أمضى تقريبا أربعة عقود في الخدمة وما زال يرفض فكرة التقاعد ما دام قادرا على العطاء.
فالوطن كما يقول الدكتور ميرزا الصابغ استشاري في هيئة الصحة بدبي بحاجة إلى جهود كل أبنائه خاصة في هذه المرحلة المفصلية التي تشهد فيها الدولة قفزة نوعية قل مثيلها بين الأمم. الدكتور ميرزا علي حسن الصايغ يصف في حوار «حصاد العمر» المراحل التي تدرج بها والخبرات العملية التي اكتسبها وبالتأكيد القرارات الصعبة التي كان لا بد من اتخاذها أثناء مسيرته الحافلة وتاليا تفاصيل الحوار:
بداية كيف كانت حياتك العملية؟
التحقت بالعمل في دائرة الصحة والخدمات الطبية سابقا وهيئة الصحة بدبي حاليا قبل أكثر من 37 عاما، إذ بدأت العمل في مستشفى آل مكتوم في الخامس من سبتمبر من عام 1971 أي بعد تخرجي بسنة من جامعة القاهرة «مستشفى القصر العيني» بدرجة جيد جدا مع مرتبة الشرف الثانية.
ويقول الدكتور ميرزا الصابغ حياتي العملية تنقسم إلى قسمين فقد بدأت العمل في سن مبكرة «أيام المدرسة» في العطلة الصيفية، فقد كان العام الدراسي في وقتها تسعة أشهر ولم يكن هناك إجازة صيفية كما في الوقت الحاضر وكانت العطلة الصيفية ثلاثة أشهر في فصل الصيف الحار وعملت في البنك البريطاني للشرق الأوسط حيث كان وقتها البنك الوحيد في دبي.
وأحببت العمل لان البنك كان مكيفا وساعدني في ذلك بعض إخواني المواطنين. واذكر أن راتبي كان 200 روبية يخصم منها روبيتان للتأمين الطبي أي كنت استلم 198 روبية وكان مبلغا محترما في ذلك الوقت.
عملت في البنك لمدة أربع سنوات متتالية منها سنتان عندما كنت طالبا في المدرسة وسنتان عندما كنت طالبا في جامعة القاهرة. وبعد ذلك استمرت الدراسة في كلية الطب صيفا وشتاء ولم استطع مواصلة العمل في البنك بعد ذلك.
ويضيف الدكتور ميرزا الصايغ كان راتب الصيف (ثلاثة أشهر) يكفيني لمصاريف الجامعة للسنة التالية وبعدها تكفلت حكومة الكويت جزاهم الله خيرا بالبعثة الدراسية وحكومة مصر كانت في ذلك الحين الجمهورية العربية المتحدة أيام الرئيس الراحل جمال عبد الناصر رحمه الله وكانت الدراسة الجامعية بدون رسوم حتى تخرجي في العام 1970 وعودتي إلى دبي.
مسير عمل
كيف تنظر إلى طبيعة عملك وما وصلت إليه؟
بدأت بعدها كطيب امتياز بمستشفيات جامعة القاهرة وكانت عبارة عن دورات في مختلف الأقسام ولمدة عام واحد حيث بدأت بقسم الأنف والأذن والحنجرة ثم الجراحة العامة والتخدير والنساء والولادة وقد استهوتني الأمراض الصدرية وقررت التخصص بها.
بعد سنة الامتياز عدت إلى دبي وعملت كطبيب مقيم في قسم الأمراض الباطنية بمستشفى آل مكتوم وكنا في ذلك الحين طبيبين فقط نناوب في القسم يوما بعد يوم، وأذكر في احد الأيام تغيب زميلي لظروف طارئة فناوبت لمدة أسبوع كامل بدون تذمر أو شكوى وقمت بالمهمة خير قيام عكس أطبائنا في الوقت الحاضر الذي يعمل مرة او مرتين في الأسبوع وتراه يشتكي ويتذمر.
ويضيف في السنة الثانية تمت ترقيتي إلى رتبة أعلى «نائب مقيم» بعد ذلك تم ابتعاثي إلى بريطانيا للتخصص حيث عملت ولمدة ست سنوات في مختلف المستشفيات البريطانية وحصلت على دبلوم في الأمراض المتوطنة والحارة ودبلوم في الأمراض الصدرية من جامعة «كاردف ـ ويلز» في بريطانيا.
