واجهت أسواق المال المحلية والإقليمية والعالمية موجة هبوط شاملة وعاتية، وتكبدت خسائر فادحة بسبب الاضطرابات الأخيرة في قطاع المال الأميركي، وخاصة ما يتعلق بطلب بنك الاستثمار الأميركي ليمان براذرز، رابع أكبر بنك استثماري أميركي، حمايته من الدائنين بموجب قانون الإفلاس، وموافقة مجموعة ميريل لينش المصرفية على عرض الاستحواذ المقدم من بنك أوف أميركا كورب مقابل 50 مليار دولار يتم سدادها في صورة أسهم، ضمن توابع زلزال أزمة الائتمان الأميركي التي تواصل عصفها باستقرار الأسواق في العالم.
وقد واجهت «وول ستريت» أمس واحدة من أسوأ موجات البيع في تاريخها، على خلفية أنباء انهيار رابع أكبر المؤسسات المصرفية في الولايات المتحدة الأميركية، بنك ليمان براذرز، وكذلك شراء «بنك أميركا» مؤسسة «ميريل لنش» بمبلغ 50 مليار دولار. وبلغ معدّل خسائر مؤشر داو جونز الصناعي نحو ثلاثمئة نقطة حيث هبط ب290 نقطة. وفي السابعة صباحا بتوقيت نيويورك، بدأت أسهم سکذ يومها على هبوط واضح بلغت نسبته 3%، ولم يكن حظّ مؤشر ناسداك أفضل حيث تراجع بنقطتين ونصف النقطة.
وقال كبير استراتيجيي السوق في مؤسسة «جيفريز» آرت هوغان إنّ عمق هبوط صناعة المال غير مسبوق منذ عقود طويلة. وقال إنّه لا يمكن مقارنة ما يحدث الآن سوى بفترة الكساد الكبير في عقد الثلاثينات من القرن الماضي وكذلك سلسلة الإفلاسات التي حدثت في القرن التاسع عشر. وأوضح «لم نر شيئا مماثلا من قبل وليس هناك خارطة طريق للخروج من الأزمة». وقال إنّ أعين المستثمرين في «قطع الدومينو» موجهة الآن لشركة «إيه آي جي» وبنك واشنطون ومؤسسات ومصارف أخرى للتعرّف على الضحية القادمة.
غير أنّ الرئيس الأميركي جورج بوش أكّد أمس أنّه واثق من أنّ الوضع الصحي لأسس اقتصاد بلاده «كاف لتفعيل التعديلات التي نحن بصدد إجرائها». وجاءت تصريحات بوش أثناء ظهور مقتضب ومشترك مع ضيفه الرئيس الغاني جون كوفور. وأضاف أنّ إدارته تركز جهودها على «المشكل وهي بصدد العمل على التقليص من آثاره» منبها إلى أنّه «رغم صعوبة الإجراءات إلا أنّ الاقتصاد الأميركي يتميز بمرونة تجعله قادرا على التعامل» مع مثل هذه المشاكل. وبعد أن أعلن «بنك أميركا» أمس أنه سيشتري أسهما منها بمبلغ 50 مليار دولار، ارتفع سهم مؤسسة «ميريل لنش» بنحو 70% ليصل إلى 29 دولارا بعد أن أغلق الجمعة على سعر قارب 17 دولارا. ومتأثرة بالمضاربات السيئة في القطاع العقاري، أعلنت «ميريل لنش» أنّها خسرت نحو 17 مليار دولار في الشهور التسعة الأخيرة، وهو ما أدى بسهمها إلى الهبوط بنحو 27% الأسبوع الماضي. وجاء ذلك بعد إعلان بنك «ليمان براذرز» أنه ماض في طريق إعلان إفلاسه منهيا بذلك ثلاثة أيام من مسابقة الزمن من أجل الفوز بمشتر ينقذه من مصيره. وجاء إعلان البنك انهياره بعد انسحاب كلّ «بنك أميركا» و«باركلي» انسحابهما من مفاوضات شرائه، وهو ما أدى بسهمه إلى التراجع بنسبة 82% ليصل سعره إلى 65 سنتا. وعلى صعيد متصل، أعلنت شركة «إيه آي جي» المتخصصة في التأمينات أنّها ستعلن عن إعادة هيكلة تتضمن بيع جزء من أسهمها على أمل توفير السيولة وتعزيز ثقة المستثمرين. وأدّت أزمة الائتمان إلى خسارة «إيه آي جي» أكثر من 18 مليار دولار في الشهور التسعة الماضية، بما جعلها مهددة بمواجهة إجراء تحديد نسبة القروض التي تستحقها إلا إذا نجحت في زيادة سيولتها. وفي التعاملات الأولية الصباحية، تراجع سهم الشركة 39%.
