نعلم أن الحياة يمكن أن تبدأ مرة ثانية.. وربما ثالثة... عندما نقرر لها ذلك دون النظر إلى أي معوقات أخرى يمكن أن تقف أمام الانطلاقة نحو أفق جديد.. كيف نجد أنفسنا في علاقتنا مع الحياة الجديدة دون اعتبار إلى شهادات الميلاد؟
فكثير من الأشخاص لا يحب أن يقال عنه إنه وصل نهاية الطريق، لأن ذلك يعني جمود التفاعل والتجربة مع الحياة، لكن هذا الأمر عند الشعراء عكس ذلك لأنهم عشاق الآفاق المفتوحة والإبداع والسعي نحو التغيير دائما، وبالواقع إذا كانت خبرة الحياة هي رصيد للوقار والأفكار، فهي تلاحقنا جميعاً لذا علينا وإن غزا رؤوسنا الثلج الأبيض، أن نتعلم فن التعايش مع راحة البال، ونعطي كل ساعة فرحة خاصة، إذا التقينا بأحفادنا أصبحنا منهم، وإذا رأينا أصدقاءنا ضحكنا معهم على ذكريات قديمة.
ونموذج «حصاد العمر» الذي نعرضه اليوم هو دلالة على ربيع عمر متجدد، يدعو إلى الراحة بعد عناء طويل، وذلك من خلال لمعان ينعكس من عينين وروح عاشقتين للحياة.
واليوم نتعرف على حياة وحكمة نموذج جديد قدم خدمات إنسانية جليلة في مستشفيات دائرة الصحة والخدمات الطبية تهدف إلى تخفيف الألم ومعاناة المرضى وهو الدكتور سيد جعفر سيد وكان هذا الحوار:
كيف بدأت حياتك العملية؟
في عام 1970 تخرجت من كلية الطب بجامعة القاهرة، ومعي أربعة مواطنين وكنا أول من درس الطب في الدولة بعد الدكتور سعود كايد الذي سبقنا بسنة دراسية، وزملائي الذين درسوا معي الدكتور عبدالله الخياط، وميرزا الصايغ، وعبد الغني حبيب، وجمعة خلفان، وفي عام 1972 تعينت في مستشفى المكتوم التابع لدائرة الصحة وعملت بقسم الجراحة، وعندما افتتح مستشفى راشد في 1973 انتقلت للعمل هناك وأذكر عندما دخلت المستشفى ورأيت كبر حجمه ذهلت وتساءلت لمن كل هذه الأَّسرة وهل يوجد مرضى بعددها، لكن بعد ستة أشهر لم نجد ولا سرير فارغ لاستقبال مرضى جدد.
ما هي طبيعة العمل؟ وما هي الوظائف التي تدرجت فيها؟
في البداية عملت طبيبا عاما في قسم الجراحة، ومن ثم ذهبت إلى لندن على حساب دائرة الصحة ودرست سنتين وحصلت على شهادة الزمالة الملكية وكنت أول مواطن يحصل على هذه الشهادة، وعدت لمستشفى راشد بمنصب استشاري في قسم الجراحة، وبعدها أصبحت مدير القسم، وأنشأت قسم المسالك البولية، وفي 1983 افتتح مستشفى دبي فانتقلت إليه وأصبحت مديراً للمستشفى واستمريت بالمنصب لغاية آخر يوم عمل لي وتقاعدت منه بعد خدمة 34 عاماً في دائرة الصحة منها 25 سنة في مستشفى دبي.
كيف تنظر إلى طبيعة عملك، وما وصلت إليه؟
أنا فخور جداً بطبيعة عملي ومرتاح جداً لما وصلت إليه وقدمته من خدمات إنسانية تهدف إلى إنقاذ حياة الآخرين، بالإضافة إلى أن عملي سمح لي لأكون رئيس أكثر من 25 لجنة في الدائرة، واللجنة السجلات الطبية هي أكثر لجنة أعتز بتأسيها والانضمام إليها، لأنه من خلالها استطعنا إيجاد الملفات وترتيب مواعيد المرضى وتصنيف حالتهم الطبية، وبعدها طورنا العمل من اليدوي إلى الالكتروني وأدخلنا جميع معلومات الملفات على الكمبيوتر، وأذكر أني اجتمعت أكثر من 1139 اجتماعا مع أفراد لجنة السجلات.
هل حققت الأهداف المرجوة من عملك؟
قررت دراسة الطب منذ الصغر ودفعني لهذا معاناة أهلينا عندما كنا نمرض، ففرصة إيجاد طبيب مواطن أو عربي في الدولة سابقاً كانت شبه معدومة، وهذا أهم هدف كان بالنسبة لي وحققته.
صف أول وآخر يوم عمل لك؟
أول يوم دخلت المستشفى وكنت فخوراً بنفسي لأني عدت للوطن لأخدمه، لكن أول مشكلة صدفتنا كأطباء مواطنين عدم ثقة المرضى بنا، لأن وجود طبيب مواطن لهم غير مألوف، لكن سرعان ما تغيرت هذه الفكرة والنظرة، وهذا بفضل عملنا.
أما آخر يوم كنت حزينا جداً ولم أرد التقاعد، لكن هذه الدنيا فلكل «زمن دولة ورجال» لذا جاء الوقت ليحل أحد مكاني ويكمل المشوار.
