زيارة كوندوليزا رايس إلى ليبيا تنهي حقبة من التوتر بين البلدين امتدت على مدى اربعة عقود، هي عمر ثورة الفاتح من سبتمبر التي قادها الزعيم الليبي معمر القذافي، والتي كانت فيها الولايات المتحدة «هدفا» ثوريا من أهداف الثورة التي جاءت كما تقول مرجعياتها التي صاغها قائدها لتحرير الشعوب المقهورة من قوى الاستكبار العالمي والامبريالية ورمزها أميركا.

من هنا كانت خطابات القائد تشدد على لغة المواجهة والصدام مع أميركا وهو الخطاب الذي دفعت ليبيا ثمنه غاليا، بلغ في مناسبات عديدة ذروة المواجهة العسكرية على غرار الضربة الجوية الأميركية لطرابلس وبنغازي والحصار الدولي الذي دفعت في اتجاهه بقوة الولايات المتحدة لتبقي ليبيا خارج الزمن نحو عقد كامل.

تغيرت الظروف والمعطيات وأدركت ليبيا الثورة أنه لا نداءات الوحدة العربية التي تحمس لها قائد الثورة طويلا ولا مناصرة الشعوب المقهورة من شأنها أن تمنح ليبيا الاستقرار والنمو الطبيعي لبلد يمتلك مقدراتها الجيوإستراتيجية، وفي زمن الفضاء المفتوح وهيمنة الاقتصاد الحرّ تتهاوى النظريات وتتداعى معها شعارات الثورة ليحل محلها منطق براغماتي، يقرأ الواقع في سياقه الطبيعي وفق ظروف ليبيا اليوم.

ومن هنا قد يذهب البعض وهم كثر وفي ليبيا تحديدا إلى اعتبار الثورة قد نكصت على عقبيها، وفي ذلك نصف الحقيقة فقط، فبقدر ما توجد أصوات إصلاحية في ليبيا تتطلع إلى العبور إلى مرحلة الدولة بعد شيخوخة الثورة يتمسك فريق ثان وهو الذي ترعرع ونشأ على شعاراتها بالطرح القديم مشككا في هذا التمشي، وهذا الانقسام يشكل في دوائر القرار الأميركي مبعث قلق.

ففي أميركيا لا تزال طائفة من أعضاء الكونغرس ترى في الانفتاح الليبي مناورة لالتقاط الأنفاس فحسب وتنظر إلى القوى «الثورية» كحاجز قوي يحول دون عودة ليبيا بالكامل إلى الواقعية السياسية التي تحكم عالم اليوم.

محمد الهادي الحناشي : mohannachi@gmail.com