تلعب الصدفة دوراً كبيراً في حياة كثير من البشر، وتجري الحياة عكس ما تشتهي النفوس، كثير من الناس لم يختاروا طريق مستقبلهم وحياتهم ووظيفتهم، ضيفنا في لقاء اليوم واحد منهم.

حيث كانت الصدفة هي التي رسمت ملامح مستقبله وحياته ورغم الطموحات والخطط والبرامج، في زمن كانت فيه الوظيفة الحكومية مطلب وطموح الكثير من الشباب سيما في زمن لم تكن فيه الطفرة الاقتصادية والنهضة الحضارية كما هي عليه اليوم، والبعض شغل وظائف كبيرة دون مؤهلات، يعتمد على قدراته الشخصية الفطرية وقدرته على الاستيعاب والتطوير سيما بعض الوظائف الحساسة في زمن البدايات لتشكيل نواة العمل الحكومي.

وهذا وما يرويه لنا جمعة الدرمكي، أول مدير تحقيق جنائي وأول مسؤول في الانتربول الدولي من أبناء دولة الإمارات، في حصاد العمر. عاش في دهاليز التحقيق وعالم الجريمة أكثر من 30 عاماً بدأها بتعلم القراءة عند المطاوعة، تنقل في وظائف عدة وزار معظم دول العالم، وتربطه صداقات كثيرة بشخصيات من داخل وخارج الدولة، انتهى به المطاف برتبة عميد ومدير للانتربول والتحقيق الجنائي في أبوظبي ثم استقر في العمل السياحي وتربية الإبل، يؤمن بأن خدمة الوطن شرف كبير، ولا يؤمن بالتقاعد فالحياة مستمرة والوطن يحتاج لكل الأبناء.

كيف بدأت حياتك العملية..؟

يعود أبو علي في شريط الذكريات إلى مطلع عقد الستينات من القرن الماضي حيث كان يعيش في مدينة العين، وكانت الحياة الاجتماعية بسيطة سهلة لكنها قاسية حيث كانوا في أشهر الصيف يعيشون في وسط مدينة العين وفي أشهر الشتاء يتنقلون في البر بحثاً عن المرعى، في تلك الأيام لم تكن هناك مدارس، ويتولى مهمة التعليم المطاوعة.

حيث تعلم القرآن عل يد المطوع المرحوم حميد بن عبيد الدرمكي، وفي مطلع الستينات وعندما تم الإعلان عن تشكيل الشرطة في إمارة أبوظبي جاءه أمر من المرحوم الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان هو ومجموعة من شباب العين للعمل في الشرطة حيث وقع الاختيار عليه وتلقى تدريباته الأولية برفقة المرحوم حمودة بن علي وسهيل بن محمد القاز حيث أوفدوا إلى الكويت في العام 1961 بدورة تدريبية، أوكلت له بعد ذلك مهمة مسؤول الشرطة الجنائية والتحقيق في شرطة أبوظبي حيث تولى بعد ذلك الشيخ مبارك بن محمد آل نهيان وزارة الداخلية والمرحوم حمودة بن علي وكيلا للوزارة في أول تشكيل.

كيف تنظر لطبيعة عملك وما وصلت إليه.؟

طبيعة العمل لم تكن سهلة بشكل عام إلا أنها لم تكن معقدة مثل هذه الأيام فالجرائم لم تكن معروفة في مجتمع الإمارات سيما جرائم المخدرات والقتل والسرقة، وكانت محصورة في بعض المشاكل البسيطة إلا أن الجريمة تطورت بتطور المجتمع حيث باتت دولة الإمارات واحدة من أكثر دول المنطقة تطوراً وانفتاحاً على العالم ولابد من ظهور أشكال مختلفة من الجرائم وبات ذلك يتطلب كوادر وخبرات وتدريب ومؤهلات وتوفير إمكانات لم تكن متوفرة سابقاً.