ومن جهته، تراجع سهم بنك واشنطون بنحو 24 نقطة مئوية في تعاملات الصباح الأولى.
والأسبوع الماضي، فقد السهم 36% من قيمته بعد أن عبّر مستثمرون عن مخاوفهم بشأن احتمال أن لا يكون تحت يد البنك سيولة كافية لمواجهة تسونامي وول ستريت.
ويعدّ البنك واحدا من أبرز اللاعبين في سوق القروض والائتمان وحرص مسؤولوه على طمأنة المستثمرين بشأن المستقبل.
وهبط مؤشر فاينانشيال تايمز للشركات المئة الكبرى في لندن بنسبة 7 .2% في بداية التعاملات، بينما هوى مؤشر كاك 40 الفرنسي بنسبة 4 .3% ومؤشر داكس الألماني بنسبة 8 .2%.
وفي قرار مفاجئ أعلن البنك المركزي الأوروبي أمس أنه سيمد البنوك الأوروبية بأموال سائلة مقدارها ثلاثون مليار يورو. وقالت مصادر البنك في فرانكفورت ان منح هذه الأموال للبنوك الأوروبية يأتي في إطار عملية إعادة تمويل تستغرق يوما واحدا. وسيبلغ معدل الفائدة على هذه الأموال 39 .4%. وأضافت المصادر أن البنك المركزي الأوروبي أعلن اللجوء إلى استراتيجية الإمداد السريع صباح أمس بسبب الأزمة المتفاقمة في قطاع البنوك الأميركي.
وقال البنك المركزي الأوروبي أن بنك الأوراق المالية يراقب الملابسات في سوق المال في منطقة اليورو بدقة وهو على استعداد للمساهمة في إرساء شروط منتظمة بسوق المال في أوروبا.
من ناحيته حاول المتحدث باسم وزارة المالية الألمانية تروشتين ألبيج تهدئة مخاوف المستثمرين بالقول إن الأزمة الناجمة عن إفلاس البنك الأميركي «تحت السيطرة».
وأضاف انه من المعروف عن المؤسسات المالية الألمانية بشكل عام انها غير متورطة في الأزمة بنفس قدر تورط البنوك الأميركية وغيرها من المؤسسات المالية الأنجلو ساكسونية.
وفي آسيا، أنهى المؤشر الرئيسي في أستراليا التعاملات متراجعا بنسبة 8 .1% وفي سنغافورة هبط مؤشر اس تي اي بنسبة 3 .2% في التعاملات الصباحية.
وفي تايوان أغلق المؤشر الرئيسي للأسهم على انخفاض بنسبة 4%، وفي الهند هوت أسعار الأسهم بأكثر من 5% في بداية التعاملات.
وفي أميركا أعلن مجلس الاحتياط الفيدرالي اعتزامه توفير المزيد من القروض للبنوك الأميركية والمؤسسات المالية وتوسيع نطاق المؤسسات والشركات التي يمكن أن تستفيد من هذه القروض.
وجاء تحرّك مجلس الاحتياط الاتحادي كخطوة استباقية للمساعدة في تهدئة مخاوف أسواق المال قبل بدء تعاملاتها أمس في ظل التطورات السلبية التي تهدد بتراجع كبير في أسعار الأسهم.
وفي محاولة موازية لاحتواء الأزمة، وافقت عشرة من أكبر بنوك العالم أيضاً على تكوين صندوق للطوارئ بقيمة 70 مليار دولار يكون من حق أي من هذه البنوك الحصول على ثلث هذه القيمة. ومن ناحية أخرى ذكرت تقارير صحافية أن مجموعة أميركان انترناشونال غروب للتأمين المتعثرة طلبت من المركزي الأميركي منحها قرض إنقاذ. وهبط الدولار وقفزت السندات التي تمثل ملاذا آمنا بعد أن أخفقت محادثات طارئة جرت في مطلع الأسبوع في إنقاذ بنك ليمان.
نزوح هستيري للمستثمرين الأجانب
هبطت مؤشرات أسواق الأسهم الخليجية أمس إلى أدنى مستوياتها منذ 17 شهرا بعد تعاملات محمومة مع نزوح المستثمرين الأجانب من الأسواق الناشئة خشية تأثرها بتداعيات الاضطرابات الأخيرة في قطاع المال الأميركي، فيما أطلق عليه البعض «هستيريا» عمليات البيع من قبل المستثمرين الأجانب «أفراداً ومحافظ».
