ودع الرئيس الأميركي جورج بوش العالم من منبر الأمم المتحدة مروجاً لخطة أميركية ترمي لانقاذ النظام المالي الذي يترنح منذ عدة أشهر. وتصدرت الأزمة المالية خطابات قادة العالم في الجمعية العامة للأمم المتحدة أمس.

وسعى الرئيس الأميركي جورج بوش لتناول المخاوف بشأن أزمة الأسواق العالمية وقال انه واثق من أن الكونجرس الأميركي سيصدر قراراً عاجلاً بالموافقة على خطة إنقاذ تقدم بها البيت الأبيض وتقضي بضخ 700 مليار دولار لإنقاذ وول ستريت. وركز الأمين العام للأمم المتحدة بان كي مون على القلق من أن تؤدي هذه الأزمة أو غيرها في تقليل المساعدات التي تقدمها الدول الغنية للدول النامية. ودعا مون إلى تشكيل «قيادة عالمية» لمواجهة الأزمات التي يعاني منها العالم عبر تجاوز المصالح القومية الضيقة. وقال في خطابه في افتتاح أعمال الجمعية العامة للأمم المتحدة «ثمة خطر من تقوقع الدول على نفسها بدلاً من النظر باتجاه مستقبل مشترك».

ومن جانبه دعا الرئيس الفرنسي نيكولا ساركوزي إلى عقد قمة لقادة العالم هذا العام من أجل مناقشة تداعيات الأزمة المالية العالمية والدروس المستفادة منها. ودعا ساركوزي أيضاً إلى انضمام الصين والهند وجنوب إفريقيا والمكسيك والبرازيل إلى مجموعة الثماني للدول الصناعية الكبرى. وقال بوش «اقتصاداتنا أكثر اتصالاً من أي وقت مضى وأعلم أن كثيراً منكم هنا يتابعون كيف ستتعامل حكومة الولايات المتحدة مع المشكلات في نظامنا المالي». ويخوض مستشارو بوش في واشنطن مفاوضات مع الكونجرس بشأن خطة الإدارة الأميركية شراء مئات المليارات من الأصول غير السائلة من سجلات الإقراض الخاصة بجهات الإقراض المالية.

وقال ساركوزي «في اعتقادي أن على رؤساء الدول وحكومات الدول الأكثر تأثراً بشكل مباشر أن يجتمعوا قبل نهاية العام ليبحثوا سوياً الدروس المستفادة من الأزمة المالية. لقد أحجمنا طويلاً جداً عندما جابهنا الحاجة إلى منح عالم تسوده العولمة المؤسسات التي ستقننها، دعونا نبني سوياً رأسمالية مقننة لا تترك فيها مساحات كاملة من النشاط المالي رهن تقدير متعاملي السوق وحدهم».

وطالب الرئيس ساركوزي رؤساء الدول والحكومات «كشف الحقيقة وتوخي الصراحة» حول خطورة الأزمة المالية داعياً إلى فرض عقوبات على «المسؤولين» عن الوضع الحالي. وقال ساركوزي لدى تلقيه جائزة مؤسسة ايلي فيزل للعمل الإنساني «علينا كشف الحقيقة وتوخي الصراحة في الأزمة المالية التي نشهدها». وأضاف «يجدر بنا أن نتساءل عن مسؤولياتنا.

ملايين الناس في العالم يخشون على مدخراتهم وشققهم والأموال التي أودعوها في المصارف». وقال «من واجبنا تقديم أجوبة واضحة لهم. من المسؤول عن الكارثة؟ فليعاقب المسؤولون وليحاسبوا ولنتحمل نحن رؤساء الدول مسؤولياتنا». وأوضح الرئيس ساركوزي أن القمة الدولية التي اقترحها حول الأزمة المالية العالمية ستعقد في نوفمبر على أساس أعضاء مجموعة الثماني مع «إمكانية انفتاحها على الدول الناشئة». وقال في مؤتمر صحافي «إن اقتراحي هو أن تعقد في نوفمبر لأننا نأمل أن نرى الأمور بشكل أوضح عندها. وهي ليست اجتماعاً يعقد في خضم الأزمة لكنها في الوقت ذاته تعقد قبل نهاية العام وبالتالي يمكننا أن نستخلص النتائج».