وفي عام 1980 عدت كاختصاصي في قسم الأمراض الباطنية و الصدرية حيث تم إنشاء قسم الأمراض الصدرية في عام 1985، وفي عام 1987 تمت ترقيتي إلى استشاري في القسم وبعدها رئيسا لقسم الأمراض الصدرية عام 200 ولغاية الآن.
كيف تنظر إلى طبيعة عملك وما وصلت إليه؟
طبيعة عملي إنسانية بحتة يجب القيام بها بوجود ضمير حي يقظ يحب فعل الخير وخدمة مصالح المرضى والتعامل مع كل مريض حسب حالته.
أهداف مرجوة
هل حققت الأهداف المرجوة من عملك؟
لا اعتقد أن هناك إنسانا قادرا على تحقيق الأهداف المرجوة في عمله كاملة وإذا كان هناك شخصا حقق 50% من الأهداف والطموحات التي يسعى لها فاعتقد أن ذلك يكفي وهذا ينطبق على حالتي فقد حققت بعضا من هذه الأهداف كوني احد الأفراد الذين ساهموا في تطوير دائرة الصحة والخدمات الطبية ووصولها إلى ما وصلت إليه حاليا.
صف أول يوم وآخر يوم عمل لك؟
آخر يوم لم يأت بعد لأني أؤمن بأن الإنسان يجب أن يستمر في العطاء والعمل ما دام قادرا على ذلك ويجب علينا العمل ليل نهار لخدمة هذا الوطن المعطاء والوصول به ليس إلى مصاف الدول المتقدمة وإنما لنكون كما يقول دائما صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم نائب رئيس الدولة رئيس مجلس الوزراء حاكم دبي إلى المركز الأول.
أما أول يوم عمل فكما سبق وذكرت كان في حياتي يومان الأول في عملي في البنك البريطاني وكان يتسم بالدهشة والانبهار وسط الزملاء حيث كنا نجلس مع بعض أمام الزبائن وأول يوم في عملي في المستشفيات، كان في مستشفيات جامعة القاهرة وكان يتسم بالخوف والتردد الفرح أيضا إذ لبسنا «البالطو الأبيض» وأصبح يطلق علينا لقب دكتور و كان زملاؤنا يطلقون علينا هذا اللقب في أيام الدراسة ولكن شعرنا بالمسؤولية والفرحة بعد التخرج والعمل رسميا.
حكمة الحياة
بعد سنوات عمل طويلة ما الحكمة التي خرجت بها؟
الحكمة التي خرجنا بها هي احترام آراء الآخرين فقد علمتني الحياة أن احترم زملائي وقراري دائما الأخير علما بان طبيعة عملي كاستشاري تقتضي تنفيذ القرارات التي اتخذها ولكن في بعض الأحيان يكون رأي اصغر طبيب هو الصحيح ولا يجب تجاهله أبدا.
هل لك أن تلخص لنا خبرة 37 عاما في جملة واحدة؟
جملة واحدة هي الأمانة، فيجب على الطبيب أن يكون أمينا مع نفسه ومع مريضه ويجب عليه أن يتعامل مع الجميع بمنتهى الصراحة والشفافية وتوصيل المعلومة لمريضه بطريقة سهلة وإعطاؤه النصيحة وحفظ إسرار المرضى والتعامل معه ومع أقاربه بود والإجابة عن كل أسئلتهم واستفساراتهم بوضوح وصراحة.
بماذا تنصح الموظفين الجدد؟
أنصح الموظفين الجدد بالصبر والمثابرة فقد اختاروا هذا الطريق بكامل إرادتهم وعليهم تحمل المشاق وان يكونوا ودودين في تعاملهم مع المرضى وان يطبقوا دائما المقولة الشهيرة التي ارددها دائما «الزبون دائما على حق» فالمريض هي عميل وزبون وبالتالي هو على حق دائما.
ما أصعب المواقف التي تعرضت لها بالعمل وكيف تعاملت معها؟
أصعب المواقف التي تعرضت لها عندما تلقيت نبأ دخول والدي إلى المستشفى في حالة غيبوبة حيث كنت حينها في بريطانيا وعدت انا وأخي القائم بأعمال سفارتنا في لندن إلى دبي وعندما شاهدت والدي على أجهزة التنفس ميتا سريريا.
