بدا أن الخلاف على معالجة ملفات العلاقة مع إيران شغلت حيزاً كبيراً من مداولات وزراء خارجية مجلس التعاون الخليجي الذين أنهوا أعمالهم فجر أمس في مدينة جدة، إذ تسرب أن مسألة دعوة إيران إلى القمة الخليجية المقبلة كانت محل جدل لم يحسم وأحيل أمره إلى القادة، وسط إدانة الإجراءات الإيرانية الأخيرة في جزيرة أبوموسى..

في حين قرر الوزراء الخارجية، بمشاركة سمو الشيخ عبدالله بن زايد وزير الخارجية، تتويج التقارب الخليجي التركي بتشكيل لجان عمل مشتركة في مختلف المجالات، ترفع توصياتها إلى الاجتماعات الدورية للوزراء التي ستعقد سنوياً بالتناوب في دولة الرئاسة لدول مجلس التعاون وفي تركيا، في الوقت الذي نفى فيه رئيس الوزراء القطري حمد بن جاسم أن يكون الاتفاق بهدف «إثبات التوازن الإقليمي». تركيا الحليف الجديدوكان المجلس توج تقاربه مع تركيا بتوقيع مذكرة تفاهم للحوار الاستراتيجي أول من أمس مع وزير الخارجية التركي علي باباجان.واعتبر رئيس الحكومة القطرية حمد بن جاسم التوقيع «خطوة على طريق العلاقات الإستراتيجية المحورية» بين دول مجلس التعاون وتركيا.

وفي ما بدا أنه محاولة لتهدئة المخاوف الإيرانية، أوضح بن جاسم أن هذا التقارب «ليس له علاقة بمسألة ميزان القوى في المنطقة» وأنه ليس لإثبات التوازن الإقليمي، فالتعاون مع تركيا مهم ونتمنى أن نصل إلى توقيع مثل هذه المذكرة مع إيران».

وأشار إلى أن الاجتماع المشترك مع وزير الخارجية التركي يعكس عمق العلاقات بين مجلس التعاون وتركيا ويأتي في إطار التنسيق والتشاور وتبادل الرأي بشأن القضايا الإقليمية والدولية ذات الاهتمام.

يذكر أن مذكرة التفاهم تشمل العلاقات الاستراتيجية سياسياً ودفاعياً واقتصادياً، واقترح دعا وزير الخارجية التركي علي باباجان بعد توقيعها عقد اجتماع سنوي دوري بين وزراء خارجية دول الخليج وتركيا، في سبيل الوصول إلى أهداف أكبر تتضمن إبرام اتفاقية التجارة الحرة المتواصلة مباحثاتها بين تركيا ومجلس التعاون خلال المستقبل القريب.

وبالفعل، أشار بيان وزراء الخارجية إلى أنه تقرر تشكيل لجان عمل مشتركة بين المجلس وتركيا في مختلف المجالات، ورفع توصيات هذه اللجان إلى الاجتماعات الدورية للوزراء والتي ستعقد سنوياً بالتناوب في دولة الرئاسة لدول المجلس التعاون، وفي الجهورية التركية، مؤكداً أن المذكرة تهدف التنسيق والتشاور في مجمل القضايا السياسية والإقليمية والدولية، وتعزيز التعاون في مختلف المجالات الاقتصادية والتجارية والاستثمارية والدفاعية والأمنية والثقافية في الطاقة.

ملف إيران: جدل لم يحسم

وفي الشأن الإيراني الذي كان حاضراً على أكثر من صعيد خلال اجتماع وزراء الخارجية، نفى رئيس الوزراء القطري وزير الخارجية الشيخ حمد بن جاسم آل ثاني أن تكون بلاده وجهت دعوة إلى طهران لحضور القمة الخليجية المقبلة في مسقط، وأكد أن أمير قطر الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني اقترح خلال زيارته الأخيرة للعاصمة الإيرانية عقد حوار مباشر بين إيران ودول مجلس التعاون الخليجي، انطلاقاً من ضرورة «ان يكون هناك تفاهم بين إيران ودول مجلس التعاون» لبحث سبل التفاهم حول القضايا التي تهم المنطقة.