بعد سنوات عمل طويلة ما الحكمة التي خرجت بها؟
أن يخدم الإنسان وطنه بإخلاص دون أن ينتظر جملة شكر من أحد، وأن يكون صادقا مع نفسه ومع عمله ويكون نموذجا مشرفا يحتذي به الكل خاصة إذا كان بمنصب قيادي.
هل لك أن تلخص لنا خبرة 34 عاما في جملة واحدة؟
الله يطيل عمر حكومتنا، كل ما وصلت إليه هو بفضلها، لأن كل ما وصلت إليه من خبرة كان بدعم من القائمين عليها كما أنها منحتني فرصة قيمة لأطور من نفسي وعملي.
ما الفائدة الثقافية أو الاجتماعية التي خرجت بها؟
الفوائد التي حصلت عليها نتيجة العمل لا تحصى، فأنا تخصصت على حساب دائرة الصحة وأخذت دورات داخلية وخارجية، أما من الناحية الاجتماعية فعملي سمح لي أن أكن رئيس أكثر من لجنة محلية، وعضوا بأكثر من رابطة دولية ومنها رابطة الجراحين الإنجليزية للمسالك البولية والأمراض النسائية، وأحد مؤسسي البورد العربي قسم الجراحة وجمعية طب الإمارات، بالإضافة إلى أني امتحن طلبة البورد، وشاركت بأكثر من 125 مؤتمرا سنويا.
ماذا تنصح الموظفين الجدد؟
أنصح المواطنين التغلغل بالعمل الميداني وعدم النظر للعمل المكتبي وانتظاره، لأن العمل الميداني أفضل ويطور قدرات الإنسان ويعزز علاقاته مع أفراد المجتمع كافة.
ما هي أصعب المواقف التي تعرضت لها بالعمل، وكيف تعاملت معها؟
عندما درسنا بمصر تعلمنا كيفية التشخيص بطريقة علمية فقط، لكن عندما ذهبت إلى لندن اكتشفت أن الأطباء يحاولون فهم المريض وحالته النفسية، لأنها تؤثر جداً في نتائج العلاج، لذا أول ما بدأت دراسة البورد في لندن كنت أحس بنفسي جاهلا بفهم حالة المريض، وكان جميع الأطباء أفضل مني بكثير، لكن هذا لم يدم فترة طويلة فأنا تعبت على نفسي جداً وطورت إحساسي بالمرضى، ولم أرض أن أبقى جاهلاً أو أشعر بالنقص، خاصة وأن جميع زملائي يعرفون كيف يفهمون حالة المريض النفسية وأنا لا.
وأجملها؟
تكريم سمو الشيخ حمدان بن راشد لي، وكذلك منحي جائزة الشيخ حمدان للعلوم الطبية قبل ثلاث سنوات تقديراً على الخدمات التي قدمتها.
ما هو أصعب قرار اتخذته في حياتك العملية؟
سنة كاملة وأنا أفكر بالتقاعد، وعندما بدأت بتنفيذ القرار كان أصعب قرار اتخذته بحياتي العملية، لأنه عز علي جداً ترك دائرة الصحة ومستشفى دبي.
لو عاد الزمن للوراء هل تختار الوظيفة نفسها، وماذا تتمنى أن يتغير؟
نعم، وأتمنى أن تكرر لي الظروف والفرص نفسها، لأستغلها بالطريقة أفضل وأستطع من خلالها خدمة أكبر عدد من المرضى.
كيف ينظر أبناؤك إلى طبيعة عملك؟
يقدرون عملي بطريقة رائعة جداً وأكبر دليل أن لدي ثلاث بنات وولداً، وجميع بناتي قررن الاستفادة من خبرتي ودرسن الطب، وابني مهندس.
ما هي خططك المستقبلية للعمل؟ وما هي أولوياتك؟
قبل 24 سنة أنشأت عيادة المتخصصين الطبية، وبعد فترة طورتها وأصبحت مركزا وأنا الآن وبعد التقاعد حدثت المركز وتفرغت للعمل به.
هل تعتقد أنك تلقى التقدير الذي تستحقه من المجتمع وأصدقائك؟
نعم، وهذا إحساس رائع ولا يقدر بثمن، كما أن اهتمام الدولة بي وتكريم سمو الشيخ حمدان لي دليل على هذا التقدير.
أصعب قرار
التقاعد بعد 34 سنة عمل
قال الدكتور سيد جعفر إنه يفكر بالتقاعد منذ أكثر من سنة، وعندما بدأت بتنفيذ القرار كان أصعب قرار اتخذته بحياتي العملية، لأنه عز علي جداً ترك دائرة الصحة ومستشفى دبي.
وأضاف: أنصح المواطنين التغلغل بالعمل الميداني وعدم النظر للعمل المكتبي وانتظاره، لأن العمل الميداني أفضل، ويطور قدرات الإنسان، ويعزز علاقاته مع أفراد المجتمع كافة.
وقال د. سيد جعفر: على الإنسان أن يخدم وطنه بإخلاص دون أن ينتظر جملة شكر من أحد، وأن يكون صادقاً مع ذاته ومع عمله، ويكون نموذجاً مشرفاً يحتذي به الجميع، وبخاصة إذا كان في منصب قيادي.
سمانا النصيرات
