود الخروج من الأزمة.
وخارج الولايات المتحدة شهدت الساعات الماضية تحركات مكثفة في فرنسا وعقدت اجتماعات «أزمة» ضمت شخصيات حكومية، على رأسها الرئيس نيكولا ساركوزي ومسؤولون من القطاع المالي. وتزامنت هذه الاجتماعات مع تسجيل مصرف «ناتيكسيس» الذي يدير أموال ملايين الفرنسيين خسائر ضخمة وتراجع سهمه من 55, 91 يورو إلى اثنين يورو فقط في تداولات الأمس.
ويأتي انتشار هذه الأزمة المالية في أوروبا مع ظهور مؤشرات إرهاق في الاقتصاد الفرنسي، فيما بدأت الحكومة تهيئ الفرنسيين إلى أوقات عصيبة مقبلة. وشهدت البطالة في أغسطس أعلى نسبة شهري منذ 15 عاما، متجاوزة ما كانت عليه في يوليو. وقال وزير الدولة لشؤون التوظيف لوران فوكييه «أتوقع أن نرى أرقام بطالة سيئة طوال عام».
وأضاف «فرنسا ليست محمية بالسحر»، ملقيا بمسؤولية التدهور هذا على الوضع العالمي والأزمة المالية. وأكد بوش أن الإدارة الأميركية ستواصل العمل في شكل وثيق مع قادة الحزبين الجمهوري والديمقراطي، وطالب الكونغرس بالتحرك من اجل السلامة المالية للأميركيين. وقال «اقتصادنا معلق على تحرك حاسم للحكومة، وكلما أسرعنا في الاهتمام بالمشكلة، استطعنا العودة إلى طريق النمو وتوفير الوظائف».
وأضاف «نحن في لحظة حرجة يعيشها اقتصادنا ونحتاج إلى تشريع يتيح لنا التخلص من الأسهم الهالكة التي ينوء تحتها نظامنا المالي، ومساعدة المقرضين على استعادة أموال المستهلكين والشركات، والسماح للاقتصاد الأميركي بالانطلاق مجددا». ونبه إلى انه «ليس أمام بلادنا أن تختار بين تحرك الحكومة وركود أسواقنا. علينا أن نختار بين التحرك وخطر الحرمان الذي يهدد ملايين الأميركيين».
وانتقد بوش القول إن الخطة مكلفة جدا، مؤكدا أن تدهور الأسواق الاثنين اثر رفض المشروع «تسبب بخسائر تجاوزت تريليون دولار». وطمأن إلى ان خطة وزير الخزانة هنري بولسون لامتصاص الديون الهالكة التي تراكمت لدى المصارف اثر أزمة الرهن العقاري، لن تكبد الحكومة خسارة مالية. وقال «في نهاية المطاف، نتوقع استعادة القسم الأكبر من المال العام الذي سنستثمره، إذا لم يكن كل هذا المال».
وتواصلت التداعيات الخارجية حيث أعربت المستشارة الألمانية أنجيلا ميركل عن أملها في تمرير الخطة خلال الأسبوع الحالي. وقالت إن الخطة هي «إجراء لبناء الثقة» وهي تنطوي أهمية كبيرة بالنسبة للاقتصاد. وجاء ذلك في الوقت الذي وافقت فيه الحكومة الألمانية على تقديم ضمانات بقيمة 38 مليار دولار إلى شركة التمويل العقاري الألمانية العملاقة هيبو ريال ستيت «إتش.آر.إي» التي تواجه مشكلات مالية صعبة.
وأعرب رئيس البنك المركزي الألماني من جانبه عن رغبته في تحقيق الاستقرار في سوق السندات التي توفر الائتمان والتمويل اللازم للمشروعات الصغيرة والمتوسطة في ألمانيا.
وفي سويسرا أكدت ناطقة باسم وزارة المال معلومات أوردتها صحيفة «لو تان» حول وجود خطة لمواجهة الأسوأ. وقالت إن دائرتها على «اتصال وثيق مع اللجنة الاتحادية للمصارف والمصرف الوطني السويسري اللذين يتابعان عن كثب تطور الأسواق».
لكنها أشارت إلى أن اكبر مصرفين في البلاد «يو بي اس» و«كريدي سويس» اللذين تأثرا كثيرا بأزمة الرهن العقاري «يتمتعان برأسمال جيد» ومن غير الضروري تدخل السلطات السويسرية. وردا على سؤال حول احتمال حصول «سيناريو كارثي» في القطاع المالي، قالت الناطقة إن الوزارة اتخذت احتياطاتها، لكنها شددت «نحن لا نواجه وضعا كهذا».