وأوضح أن الاقتراح القطري لم يكن يعني عقد هذا اللقاء الحواري خلال القمة الخليجية، على اعتبار أن للقمة «مواضيعها وأجندتها»، مضيفاً أن «اللقاء الايراني الخليجي الذي اقترحه امير قطر على مستوى القمة او غير القمة هي فكرة ندرسها مع اصحاب الجلالة والسمو قادة دول مجلس التعاون وهي تحتاج الى اجماع خليجي واتفاق القادة عليها لأن هدفها ان نتكلم مع ايران وجها لوجه لحلحلة الامور والعمل على استتباب الاستقرار في المنطقة».

ونقلت وكالة «فرانس برس» عن مسؤول خليجي شارك في الاجتماع الوزاري قوله إن وزراء خارجية الدول الست «بحثوا الاقتراح القطري ولكنهم لم يتفقوا على قرار بشأنه بانتظار ان يتم التشاور خليجيا على مستوى القادة».

ودان البيان الختامي لاجتماع وزراء خارجية التعاون بحضور سمو الشيخ عبد الله بن زايد آل نهيان وزير الخارجية، الذي صدر فجر أمس «قيام ايران بفتح مكتبين إداريين في جزيرة ابو موسى»، وطالب «بازالة هذه الانشاءات ».

وأكد سيادة الإمارات على جزرها الثلاث: طنب الكبرى وطنب الصغرى وأبوموسى، وعلى المياه الإقليمية، والإقليم الجوي، والجرف القاري، والمنطقة الاقتصادية الخالصة، وأسف لعدم إحراز الاتصالات مع إيران أية نتائج إيجابية، من شأنها التوصل إلى حل قضية الجزر الثلاث، مما يُسهم في تعزيز أمن واستقرار المنطقة، كما دعا للنظر في كافة الوسائل السلمية التي تؤدي إلى إعادة حق دولة الإمارات في جزرها الثلاث.

وحض طهران على الاستجابة للمساعي والدعوات الصادقة لدولة الإمارات لحل القضية عن طريق المفاوضات مباشرة أو اللجوء إلى محكمة العدل الدولية.

إلا أن البيان أشاد بالزيارة «المهمة» التي قام بها أمير دولة قطر، رئيس الدورة الحالية للمجلس الأعلى لمجلس التعاون الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني، إلى إيران واعتبرها بادرة حسن نية وإدراكاً لأهمية الحوار الهادف لبناء الثقة، وتعزيز العلاقات بين دول المجلس وإيران، في كافة المجالات، وبما يخدم الأمن والاستقرار في المنطقة.

كما كان الملف النووي حاضراً بقوة في اجتماعات مجلس وزراء الخارجية الذي أكد على أهمية الالتزام بمبادئ الشرعية الدولية، وحل النزاعات بالطرق السلمية، ورحب بالمشاورات الجارية حالياً إيران والدول الغربية، وعبر عن أمله في أن يتم التوصل إلى تسوية سلمية دبلوماسية، وبما يعزز الاستقرار الإقليمي والدولي. وجدد المطالبة بجعل منطقة الشرق الأوسط، بما فيها منطقة الخليج، خالية من كافة أسلحة الدمار الشامل، مع الإقرار بحق دول المنطقة بامتلاك تقنية نووية للاستخدامات السلمية، وفي إطار الاتفاقات الدولية ذات الصلة.

ملفات عربية

وفي الشأن العراقي أكد المجلس الوزاري على مواقفه الثابتة بشأن احترام وحدة العراق وسيادته واستقلاله، وعدم التدخل في شؤونه الداخلية، كما أكد على أن تحقيق الأمن والاستقرار يتطلب الإسراع في تحقيق المصالحة الوطنية العراقية لإنجاح العملية السياسية الشاملة والتي يجب أن تستقطب جميع أبناء الشعب العراقي بدون استثناء.

