تشكل الزيارة المرتقبة لوزيرة الخارجية الأميركية كوندوليزا رايس إلى ليبيا اليوم في مستهل جولة بالمغرب العربي خطوة جوهرية في طبيعة العلاقات الأميركية الليبية، ويؤمل أن تنهي مسيرة نصف قرن من التوتر والعلاقات المعقدة بين الطرفين.

ففي العام 1951 ساندت الولايات المتحدة بقوة قرار الأمم المتحدة الاعتراف باستقلال مملكة ليبيا وافتتحت أول قنصلية عامة في طرابلس وبالمثل ليبيا في واشنطن وفي 1954 رفع البلدان علاقاتهما إلى مستوى سفراء وتم افتتاح بعثات دبلوماسية في العاصمتين لرعاية المصالح، خاصة وأن للولايات المتحدة الأميركية قاعدة جوية في الأراضي الليبية.

إضافة إلى الامتيازات النفطية المغرية التي أسالت لعاب الشركات، إلا أن هذا الود الذي ساد العلاقات زمن الملك إدريس السنوسي لم يعد كما هو عليه إبان الثورة التي قادها العقيد معمر القذافي مع عدد من ضباط الجيش لا تتعدى اعمار أكبرهم آنذاك 28 سنة.

فالمزاج الأميركي تعكر تجاه ليبيا الثورة بسبب مواقفها القومية وشعاراتها المعادية لأميركا وبدت واشنطن تنظر بعين الريبة لنظام يتبنى النهج الناصري ويعادي ما تصفه الدول العربية والإفريقية المعتدلة، فالسياسات التي تبنتها الثورة الليبية منذ قيامها مثل اتجاهها القومي المغامر لتحقيق الوحدة العربية، وإجلاء القواعد البريطانية في 28 مارس 1970 والأميركية في 11 يونيو1970.

وتأميم شركات النفط العام 1973 واستخدامه سلاحا في وجه الولايات المتحدة بسبب الحرب العربية الإسرائيلية، وبسط السيطرة للحكومة على جميع المصادر والتلويح بشعارات مناهضة للهيمنة الإمبريالية متمثلة في بريطانيا وأميركا تحديدا، وتقديم الدعم السخي للحركات المسلحة وحركات التحرر في العالم الثالث وتحديدا إفريقيا وأميركا اللاتينية، كل ذلك اعتبرته الولايات المتحدة تهديداً لمصالحها وسياستها في المنطقة، وخطراً يجب إيقافه.

وقد بدأت نذر المواجهة فعليا بإعلان ليبيا في العاشر من أكتوبر 1973 مد مياهها الإقليمية لتغطي خليج سرت بالكامل وهو ما اعتبرته الولايات المتحدة استفزازا مباشرا لتحركاتها في البحر الأبيض المتوسط، وما أعقبه من حملات إعلامية وخطابات ثورية قوية تنادي بهزيمة أميركا في أعقاب الحرب العربية الإسرائيلية وتوقيع مصر لاتفاقية كامب ديفيد التي هاجمها العقيد القذافي بشدة وأطلق عليها تسميته الشهيرة «إسطبل ديفيد».

اعتبرت الولايات المتحدة ليبيا آنذاك داعما للإرهاب وخفضت من مستوى تمثيلها الدبلوماسي في طرابلس التي بلغت جبهة الرفض الأميركي فيها حدود خروج التظاهرات العارمة التي أحرقت في ديسمبر 1979، مقر السفارة الأميركية، لترد واشنطن بطرد أربعة من الدبلوماسيين الليبيين لديها ليبلغ التوتر ذروته في مايو 1981 بإغلاق السفارة الليبية في واشنطن لتتجاوز العلاقة حدود الاتهامات.

والحملات الكلامية إلى أول احتكاك عسكري سجله الأسطول الأميركي السادس الذي دخلت قطعاته البحرية خليج سرت ونجحت طائراته في إسقاط طائرتين ليبيتين، وأعقب ذلك في ديسمبر طلب الرئيس ريغان من الأميركيين المقيمين في ليبيا مغادرتها في أعقاب حادث مطار روما وفيينا، قررت واشنطن في ديسمبر 1985 تجميد 5. 2 مليار دولار من الأموال الليبية في أميركا.