هل حققت الأهداف المرجوة من عملك..؟

حالة الرضا نسبية، لكن ومن خلال الظروف التي كانت محيطة بنا والإنجازات التي تحققت والإمكانات البسيطة نستطيع القول اننا أنجزنا كافة المهام التي أوكلت إلينا بنجاح وبشهادة الجميع لقد استطعنا وضع قواعد وأسس للمهنة في ذلك الوقت الصعب وقد عملت في عدد من الأقسام وسافرت في مهمات كثيرة خارج الدولة منها فرنسا وأميركا واليابان واسبانيا والمكسيك حيث كان العمل في «الإنتربول» يتطلب التعاون مع جهات عدة لمحاربة الجريمة والحمد لله أنهيت عملي وأنا في غاية السعادة والسرور.

صف أول يوم وآخر يوم عمل لك.. ؟

أول يوم عمل كان صعباً حيث لم تكن لدينا فكرة عن المهام الموكلة لنا لكننا كنا متحمسين لذلك حيث التقيت بالمرحوم حمودة بن علي والمرحوم سهيل بن محمد وحددت لنا المهام أرسلنا بعدها في العام 1961 ببعثة تدريبية للكويت عدت بعدها برتبة ضابط توليت بعدها مهام مدير التحقيق الجنائي أما آخر يوم فقد خرجت برتبة عقيد حيث قمت بوداع الأصدقاء وكان يوماً عادياً لأنه كان لدي علم مسبق به وتلقيته بهدوء ورضا فقد عملت 30 عاماً ولابد من إفساح المجال أما م الخبرات الشابة من أبناء الدولة لقد أخذنا فرصتنا وأدينا دورنا.

ما الحكمة التي خرجت بها...؟

لقد اكتسبت في عملي خبرات كثيرة والحياة تعلم أشياء لا يمكن تعلمها في المدارس والجامعات وخرجت من الحياة المهنية بحكمة مفادها لاشيء يعلو فوق الحق والقانون ووراء كل حق مطالب وألا وازرة وزر أخرى فالعمل في التحقيقات الجنائية يتطلب مواصفات أخلاقية عالية سيما الصدق والأمانة والشرف في أداء المهمة بعيداً عن الاعتبارات والولايات الشخصية، فالظلم صعب ولا يرضاه الله لعباده.

هل لك أن تلخص لنا خبرة 30 عاما في جملة واحدة ؟

اعمل لدنياك كأنك تعيش أبدا واعمل لآخرتك كأنك تموت غداً.

ما الفائدة الثقافية أو الاجتماعية التي خرجت بها..؟

لاشك أن عملي في وظائف عدة لاسيما في التحقيقات والإنتربول أكسبني معارف كثيرة وثقافات متعددة حيث ان طبيعة العمل تتطلب من المحقق أن يكون ملماً بأمور كثيرة نظراً لتنوع أشكال وثقافات المجرمين ما يتطلب مزيداً من المطالعة والمعرفة، كما إن السفر المتعدد إلى مختلف دول العام ساهم بصقل شخصيتي واطلعت على ثقافات متعددة في العالم لم نكن نعرفها قيل قيام دولة الاتحاد ولقد زرت الصين واليابان في العام 1970 .

حيث كانت زيارة الصين واليابان حلم الجميع ومضرب المثل وكذلك زرت إسبانيا وتعرفت على دور العرب هناك وما تركوه من آثار ومعالم ثقافية يجب أن نحزن عليها وكذلك الثقافة الفرنسية والعادات والتقاليد في العديد من الدول العربية ولدي شبكة واسعة من الصداقات والعلاقات مازال البعض مستمرا حتى الآن.

ما أصعب المواقف التي تعرضت لها بالعمل؟

طبيعة المهنة فيها مواقف كثيرة وعديدة لا يمكن البوح بها، لكن من المواقف اذكر انه جاءت إلينا معلومة عن تهريب مخدرات عن طريق البحر في إحدى المدن تقدر قيمتها حينذاك بأكثر من نصف مليون درهم وكان يجب توفير المبلغ حتى يتسنى لنا نصب كمين للمهربين وقمت بإجراء الاتصالات اللازمة مع المسؤولين وتعذر تأمين المبلغ بالسرعة المطلوبة سيما وأن العملية سوف تتم ليلاً.