وعرضت على أخي نقله إلى لندن واذكر هنا بالمناسبة أن سمو الشيخ حمدان بن راشد آل مكتوم زاره في المستشفى وأمر بعمل كل ما يلزم له، لكن في الليلة التالية تدهورت حالته وانتقل إلى رحمة الله وقد كان هذا أصعب موقف في حياتي.
ما أصعب قرار اتخذته في حياتك العملية؟
أصعب قرار اتخذته في حياتي العملية هو إنهاء خدمات احد الأطباء «تفنيش» الذين عملوا معي في قسم الأمراض الصدرية حيث كان يدخن السجائر تصور طبيب في قسم الامراض الصدرية يدخن وينصح الناس بالإقلاع عن التدخين.
وجاءت الطامة الكبرى او القشة التي قصمت ظهر البعير عندما ادخل احد المرضى إلى القسم وكان هناك وجود سائل على الرئة اليمنى ونظرا لعدم انتباهه للأمر أو عدم فحصه جيدا فقد قام بوضع ابرة لإزالة السائل من الرئة اليسرى ولحسن الحظ لم تحدث أي مضاعفات ولكن المريض انتبه للامر وهددنا برفع قضية علينا ولكن تداركنا الأمر وشرحنا له عدم حصول مشاكل وغادر المريض المستشفى سليما معافى.
بعد هذه القضية استدعيت الطبيب وقلت له بان «السيل قد بلغ الزبا» وانه لن يستطيع مواصلة العمل معنا وأنهيت خدماته في الحال.
لو عاد الزمن للوراء هل تختار الوظيفة ذاتها وماذا تتمنى أن يتغير؟ اعتقد هذا السؤال نظري فالزمن لم ولن يعود إلى الوراء؟ كيف ينظر أبناؤك إلى طبيعة عملك؟
أبنائي بالطبع ينظرون لطبيعة عملي باحترام ولكن طبيعة هذا العمل شاقة ويكفيني فخرا أن احد أبنائي سار على هذا الدرب ويحمل الآن الماجستير في الأمراض النفسية من الكلية الملكية في ادنبرة.
ما خططك المستقبلية للعمل وما أولوياتك؟
أنا أشبه الحياة بسيارة تسير بسرعة والآن في العمر وبعد أن تجاوزت الستين يجب الفرملة والسير بهدوء. في الوقت الحاضر ما زلت اعمل في هيئة الصحة وبعد تقاعدي سأنضم للقطاع الخاص في احد المستشفيات. أما أولوياتي فهي مشاهدة العالم والتمتع بالسفر.
هل تعتقد انك تلقى التقدير الذي تستحقه من المجتمع وأصدقائك؟
بدون شك احظي بتقدير واحترام المجتمع والأصدقاء وهذا يعوضني عن التعب الذي لاقيته أثناء الدراسة والعمل.
سيرة حياة
ـ الدكتور ميرزا علي حسن الصايغ، مواليد 1948،
ـ تخرج من جامعة القاهرة «مستشفى قصر العيني» بدرجة جيد جداً مع مرتبة الشرف الثانية عام 1970.
ـ بدأ العمل في مستشفى آل مكتوم في الخامس من سبتمبر عام 1971 بقسم الأنف والأذن والحنجرة ثم الجراحة العامة والتخدير والنساء والولادة.
ـ حصل على دبلوم في الأمراض المتوطنة والحارة ودبلوم في الأمراض الصدرية من جامعة «كاردف ـ ويلز» في بريطانيا عام 1980.
ـ عمل كاختصاصي في قسم الأمراض الباطنية والصدرية في القسم الذي تم إنشاؤه عام 1985.
مساهمة
37 عاماً من العمل في مستشفيات دبي
التحق الدكتور ميرزا الصايغ بالعمل في دائرة الصحة والخدمات الطبية سابقا وهيئة الصحة بدبي حاليا قبل أكثر من 37 عاما، إذ بدأت العمل في مستشفى آل مكتوم في الخامس من سبتمبر من عام 1971 أي بعد تخرجه بسنة من جامعة القاهرة «مستشفى القصر العيني» بدرجة جيد جدا مع مرتبة الشرف الثانية.
ويقول إنه حقق بعضا من أهدافه في الحياة كونه احد الأفراد الذين ساهموا في تطوير دائرة الصحة والخدمات الطبية ووصولها إلى ما وصلت إليه حاليا.
وينصح الموظفين الجدد بالصبر والمثابرة كونهم اختاروا هذا الطريق بكامل إرادتهم.
دبي ـ عماد عبدالحميد