وهو ما رد عليه العقيد الليبي بالإعلان عن عزمه تدريب فدائيين لشن هجمات انتحارية ضد المصالح الأميركية في العالم ليبلغ التوتر أوجه بإعلان الولايات عن انتهاء ليبيا من تجهيز قواعد صواريخ سام خمسة روسية الصنع موجهة ضد التحركات الأميركية في المتوسط إلى تنفيذ غارات أميركية على مدينتي طرابلس وبنغازي، في 15 أبريل 1986، تلا ذلك فرض أوروبا وأميركا الحظر على ليبيا.

ثم كانت حادثة تفجير طائرة «البانام» الأميركية فوق بلدة لوكربي الأسكتلندية في ديسمبر 1988 بمثابة الهبة الإلهية للإدارة الأميركية للعداء لتعلن واشنطن على الفور بدء التحقيق وعزمها الثأر من مرتكبي العملية ومن يقف وراءهم. وفي 15 نوفمبر 1991، اتهمت ليبيا بشكل مباشر، بأنها وراء الحادث.

ليبدأ فصل جديد في مسار المواجهة وبلغة الإدارة الأميركية وقت المحاسبة وأصدرت الولايات المتحدة وإنجلترا، بيانا أيدته فرنسا، يُطالب ليبيا بتسليم مواطنين ليبيين، لاتهامهم بارتكاب حادث لوكربي. وجاء قرار مجلس الأمن رقم 748 بتاريخ 31 مارس 1992 ليفرض حظرا جويا على ليبيا ويتهمها بالإرهاب كما حملها المجلس مسؤولية العملية وطالبها بتعويض عائلات الضحايا وهي الفترة التي عانت فيها ليبيا عزلة دولية عمق منها التزام الدول العربية بقرارات مجلس الأمن.

ليجد العقيد القذافي في الدول الإفريقية المساند الوحيد، وبالتالي بدا مشروعه الإفريقي في التشكل، ليصل إلى صيغته الحالية وهي الاتحاد الإفريقي الذي يعد حلما لدى العقيد، وبعد تفجيرات الحادي عشر من سبتمبر، بدا كما لو أن العقيد الليبي قد استوعب قبل غيره مفردات المرحلة وتنبه لطور جديد من العلاقات الدولية.

وبعد جهود مضنية ووساطات إقليمية ساهمت فيها كل من المملكة العربية السعودية وتونس والزعيم الإفريقي نيلسن مانديلا تم في 12 سبتمبر 2003 رفع الحظر المفروض من قبل مجلس الأمن بعد إقرار ليبيا بمسؤوليتها عن عملية تفجير طائرة لوكربي واستعدادها لتسليم المتهمين ودفع التعويضات لأهالي الضحايا الأميركيين .

وفي 19 ديسمبر 2003 أعلنت ليبيا بشكل طوعي تفكيك برنامجها النووي والكيميائي بالتعاون مع الولايات المتحدة وبريطانيا وتعهدت بعدم امتلاك صواريخ تتعدى 300 كم والسماح لبريطانيا وأميركا ووكالة الطاقة النووية بتفتيش منشآتها كما وقعت على اتفاقية حظر الأسلحة الكيماوية وبعد هذه الخطوة شرعت الولايات المتحدة في التقدم ببطء لتجاوز الماضي مع ليبيا .

وفي 20 سبتمبر 2004 وقع الرئيس بوش أمرا يقضي بإزالة اسم ليبيا من لائحة الإرهاب ورفع الحظر الاقتصادي على طرابلس وتم إيفاد دبلوماسيين أميركيين لأول مرة منذ الثمانينات في 8 فبراير 2004 وفي يونيو 2004 تمت ترقية البعثة إلى مكتب ارتباط ومن ثمة إلى سفارة في 31 مايو 2006 .

وفي 15 مايو 2006 أعلنت الخارجية الأميركية رفع اسم لبيبا نهائيا من لائحة الدول الراعية للإرهاب وفي شهر يوليو 2007 عين الرئيس جورج بوش السفير جين كريتز سفيرا لواشنطن لدى طرابلس لتعود الحياة إلى شريان العلاقات السياسية التي تجمدت الدماء في عروقه منذ أربعة عقود.