اتجهت أنظار دول العالم نتيجة الازدياد المضطرد في أعداد السكان لاستغلال ثرواتها الطبيعية لتأمين حاجة شعوبها الغذائية، وقد أدى الصيد الجائر وغير الرشيد لاستنزاف هذه الثروات، وكانت المخزونات السمكية إحدى هذه الثروات المستنزفة، وهنا برزت أهمية الاستزراع السمكي كأحد الركائز التي يمكن الاعتماد عليها لسد العجز بين العرض والطلب على الأسماك.

وتكمن أهمية الاستزراع السمكي في أنه أحد المصادر الأساسية التي يمكن الاعتماد عليها لحماية الأمن الغذائي في الدولة وخاصة تأمين البروتين الحيواني ذي القيمة الغذائية العالية، بالإضافة لحماية وتدعيم المخزونات الطبيعية والمحافظة على البيئة البحرية وكذلك لخلق فرص عمل في مجالات الأحياء البحرية للكوادر البشرية.وكان لمركز أبحاث الأحياء البحرية التابع لوزارة البيئة والمياه بأم القيوين الأثر البالغ في تنمية وحماية الثروة السمكية بدولة الإمارات العربية المتحدة وذلك بعمليات الإنتاج وإكثار اليرقات بمختلف أنواعها وخاصة الأنواع المعرضة للصيد الجائر أو التي كانت الموجودة واندثرت (الصافي، السبيطي، الهامور... وغيرها) وتربيتها حتى تصل إلى مرحلة الاصبعية ثم طرحها في مياه الدولة (المحميات والخيران وأماكن تواجد أشجار القرم) بهدف دعم المخزون السمكي حيث نجح المركز بإنتاج كميات من الأسماك بأنواعها المختلفة.

وقال الدكتور إبراهيم عبد الله الجمالي مدير مركز أبحاث الأحياء البحرية إنهم ينتجون ثلاثة أنواع من الأسماك الاقتصادية «الصافي العربي والسبيطي والهامور» الذي يهدف المركز من خلالها إلى زيادة إنتاجه، من خلال إنشاء مفقس جديد بدلا من المفقس التجريبي الحالي.خطوات الاستزراع وأوضح أن خطوات الاستزراع تبدأ بجمع الأمهات من البحر بالتعاون مع بعض الصيادين أو عن طريق وسائل الصيد المتبعة لديهم في المركز وبعد التجميع توضع الأمهات في أحواض كبيرة سعتها 2400 متر مكعب من مياه البحر قبل موسم الإنتاج بأربعة أشهر ويتم تغذيتها بغذاء مركز مما يساعد على نموها حيث تنقل الأسماك بعد ذلك من هذه الأحواض إلى أحواض اصغر ونسميها «أحواض رعاية الأمهات» على أن يتم اختيار الأمهات المناسبة وقبل وضع البيض بشهرين أو أكثر وفي الحوض الصغير نغذيها بغذاء مركز حتى نضمن جودة الإنتاج.

وقبل شهر من موسم الإنتاج نحصي عدد الذكور والإناث ففي الهامور والسبيطي نستخدم «إبر» لسحب السائل المنوي أو البيوض من الجهاز التناسلي فنتعرف على الذكر من الأنثى بهذه الطريقة ونتركها في الأحواض للتزاوج والتي تتم بعد مغيب الشمس وخلال فترة التزاوج نضع شباكا ذات فتحات ضيقة (450 ميكروناً) عند مخرج المياه من الحوض أي يكون حجم فتحة الشبكة اصغر من حجم البيض حتى لا تسمح بمرورها وتبقى بالشبكة بحيث يتم جمع البيض فجرا وتكون المياه انسيابية للحيلولة دون تلف البيض .

تستخدم هذه الطريقة لجمع البيض لأسماك الهامور والسبيطي لان بيوضها تكون طافية على سطح الماء. ويتم وضع البيض بعد الجمع في أنابيب اختبار وذلك لفصل البيض المخصب عن البيض غير المخصب ونتعرف على البيض المخصب من خلال طفوه على سطح الماء أما غير المخصب فيترسب في القاع.

ومن ثم نأخذ البيض المخصب ونضعه في أحواض سعتها من 500 إلى 1000 لتر ونرى معدل الفقس الذي يتم خلال 24-48 ساعة لفقس البيض وبعد الفقس نترك اليرقات لمدة يوم في الحوض لأنها تكون خلال هذه المرحلة شديدة التأثر بالمحيط الخارجي حيث إن عملية نقلها قد يتسبب في نفوقها.

وقال بعد هذه المرحلة ننقلها لأحواض اكبر تسمى أحواض رعاية وتربية اليرقات ليتم تغذيتها بأغذية مركزة، ويتم وضع هائمات نباتية وحيوانية يتم إنتاجها بالمركز بدءا من منتصف أكتوبر، تسمى الهائمات النباتية «تتراسلمس» والحيوانية «روتيفيرا» التي يعتبر حجمها مناسبا لحجم فتحة فم اليرقة حتى تستطيع يرقات الأسماك أن تتغذى عليها.