وقالت الصحيفة السويسرية إن وزارة المال أوضحت أنها «لطالما توافرت لديها تماما كما يحصل في قيادة الجيش، خطة لمواجهة أسوأ السيناريوهات»، من دون الكشف عن هذه الخطة. ويعتبر مصرف «يو بي اس» من أكثر المصارف في العالم تأثرا بأزمة الرهن العقاري مع تراجع في أصوله بقيمة 5, 42 مليار دولار حتى الآن، أما منافسه «كريدي سويس» فسجل منذ عام تراجعا بقيمة عشرة مليارات فرنك سويسري.
وحصلت مجموعة «دكسيا» البلجيكية الفرنسية على دعم مالي قدره 18, 9 مليارات دولار من مساهمين من القطاع العام فيما تهز أزمة الائتمان العالمية المتنامية البنوك الأوروبية. وعقب مفاوضات استمرت لساعات طويلة أعلنت الحكومة البلجيكية أنها ومساهمين آخرين سيستثمرون ثلاثة مليارات يورو والحكومة الفرنسية مليار يورو وصندوق حكومي فرنسي ملياري يورو في المجموعة. وأوضح ديديه ريندر وزير المالية البلجيكي الموقف قائلا «تدخلنا لإنقاذ المجموعة، ونريد إجراء موسع في الاتحاد الأوروبي».
واستقال اكسل ميلر المدير التنفيذي ورئيس مجلس إدارة المجموعة. وقال في مؤتمر صحفي عقده «إذا نظرتم إلى المستقبل فإن الاقتصاد سيكون مقيدا. البنوك تقرض اقل مما كانت تقرض من قبل ولكن أعتقد انه آن الأوان من اجل إجراء جاد ليس فحسب في الولايات المتحدة ولكن أيضا في شكل رد منسق في أوروبا على الرغم من أنني اعتقد أننا سنواصل مواجهة بعض الأوقات الصعبة في المستقبل».
وهبطت اسهم «اتش.بي.او.اس» حوالي 20% وسط أحاديث في السوق عن ان لويدز قد يخفض عرضه بمقدار الربع. لكن رئيس الوزراء البريطاني جوردون براون قال انه واثق من أن صفقة استحواذ بنك لويدز «تي.اس.بي» على «اتش.بي.او.اس» ستمضي قدما. وأضاف براون قائلا في مقابلة مع تلفزيون سكاي نيوز «أنا واثق بعد أن تحدثت إلى الأشخاص المعنيين أن هذا الاندماج سيمضي قدما».
أوباما وماكين يحذران من كارثة مالية تلحق بالمواطنين الأميركيين
دعا مرشحا الرئاسة الأميركية باراك أوباما وجون ماكين أمس إلى بذل جهود عاجلة لإحياء خطة الإنقاذ المالي محذرين من كارثة للمواطنين العاديين إذا رفض الكونغرس التحرك.
ولم يكن للديمقراطي أوباما والجمهوري ماكين حتى الآن أي تأثير يذكر بشأن الجدل المحيط بإنقاذ وول ستريت بعد أن رفض مجلس النواب خطة إنقاذ مالي يوم الاثنين.
وبعد يوم من تبادل أوباما وماكين اللوم في المساهمة في إفشال تمرير القرار شدد كل منهما على حاجة الحزبين للعمل سويا من أجل محاولة الوصول إلى اتفاق يقبله 95 ديمقراطيا و133 جمهوريا أطاحوا بخطة الإنقاذ المالي. وتوصل استطلاع أجراه مركز بحوث بيو إلى تراجع التأييد لخطة الإنقاذ المالي.وأفاد الاستطلاع الذي أجري بين 27 و29 سبتمبر بأن الأميركيين الذين يؤيدون الخطة نسبتهم 45% ويعارضها 38%.
وقال أوباما وماكين إنهما يؤيدان رفع الحد الأعلى لودائع البنوك التي تضمنها الحكومة الاتحادية إلى 250 ألف دولار من 100 ألف حاليا من أجل إعادة الثقة ومنع سحب الودائع من البنوك التجارية.
وقال أوباما في بيان عبر البريد الالكتروني للصحافيين أثناء وجوده في نيفادا ضمن حملته الانتخابية «سأتحدث إلى قادة الكونغرس وأعضائه في وقت لاحق اليوم كي أعرض هذه الفكرة وأدعوهم للتحرك من دون تأخير من أجل تمرير خطة إنقاذ». وقال ماكين الفكرة نفسها في مقابلة مع شبكة سي. إن. إن الإخبارية الأميركية وأضاف أنه تحدث إلى الرئيس جورج بوش صباح اليوم هاتفيا. ويحاول أوباما وماكين استغلال الأزمة الحالية لاستعراض قدراتهما القيادية.