وحض المجلس الأمم المتحدة، والجهات المعنية الأخرى، على الاستمرار في جهودها لإنهاء موضوعي إعادة الأرشيف الوطني لدولة الكويت، والتعرف على مصير من تبقى من الأسرى والمفقودين، من مواطني دولة الكويت، وغيرهم من مواطني الدول الأخرى.

وبشأن عملية السلام في الشرق الأوسط، أكد المجلس الوزاري على التذكير بمواقفه الثابتة، على حرمة وقدسية المسجد الأقصى، والتصدي للمحاولات الإسرائيلية المستمرة لهدم الأقصى، وتغيير المعالم العربية والإسلامية في مدينة القدس، وإزالة وطمس آثارها العربية والإسلامية والمسيحية، وتهويد المعالم الدينية للمدينة. وعبَّر عن استنكاره للصمت الدولي تجاه ما تقوم به إسرائيل من عبث في تراث المدينة المقدسة وإجراءات ضمها وتهويدها.

وطالب بوقف إسرائيل الفوري لعمليات الاستيطان، وإزالة الجدار العازل، في الأراضي الفلسطينية المحتلة، وإنهاء الحصار الجائر على قطاع غزة، والكف عن تحديات المجتمع الدولي، ووضع العراقيل في طريق جهود السلام. وحث المجلس المجتمع الدولي على حمل إسرائيل على الالتزام بأسس ومرتكزات قرارات الشرعية الدولية، ومُبادرة السلام العربية، وخطة خارطة الطريق، لإقامة الدولة الفلسطينية المستقلة وعاصمتها القدس الشريف.

ورغم التوتر في العلاقات السعودية السورية، إلا أن بيان المجلس أعرب عن تأييده لاستئناف محادثات السلام السورية الإسرائيلية، تحت رعاية الجمهورية التركية، وطالب بانسحاب إسرائيل إلى خط السادس من يونيو 1967، وبقية الأراضي اللبنانية المحتلة، ورحب بقيام الرئيس اللبناني ميشيل سليمان بزيارة سوريا، وما أثمرت عنه الزيارة من نتائج إيجابية، والاتفاق على إقامة علاقات دبلوماسية بين البلدين الشقيقين.

كما دعا المجلس الفلسطينيين إلى تغليب المصالح الوطنية العليا للشعب الفلسطيني، وتحقيق الوحدة الوطنية، مؤكداً حرص دول المجلس، وتأييدها للحوار والمصالحة، ولكافة الجهود التي تُبذل في هذا الشأن.

ارتياح للتعاون الأمني

استعرض المجلس الوزاري مذكرة الأمانة العامة حول مسار التنسيق والتعاون الأمني، في فترة ما بين الدورتين، وأبدى ارتياحه لمستوى التنسيق والتعاون الأمني بين الأجهزة الأمنية في الدول الأعضاء، كما اطلع على ما تم تحقيق في مجال التعاون العسكري والدفاع المشترك. وأكد المجلس مُجدداً على مواقفه التي تنبذ ظاهرة الإرهاب «الخطيرة والمتنامية».

وجدد دعمه لكل جهد إقليمي ودولي يحقق في موجهتها. كما أشاد بكفاءة الأجهزة الأمنية في المملكة العربية السعودية، وقدرتها الاستباقية في إحباط مخططات الخلايا والعناصر الإرهابية، مؤكداً دعم دول المجلس للإجراءات التي تتخذها «لرصد وملاحقة هذه الخلايا، والعناصر الضالة».

المجلس بحث ملف الاستخدام السلمي للطاقة النووية

اطلع المجلس الوزاري لدول الخليج على تقرير متابعة الأمانة العامة مع الدول الأعضاء، لقرارات المجلس الأعلى في مجال استخدام الطاقة النووية للأغراض السلمية، في إطار استعراضه محاضر عدد من اللجان الوزارية التي عقدت خلال الأشهر الأربعة الماضية، وما تضمنته من قرارات وتوصيات.