ويتم وضع عدد 8 - 01 «روتيفير» في الملميتر الواحد لليرقة الواحدة وتتغذى اليرقات على الروتفيرا من يومين لعشرين يوما وعند عمر خمسة عشر يوما يتم إدخال نوع ثانٍ من الغذاء ويسمى الارتيميا (نوع من القشريات) الذي يتم تفقيسه في المركز ويتم تغذية اليرقات به لمدة 9 أيام.

ومن اليوم العاشر وحتى ال90 يوما تتم التغذية بنوع من الأغذية المختلفة المركبة وذات الأحجام المختلفة التي تناسب حجم فتحة فم اليرقة، بالإضافة إلى انه يتم تغذيتها بأسماك السردين أو العومة المقطعة بأحجام صغيرة جدا تناسب حجم فم اليرقة عند عمر 35 يوما. لتطرح بعد أن تصل لحجم 2-3 سم وتسمى في هذه المرحلة بالاصبعيات أو الزريعة.

وأوضح أن الاختلاف في استزراع الصافي يكون من خلال نقل الأمهات من الأحواض الكبيرة إلى الأحواض الأصغر حيث توضع الأمهات اللواتي يتم انتقاؤهن بنسبة أنثى لكل ذكرين ويمكن تمييز الذكر عن الأنثى بالضغط الخفيف على البطن لرؤية السائل المنوي أو البيوض التي تخرج من الفتحة التناسلية،.

وتوضع في حوض سعته ألف لتر نظرا لان بيض الصافي يلتصق في قاع الحوض وعلى أي شيء موجود بالحوض مثل حجارة التهوية وبالرؤية المجردة يمكن معرفة إن كانت الأمهات وضعت بيضها أم لا، ثم نقوم بفحص الأمهات للتأكد إذا كانت هناك بيوض باقية لم يتم وضعها بالحوض.

وتبقى البيوض المخصبة في الحوض حتى تفقس الذي يستغرق 24 -48 ساعة وفقا لدرجات الحرارة، وبعد الفقس يتم نقل اليرقات إلى أحواض رعاية اليرقات التي يتم فيها التغذية بنفس الطريقة المتبعة في الهامور والسبيطي ولكن لا يتم تغذيتها بالسردين والعومة، حتى تصل إلى الحجم المناسب للطرح.

وذكر مدير المركز أنهم يشجعون الصيادين على فكرة الاستزراع من خلال تزويدهم بالاصبعيات التي يأخذونها ويضعونها في شباك عائمة بالبحر ويتم تغذيتها بشكل يومي وبمتابعة من قبل فنيي المركز، ويستفيد الصياد في حال عدم وجود هذا النوع من السمك في السوق بسبب انتهاء موسم صيده او في حالة وجود رياح شديدة ولا يستطيع الصياد نزول البحر يمكن عرض هذه الأنواع بالسوق بسعر يناسبه كمستزرع.

استزراع أسماك البلطي

تعتبر أسماك البلطي من الأسماك التي تعيش في المياه قليلة الملوحة أي مياه المزارع، وفي هذا الصدد أوضح دكتور الجمالي أن هناك مشروعا لاستزراع البلطي يتم من خلاله العمل بنظام إعادة استخدام الماء عن طريق فلترته بواسطة فلتر بيولوجي مبسط، مشيرا إلى أن المزارعين يمتلكون أحواض مياه يستخدمها لري المزروعات في مزارعهم، ونحن نقترح على المزارع وضع سمك البلطي في حوض المياه.

حيث إن فضلات الأسماك تشكل أسمدة طبيعية للزراعة ، فيزيد بذلك إنتاجه الزراعي كفائدة أولى أما الفائدة الثانية التي يحققها فهي تكاثر الأسماك، وبالتالي يمكن تسويقها وبيعها مما يحقق له مكاسب مادية جيدة ويحقق لنا النجاح في خلق نوع من التوازن في منظومة الأمن الغذائي.

أما عن طريقة استزراع البياح فتوضع أمهات البياح في الأحواض الكبيرة المذكورة أعلاه، وبعد أن تتم عملية التزاوج، تنقل البيوض المخصبة من حوض الأمهات الكبير إلى منطقة القناة المائية والخور، المزروع حوله شجر القرم خلف المركز حيث تفقس البيوض المخصبة في تلك المنطقة الغنية بالأغذية الطبيعية نتيجة لوجود شتلات أشجار القرم ومياه البحر الطبيعية وبذلك تنمو اليرقات بصورة طبيعية.