وأضاف ان المشاركة ستكون «على أساس مجموعة الثماني لكن مع إمكانية الانفتاح على الدول الناشئة ان المنطق يقول ان الأمر يعني أساساً مجموعة الثماني لأنها أكبر ثماني اقتصادات في العالم لكني لا أريد أن يقتصر الحوار» عليها. وتابع «آمل أن تشمل رؤساء الدول والحكومات وسلطات وضع الأنظمة الاقتصادية». ورداً عن سؤال عما ينتظره من مثل هذه القمة الدولية اعتبر ساركوزي أنها يمكن أن تتيح «ظهور مبادئ وقواعد جديدة». وبين القضايا «الرئيسية» التي ستثار أشار إلى «وكالات التصنيف» و«تقويم حصيلة عمل وقدرة البنوك على الوفاء بالدين» و«مسألة الصناديق العالية المخاطر» و«الأجور» و«تنسيق المعلومات وتبادلها» و«استعادة الثقة في النظام المالي».

وقال ساركوزي إن القمة يمكن أن تعقد في لندن أو واشنطن أو نيويورك أو بروكسل أو باريس، مشيراً إلى أن «المكان ليس بالأمر المهم». وتضم مجموعة الثماني ألمانيا وكندا والولايات المتحدة وفرنسا وبريطانيا واليابان وإيطاليا وروسيا. وقال هاري ريد زعيم الأغلبية في مجلس الشيوخ الأميركي ان النواب الديمقراطيين في الكونجرس يقرون بالحاجة إلى تحرك سريع بشأن تشريع لتحقيق الاستقرار في الأسواق ومعالجة أزمة الإسكان لكن خطة الإنقاذ ليست سوى نقطة بداية.

وبدأت الحكومة الأميركية الاثنين التفاوض مع الكونجرس ليوافق على خطة بقيمة 700 مليار دولار لإنعاش وول ستريت. وقالت الأغلبية الديمقراطية في الكونجرس إنها تأمل في التصويت بسرعة على هذه الخطة غير المسبوقة للتمويل مع ان المرشحين الديمقراطي والجمهوري للانتخابات الرئاسية باراك أوباما وجون ماكين عبرا عن تحفظات عليها. وفي إشارة لعدد من التحديات التي يواجهها العالم، من أزمات مالية وغذائية وفي مجال الطاقة إضافة إلى تعثر المفاوضات التجارية المتعددة الطرف والاحتباس الحراري، أكد أن العالم يواجه حالياً تحدياً يتمثل في غياب «قيادة عالمية» لمواجهة هذه الأزمات.

وحذر الأمين العام للمنظمة الدولية الذي جعل تقليص الفقر في العالم عنوان مناقشة هذا العام، من «خطر رؤية العالم يتراجع مقارنة بالتقدم الذي تم إحرازه، خصوصاً في مجال التنمية والتقاسم العادل لثمار النمو». وأضاف «نلاحظ بروز مراكز سلطة وقيادة جديدة في آسيا وأميركا اللاتينية وفي كل أنحاء العالم الذي تطور حديثاً». وتابع بان كي مون «في هذا العالم اليوم، يكمن التحدي في التعاون أكثر منه في المواجهة. لا يمكن للأمم أن تحمي مصالحها أو تسعى لتحسين حياة شعوبها من دون شراكة مع الآخرين».

ووجه وزير الخزانة الأميركي هنري بولسون نداءً إلى المشرعين الأميركيين معتبراً أن وضع النظام المالي راهناً يستدعي تجاوز الانقسامات الفئوية والتحرك بسرعة. وجاء في خطاب سيلقيه بولسون في الكونجرس أمام لجنة الشيوخ المكلفة شؤون المصارف والإسكان «علينا مواجهة الوضع الذي يستدعي التحرك بشكل عاجل وبمسلكية تتجاوز الأحزاب».