وعلى الفور قمت بسحب مبلغ من حسابي الخاص وأعددنا كمينا من زوارق عدة في عرض البحر ومراقبة من الجو بطائرة هليوكوبتر للضرورة وبالفعل نجح فريق العمل بإقناع الوسيط باستلام المبلغ في البحر وتمت السيطرة على الموقف وتم ضبط المهربين في الجرم المشهود وتلقيت وفريق العمل الشكر والتقدير من المسؤولين على حسن التصرف وتحمل المسؤولية.

ما أصعب قرار اتخذته في حياتك العملية..؟

طبيعة المهنة كانت فيها مواقف كثيرة تتطلب سرعة التحرك والبديهة لاسيما في قضايا التحقيق وإحالة المتهمين وكنت أتردد كثيرا قبل إصدار الحكم واتهام أي شخص ما لم تكن لدي الأدلة والقرائن خوفا من الظلم والحمد لله لم اظلم أحدا.

لو عاد بك الزمان للوراء هل تختار الوظيفة ذاتها ؟ وماذا تتمنى أن يتغير؟

لقد أحببت وظيفتي وأخلصت لها 30 عاما أعطيتها زهرة شبابي وعمري وإذا اقتضت مصلحة الوطن أن أعود لذات المهنة لن أتردد لحظة واحدة على الرغم من مغريات الوظائف والأعمال الأخرى التي ظهرت بعد الطفرة الاقتصادية.

كيف ينظر أبناؤك إلى طبيعة عملك..؟

الحمد الله لدي 4 من الأبناء الذكور و5 من الإناث جميعهم تخرجوا من الجامعات وشغلوا وظائف مرموقة وهم ينظرون لعملي بكل احترام وتقدير من هذا العمل عشنا حياة حرة وكريمة وأسسنا أسرة متفاهمة ومتعاونة.

نصيحة للموظفين الجدد..

نصيحة أقولها للموظفين الجدد لاشك أن العمل في سلك التحقيق أتاح لي فرصا كثيرة للتعامل مع المجرمين ما يتطلب قدرة على الصبر والحلم والتأني والحفاظ على أسرار المهنة لذلك أنصح الموظفين الجدد بوضع الله نصب أعينهم وهم يحافظون على امن الوطن والصدق والإخلاص في أداء مهامهم بجد وإخلاص وقبول النصيحة ممن هم اكبر واعرف والعمل على تطوير قدراتهم وخبراتهم والعمل على تحري الصدق في المعلومة سيما العمل في سلك التحقيق.

هل تعتقد أنك تلقى التقدير الذي تستحقه من المجتمع وأصدقائك..؟

نعم أشعر بكثير من الفخر والاعتزاز بفترة العمل التي قضيتها مع نخبة من أبناء الوطن المخلصين والأوفياء ومازالت تربطنا علاقات مودة وصداقة ونتواصل في المناسبات وأحظى باحترام أفراد المجتمع من الوسط الذي أعيش به وممن تعاملت معهم.

ومن حصاد العمر يتذكر أبو علي يوم قرر الزواج حيث ذهب برفقة والده إلى مجلس المرحوم الشيخ زايد بن سلطان في العين حتى يدعوه لحفل العرس وتصادف أن تواجد المرحوم الشيخ راشد بن سعيد آل مكتوم حاكم دبي في مجلسه وقدمت الدعوة لهما وبالفعل لبى الدعوة وشارك أبناء القبيلة فرحتهم، لقد كان رحمه الله يفرح لفرح أبناء رعيته ويقدم لهم العون والمساعدة.

اولويات

خطط مستقبلية للعمل

قال جمعة الدرمكي ليست لدي خطط مستقبلية فبعد الحياة العملية الوظيفية الطويلة لم يعد هناك خطط مستقبلية بالمعنى الحقيقي للعمل وأنا اعمل حالياً في مجال الأنشطة السياحية وسباقات الهجن وتربية الإبل حيث أعمل على الاستفادة من وقت الفراغ ولكنني لا أؤمن بالتقاعد من الحياة، نعم للتقاعد من الوظيفة لأن ذلك نظام عام أما الحياة فهي عمل واجتهاد حتى اخر لحظة من العمر.

العين ـ داوود محمد