واختتم دكتور الجمالي حديثه قائلاً بان مشاريع الاستزراع السمكي يمكن أن تدرج ضمن المشروعات التي تدعم وتساند الأمن الغذائي في الدولة ، حيث إنها توفر منتجا غذائيا طازجا ذا قيمة غذائية مرتفعة ومردود اقتصادي عالي، كما أضاف بان مجال الاستزراع المائي هو باب مفتوح للخبرات الوطنية التي يمكن أن تنخرط في هذا المجال.

من جانبها قالت الدكتورة مريم الشناصي مستشار وزير البيئة إن الأسماك ثروة غذائية متجددة، تعمل على تعزيز المخزون الطبيعي من الأسماك في المياه الإقليمية للدولة، ومشروعات الاستزراع السمكي يمكن أن تدرج من ضمن المشروعات التي تدعم وتساند الأمن الغذائي في الدولة .

كما انه باب مفتوح للخبرات الوطنية للانخراط في هذا المجال وجميع المستلزمات متوفرة محليا كما يمكن التحكم في حجم الإنتاج حسب حاجة السوق ورغبات المستهلكين ومعدل الاستهلاك بدولة الإمارات مرتفع إضافة إلى الطلب العالمي المستمر على المنتجات الغذائية البحرية.

حيث تشير الدراسة الصادرة من جامعة الإمارات إلى أن 62% من سكان دولة الإمارات يتناولون المأكولات البحرية بصفة مستمرة يوما بعد يوم وان مواطني الدولة هم أكثر استهلاكا للأسماك مقارنة بالمقيمين حيث يبلغ متوسط استهلاك العائلة للمأكولات البحرية حوالي 50 كيلوجراما في الأسبوع ويعتبر اختصاصيو التغذية المأكولات البحرية أغذية متوازنة من حيث نسبة البروتينات والدهون والمعادن والفيتامينات وهي تساهم في إمداد الجسم باحتياجاته من المواد الغذائية الأساسية.

وأضافت انه لا يوجد أي مشاكل مع الاستزراع السمكي في داخل الأقفاص البحرية حيث اقرب ما تكون الأسماك في بيئاتها البحرية الطبيعية.

وذكرت انه في حالة عدم التقيد بالأعلاف الجيدة وتغذية الأسماك المستزرعة بالعلائق المناسبة أو استخدام مضادات حيوية فانه بالطبع ستنتج بعض المشكلات من تناول الأسماك، ولكن في الغالب فان رائحة الأسماك تتغير ومن الممكن أن يشعر بها الإنسان.

فوائد

قالت مريم الشناصي إن الفيتامينات هي عناصر غذائية عضوية تتواجد في الأطعمة ويحتاجها الجسم لضمان نمو سليم وصحة جيدة فهي مهمة لسلامة الجسم ووقايته من الأمراض؛ وتعمل الفيتامينات على تجدد الخلايا وتساعد في عمليات الهضم وتنظيم الهرمونات. كما تعمل كمساعدات للأنزيمات الخلوية لضمان استمرارية نشاط الخلية. وتحتوي الأسماك على فيتامين )(، فيتامين الرتينول )ء(، فيتامين )( فيتامين )ئ( فيتامين البيوتين )يُُّيَ(ب)) فيتامين )ث).

كما تحتوي الأسماك على المعادن مثل: الكالسيوم المغنيسيوم الفوسفور والبوتاسيوم والصوديوم والكلوريد والزنك والنحاس واليود والحديد والكبريت والسيلنيوم كما ان زيوت السمك والذي يعمل على الوقاية من أمراض القلب والربو والسكتة الدماغية والتهاب المفاصل التي ترافق تقدم العمر وقد ثبت علميا أن زيوت الأسماك تعمل على خفض تركيز كولسترول الدم، وقد أثبتت الأبحاث الفرنسية أن زيوت الأسماك تحمي من الإصابة بالاضطرابات العقلية والمشكلات الإدراكية والعصبية.

آليات نجاح الاستزراع السمكي

تتمثل آليات نجاح الاستزراع في اختيار البيئة المناسبة للاستزراع والخبرة في التحكم ومعالجة الأمراض وتوفير الذريعة واختيار الأنواع المرغوبة للمستهلك مع الأخذ بالاعتبار أن تكون معدلات نموها عالية وتتقبل الأغذية الصناعية ذات التكلفة القليلة وأيضا أن تكون على درجة من المقاومة للأمراض وتتحمل عمليات الاستزراع المختلفة.

موسم تكاثر السبيطي من نهاية يناير إلى فبراير وفي درجة حرارة مياه من 18 - 02 درجة مئوية. الصافي العربي من مارس إلى مايو وفي درجة حرارة من 24-26 الهامور من ابريل إلى مايو وفي درجة حرارة من 25-27 ويبقى السؤال هل يمكن أن يحظى هذا المشروع إذا دخل إطار الحيز التجاري بدعم من رجال الأعمال؟

الشارقة ـ نورا الأمير