وتراجعت الأسواق في دبي حلال التداول بنسبة 9% وأبوظبي أكثر من 5% قبل أن تدخل سيولة محلية جديدة وتقلص من الخسائر، حيث أغلق مؤشر دبي متراجعا بنسبة 7 .1% في نهاية الجلسة فيما أغلق مؤشر سوق أبوظبي منخفضا بنسبة 35 .4%، لتفقد الأسهم في السوقين 73 .20 مليار درهم من قيمتها السوقية. وتواصل أمس التراجع القاسي الذي شهدته الأسواق بقيادة أسهم العقار، وفي مقدمتها «إعمار» الذي انخفض إلى 27 .6 دراهم وهو مستوى الحد الأدنى تقريبا، قبل أن يرتفع إلى 21 .7 دراهم من جديد، وكذلك كان الحال بالنسبة لأسهم العقار في أبوظبي التي بعد أن تراجعت إلى مستوى الحد الأدنى .
وتراجع المؤشر العام لسوق الإمارات إلى مستوى 4572 نقطة وبنسبة 10 .3% وسط تداولات كبيرة بقيمة 4 .2 مليار درهم.
وقال راج مادها مدير أبحاث الأسهم لدى المجموعة المالية - هيرميس: «عندما يكون الألم منتشرا في مختلف أنحاء العالم، وعندما تكون لديك سوق أسهم الرؤية فيها ليست قوية فمن المفهوم أن يبالغ المستثمرون في رد الفعل».
وكان سوق الدوحة أكبر الخاسرين خليجياً أمس فقد واصل مؤشر السوق هبوطه الحاد لليوم الثاني على التوالي ليفقد أمس أكثر من 7% متأثراً بعمليات البيع الكثيفة التي شهدها السوق منذ الدقائق الأولى من الجلسة. وفي مسقط عكس مؤشر سوق الأوراق المالية اتجاهه في بداية جلسة أمس وسجل تراجعه الثالث على التوالي، وذلك بعد أن خسر كل مكاسب الساعة الأولى التي فاقت 2% وأغلق على خسائر طفيفة بلغت 12 نقطة. وكذلك تراجع المؤشر الرئيسي لسوق البحرين بنسبة طفيفة وصلت إلى 790 .0%.
هبوط النفط
انخفض سعر الخام الأميركي الخفيف سبعة دولارات للبرميل في التعاملات الآجلة أمس مع إقبال المستثمرين على توجيه أموالهم إلى استثمارات آمنة بسبب اضطراب النظام المالي الأميركي ووسط بوادر أولية على نجاة البنية الأساسية للنفط في خليج المكسيك من الإعصار ايك.
واهتزت أسواق المال وثارت مخاوف من أن تؤدي المشاكل الاقتصادية العالمية إلى إبطاء الطلب على الطاقة مما دفع المستثمرين لسحب استثماراتهم من سوق النفط وذلك بعد إعلان بنك الاستثمار الأميركي إفلاسه. وقد هبط الخام الأميركي للتسليم في شهر أكتوبر المقبل إلى 18 .94 دولاراً للبرميل ليسجل أدنى مستوى منذ سبعة أشهر. وهبط مزيج برنت 88 .5 دولاراات إلى 70 .91 دولارا للبرميل.
توابع
الصناديق السيادية الخليجية تتريث إزاء الغرب بعد انهيار «ليمان»
دفعت التقلبات التي تشهدها الأسواق المالية الأميركية هيئات الاستثمار السيادية الكبرى بدول الخليج العربية للامتناع عن محاولة إنقاذ أي بنوك غربية متعثرة لكنها أشارت إلى زيادة استثماراتها في الداخل لتعزيز بورصات إقليمية تضررت بسبب الاضطرابات المالية العالمية. وقالت شركة مبادلة للاستثمار المملوكة لحكومة أبوظبي وهي من أكثر المستثمرين نشاطا بالمنطقة ان الوقت غير مناسب للاستثمار.
كما صرح مسؤول مقرب من هيئة الاستثمار القطرية بأنها أيضا تتخذ موقف التريث. وهذه بعض أوضح التصريحات حتى الآن التي تشير إلى أن هيئات الاستثمار التي تهيمن عليها دول ومن أمثلتها هيئة الاستثمار القطرية أو مبادلة أو هيئة أبوظبي للاستثمار أكبر صندوق للثروة السيادية في العالم لن تهرع لإنقاذ بنوك متعثرة.
وقال وليد المهيري الرئيس التنفيذي للعمليات لدى مبادلة لرويترز «لا تتطلع مبادلة إلى أي من تلك المؤسسات المالية التي تواجه صعوبات. هناك قدر كبير من التقلب وليس هذا هو أفضل الأوقات للاستثمار».
وأضاف: «في الوقت الراهن سننتظر ونتريث مثلما سيفعل بعض الآخرين وخسرت هيئات استثمار سيادية مليارات الدولارات ضختها في بنوك غربية في صورة زيادة طارئة في رأس المال في مطلع العام الحالي وفي العام الماضي.