واتهم الديمقراطيون ماكين الأسبوع الماضي بالتدخل حينما أوقف حملته الانتخابية وتوجه جوا إلى واشنطن للمشاركة في مناقشات خطة الإنقاذ المالي التي انتهت بحالة من الفوضى.
وتظهر استطلاعات الرأي أن الأميركيين يثقون بأوباما في التعامل مع الاقتصاد الأميركي أكثر من ماكين وهو ما ساعده في تجاوز تقدم بسيط حققه ماكين فيما لم يتبق سوى خمسة أسابيع على انتخابات الرئاسة الأميركية في الرابع من نوفمبر المقبل.
وقال ماكين انه اقترح بعض الخطوات قصيرة المدى من أجل إنهاء الأزمة مثل توسيع استخدام صندوق استقرار أسعار الصرف التابع لوزارة الخزانة وهو صندوق يعود لأيام الكساد واستخدم في منتصف التسعينات لمساعدة المكسيك خلال أزمتها المالية. وتستخدم إدارة بوش الصندوق بالفعل لمساعدة صناديق أسواق المال.
وقال ماكين ان من الضروري بناء الدعم لمشروع خطة الإنقاذ المالي من خلال التشديد على أن «هذا جهد يهدف للإنقاذ ليس لوول ستريت فقط ولكن للشارع الأميركي الرئيسي». وأدت المحادثات المطولة بين وزير الخزانة هنري بولسون ومفاوضي الكونغرس إلى إبرام اتفاق خلال الأيام الماضية خاص بخطة الإنقاذ المالي. وتضمن الاتفاق بنودا طلبها أعضاء من الحزبين تسمح للحكومة بتحمل بعض نفقات الخطة. وعند الإعلان عن الاتفاق لم يبد أوباما ولا ماكين إلا تأييداً حذراً لها.
ووسط حالة تخبط في الأسواق ومخاوف بشأن الأزمة المالية العالمية المتفاقمة كثف مرشحا الرئاسة دعمهما للاتفاق وتعهدا ببذل قصارى جهديهما في محاولة لتمرير الخطة.
وقال أوباما ان «حالة السكون المستمرة في مواجهة العاصفة التي تتشكل في أسواقنا المالية ستكون كارثية لاقتصادنا ولأسرنا». وأضاف انه يعتقد أن الخطة الرامية للبدء من الصفر بإعداد خطة جديدة لن تنجح وتابع أنه بدلا من ذلك يتعين أن يحاول أعضاء الكونغرس سبلا لتوسيع دعمهم للخطة الحالية.
البورصات العربية تتفادى انهياراً مؤكداً
أكد مستثمرون في أسواق المال أن عطلة عيد الفطر التي تستمر لمدة تصل إلى سبعة أيام متواصلة جنبت البورصات العربية انهياراً مالياً مؤكداً على غرار مثيلاتها الأميركية والأوروبية التي تعرضت لأحد أسوأ الانخفاضات بعد رفض مجلس الشيوخ الأميركي لخطة الإنقاذ المالية.
وقال خبراء في البورصة المصرية ل«البيان» إن عطلة عيد الفطر منعت انهيارا مؤكدا ليس لبورصتنا المحلية فقط، ولكن لجميع أسواق المنطقة، نظرا للتأثر النفسي الكبير الذي يصيب البورصات العربية هذه الأيام بما يجري في الولايات المتحدة.
وأضافوا أن المتعاملين في أسواق المال العربية أصبحوا متابعين عن كثب لحركة المؤشرات الأميركية والأوروبية بشكل دقيق، وهو ما أصبح يؤثر على قراراتهم بشكل مباشر ولو أن بورصاتنا العربية تعمل اليوم لكانت أصيبت بانهيارات حادة.
وجميع أسواق المال العربية معطلة اعتبارا من أمس الثلاثاء وحتى مطلع الأسبوع المقبل بمناسبة الاحتفال بعيد الفطر المبارك. وقال محمد عبد القوي، محلل أسواق المال، إن أميركا أصبحت كرجل العالم المريض الذي إذا عطس أصاب الزكام جميع دول العالم. وأوضح أن ما حدث من انهيارات في الأسواق العالمية جراء إفلاس اثنين من أكبر البنوك الأميركية، بالإضافة إلى رفض الكونغرس خطة بوش لإنقاذ الاقتصاد الأميركي، كان من المحتمل أن يعرض بورصتنا إلى انهيار في حال كانت تعمل.