وأضاف ان خطة شراء الأصول الهالكة التي قدمتها الخزانة إلى الكونجرس هي بحد ذاتها الأمر الوحيد الفعال الذي يمكن القيام به لمساعدة مالكي المساكن والشعب الأميركي ولإنعاش الاقتصاد. وأوضح «لقد رأينا حمى الأسواق تبلغ مستوى جديداً الأسبوع الفائت وتمتد إلى باقي الاقتصاد. علينا الآن أخذ إجراءات أكثر قوة وحزماً حتى نعالج بشكل جوهري وشامل جذور هذه الأزمة».

اعتبر ان جذور الأزمة تعود إلى «الحركة التصحيحية في السوق العقارية التي انعكست غياباً في إمكانية تحويل السندات التي ترتكز على قروض عقارية إلى سيولة الأمر الذي يخنق تدفق الائتمانات وهو أمر حيوي بالنسبة لاقتصادنا». وأدان الوزير الأميركي كذلك «الممارسات السيئة على صعيد القروض الممنوحة من المؤسسات المصرفية والمالية» مما أدى بطالبي القروض إلى «الحصول على قروض عقارية لا يمكنهم تحملها».

وأوضح في هذا الإطار «علينا أن نعيد الثقة بأسواقنا المالية وبمؤسساتنا المالية حتى تتمكن من القيام بعملها كسند للنمو والازدهار في المستقبل». وبرر خطة الإنقاذ الضخمة المخصصة للمصارف التي طلب من الكونجرس إقرارها، مشيراً إلى الإجراءات الاستثنائية المختلفة التي اتخذتها السلطات الأميركية منذ مطلع سبتمبر. وقال بولسون انه بعد الاهتمام «بكل حالة على حدة» بات من الضروري بذل المزيد لأن هذه الإجراءات «الضرورية لم تكن كافية».

وتزامن انعقاد الجمعية العامة للأمم المتحدة مع انقلاب في حالة الثقة التي سادت الأسواق خلال اليومين الماضيين. وأظهرت حركة تداولات النفط والعملات والذهب والبورصات العالمية حالة من الشك العميق وعدم الثقة في خطة الإنقاذ التي أعلنت عنها الولايات المتحدة الأميركية نهاية الأسبوع الماضي.

وداعاً عهد الرأسمالية العمياء

دعا قادة العالم الغربي لتقنين الرأسمالية في اتجاه لم يكن معهوداً من قبل، الأمر الذي لقى صداً طيباً لدى رؤساء الدول الاشتراكية. وركز الكثير من القادة على شمولية الأزمة وقالوا انه ومع استمرار قلق المستثمرين وتفشي الأزمة عالمياً بدأت قوى اقتصادية أخرى تستشعر الألم أيضاً.

وكان القول الأكثر تعبيراً في هذا الاتجاه قول الأمين العام للأمم المتحدة الذي كان يتحدث على بعد أميال قليلة من معقل الرأسمالية «وول ستريت» ان الاضطراب المالي يستلزم نهجاً جديداً يقل فيه «الإيمان الأعمى بسحر الأسواق». ودعا الرئيس الفرنسي نيكولا ساركوزي إلى بناء رأسمالية مقننة لا تترك فيها مساحات كاملة من النشاط المالي رهن تقدير متعاملي السوق وحدهم.

انتقادات حادة لخطة البيت الأبيض

طالب عدة أعضاء في الكونجرس الأميركي بإدخال ضمانات إلى الخطة الضخمة الموضوعة لإنقاذ النظام المالي مقرين في الوقت ذاته بالأهمية القصوى للخطة التي عرضتها الإدارة الأميركية. وقال الديمقراطي كريس دود رئيس لجنة الشؤون المصرفية في مجلس الشيوخ التي سيمثل أمامها وزير الخزانة هنري بولسن ورئيس الاحتياطي الفيدرالي بن برنانكي «أنا مستعد للتحرك بسرعة لكني لن أتصرف بطريقة غير مسؤولة. وإذا تطلب الأمر المزيد من الوقت فسيحصل ذلك».