كما اطلع على نتائج الاجتماع السادس والسبعين للجنة التعاون المالي والاقتصادي، والاجتماع الثامن عشر للجنة الوزارية للتخطيط والتنمية، وتقرير اللجنة بشأن ما تم تحقيقه من أهداف إستراتيجية التنمية الشاملة بعيدة المدى (2000-2025)، والاجتماع السابع عشر للجنة الوزارية للبريد والاتصالات وتقنية المعلومات، والاجتماع الثامن والثلاثين للجنة التعاون التجاري، والاجتماعات 25 و26 و27 للجنة التعاون الصناعي، والاجتماع التاسع عشر للجنة التعاون الزراعي، كما اطلع المجلس على تقرير مرفوع من الأمانة العامة عن نتائج دراسة مشروع الربط المائي.

وفي إطار التعاون بين مجلس التعاون، والجمهورية اليمنية، اعتمد المجلس محضر الاجتماع السابع للجنة الفنية المشتركة لتحديد الاحتياجات التنموية لليمن، واطلع على تقرير الأمانة العامة حول ما تم إحرازه من تقدم في هذا الشأن. وعبر المجلس عن ترحيبه بالخطوات التي اتخذتها الجمهورية اليمنية لتنفيذ خطة التنمية في اليمن.

تركيا وإسرائيل

أوضح رئيس الوزراء القطري وزير الخارجية حمد بن جاسم بن جبر، ردا على سؤال حول تأثير وجود علاقات بين تركيا وإسرائيل والمناورات العسكرية المشتركة بينهما، أن أي مناورات عسكرية تركية إسرائيلية «لا نعتقد أنها موجهة ضد المنطقة الخليجية».

كما اعتبر أن «علاقات تركيا مع إسرائيل ستكون مفيدة لتحقيق السلام في الشرق الأوسط ونحن رأينا الدور التركي في مفاوضات غير مباشرة بين سوريا وإسرائيل». من جهته، دعا باباجان إلى تعاون سياسي واقتصادي وعسكري وأمني لأن تركيا تعطي أهمية لاستقرار دول الخليج.

ودعا الوزير التركي إلى «وضع آلية للحوار لتطوير العلاقات الإستراتيجية»، واقترح عقد اجتماع سنوي دوري بين وزراء خارجية دول الخليج وتركيا. وقال ان اجتماعا آخر سيجمعه بوزراء الخارجية الخليجيين في تركيا خلال الربيع المقبل.

حوار الأديان

ثمَّن المجلس الوزاري الخليجي الجهود التي بذلها خادم الحرمين الشريفين الملك عبدالله بن عبدالعزيز لعقد «المؤتمر العالمي للحوار» الذي عُقد خلال الفترة من 16 إلى 18 يوليو 2008 في مدريد من أجل تفعيل الحوار بين الأديان والثقافات، وبما يخدم الوئام والسلام بين كافة شعوب العالم، بمختلف معتقداتهم، وحضاراتهم، وثقافاتهم.

كما عبَّر المجلس عن تقديره وتأييده للمعاني السامية التي تضمنتها كلمة خادم الحرمين الشريفين الداعية لاحترام الاختلاف بين الأديان والعمل من أجل السلام العادل، ونبذ التعصب والعنصرية، والتركيز على القيم الإنسانية المشتركة، لمواجهة الظلم والحروب. كما أشاد المجلس بالنتائج الإيجابية، الهادفة إلى توفير وتعزيز مستقبل آمن للإنسانية جمعاء، كما رحب المجلس الوزاري بعقد دورة خاصة للجمعية العامة للأمم المتحدة لمؤازرة بيان مدريد حول المؤتمر العالمي للحوار.

جدة ـ عبدالنبي شاهين