وينبغي أن يقر الكونجرس الذي يسيطر عليه الديمقراطيون خطة الإنقاذ هذه. وأوضح السيناتور دود في تصريح لمحطة «سي ان ان» التلفزيونية «لن أعطي شيكاً بقيمة 700 مليار دولار لمدة 41 يوماً لهذا الوزير (بولسن) أو لوزير آخر من دون ضمانات»، في إشارة على ما يبدو إلى الأيام المتبقية قبل موعد الانتخابات الرئاسية في الرابع من نوفمبر.

وطالب باعتماد «حس المسؤولية» و«الشفافية» و«الرقابة». واعتبرت السيناتورة الديمقراطية هيلاري كلينتون من جهتها «علينا أن نتحرك. أظن ان من الضروري ان يجري الكونغرس مفاوضات جدية مع الإدارة والا يكتفي بالقول: حسناً سنفعل كل ما تريدونه». وأضافت «لا يمكننا أن نستأنف العمل وكأن شيئاً لم يكن وان نوزع 700 مليار دولار من الأموال التي أعطاها الناس إلى الحكومة».

من جهته قال السيناتور ريتشارد شيلبي عضو لجنة الشؤون المصرفية إن «الأمر الذي يزعجني كثيراً هو أننا مرة جديدة لم نتلق أي ضمانة بأن هذه الخطة ستنجح». وأضاف السيناتور الجمهوري عن الاباما (جنوب) «يمكننا أن ننفق 700 مليار دولار من دون أن نحل الأزمة.

قبل أن أوقع على أمر بهذا الحجم أريد أن أعرف أننا استنفدنا كل الحلول المعقولة. ولا اعتبر أن بإمكاننا أن نقوم بذلك في غضون يومين». وأعرب السيناتور الديمقراطي جاك ريد من جهته عن أسفه لأن على «المكلفين ان يتحملوا مخاطر قرارات كارثية اتخذها أشخاص يتقاضون أجوراً كبيرة في وول ستريت». وأضاف «من الضروري مكافأة المكلفين في هذا البلد للمساعدة التي قدموها».

رؤية

البرازيل تنتقد «الجشع غير المحدود» في الأسواق

دعا الرئيس البرازيلي لويز إيناسيو لولا دا سيلفا الاقتصادات المتقدمة إلى كبح الأزمة المالية العالمية منتقداً المضاربين في أسواق المال لتعريضهم النمو العالمي للخطر. وحذر لولا في خطاب ألقاه أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة في دورتها الثالثة والستين في نيويورك من أنه لا يمكن السماح بانتقال الاضطراب الذي حدث بسبب «الجشع غير المحدود» للمستثمرين إلى باقي أجزاء العالم.

ودعا دا سيلفا إلى إعادة بناء المؤسسات الاقتصادية الدولية للمساعدة في تحسين اللوائح وإحداث تغييرات طويلة المدى للنظام المالي العالمي. لكنه قال إن الأمر متروك لهذه الحكومات «المنغمسة في الأزمة» للسيطرة على «الاضطراب» الحالي بأسرع ما يمكن.

ويدرس الكونجرس الأميركي حالياً حزمة الإنقاذ البالغ قيمتها 700 مليار دولار والتي ستشمل الاستحواذ على الأصول المهتزة المتعلقة بالرهن العقاري في قلب حالة الكساد. وقال لولا إنه بينما تكافح الاقتصادات المتقدمة فإن الدول النامية في نصف الكرة الجنوبي تكتسب قوة وسلطة سياسية. وأشار إلى اتحاد سياسي جديد في أميركا اللاتينية (أوناسور)، وأعلن إحراز بلاده تقدماً في مجال الطاقة المتجددة. ودعا لولا كذلك إلى إيجاد حلول لارتفاع أسعار الغذاء والطاقة التي أثرت على حياة الكثيرين في الدول النامية.

(طالع الاقتصادي)