«الوضع كارثي»، و«نصف الشعب الصومالي» مهدد بالموت جوعاً.. هذه هي الرسالة التي حمّلها المبعوث الخاص للأمين العام للأمم المتحدة للشؤون الإنسانية عبدالعزيز محمد الركبان لـ «البيان» في حوار مطول ركز على الأوضاع الإنسانية المتردية في عدد من بقاع العالم، والتي تطال نحو 850 مليون شخص، وتبدأ من موريتانيا في الغرب حتى ميانمار في الشرق مروراً بالصومال ودارفور وفلسطين حيث الحصار الجائر على 5. 1 مليون فلسطيني في قطاع غزة، فالعراق، وأفغانستان.. وغيره. كما بيّن مأساوية الوضع في قطاع غزة.

وقرع الركبان جرس إنذار من كارثة محدقة بالقرن الإفريقي جراء الجفاف. وأكد على أن رقم الـ 2. 3 ملايين صومالي الذين أشار إلى مخاطر تعرضهم للموت في حال تأخر توفير المساعدات لهم «حقيقي» لا مبالغة فيه. وشدد على أن الوضع الإنساني في ذلك البلد الذي تمزقه الحروب الأهلية «متدهور وخطير» ونصف الشعب الصومالي بحاجة إلى إغاثة عاجلة. وأشار إلى أن هناك 1. 1 مليون شخص هجروا من مناطق سكناهم خلال العام الحالي فقط، «وهذه مأساة كبيرة».

«هل النزاع في الصومال منسي؟» سألت «البيان» فرد عبدالعزيز الركبان، وهو أول عربي يحتل هذا المنصب الدولي الرفيع، بالدفاع عن الأمم المتحدة وتدخلها الإنساني في مناطق النكبات.. وشدد على أنها تضطلع بمسؤولياتها في بيئة خطرة مشيراً إلى مقتل 23 من موظفيها خلال العام الجاري، وشدد على أن «الأمم المتحدة تعمل بقوة في الصومال، ولولا الأمم المتحدة لما عرف العالم ما يدور هناك من مآس». وأكد على أن «التهديد لن يوقفنا.. سنستمر في مد يد العون لأن هذا عمل إنساني نبيل».

غزة حاضرة : في الحوار ذي الشجون بين «البيان» والركبان حضرت غزة وأوضاعها غير الإنسانية، وهو كان قلباً وقالباً ضد الوضع القائم هناك، وشدد على أنه «يجب أن نتوجه بيد العون وبسرعة إلى قطاع غزة الذي يمر وسكانه بكارثة إنسانية». وقال الركبان: «أنا حزين وأنا أرى أهلي في فلسطين يعتمدون على مساعدات المنظمات الدولية ويعانون الحصار ونحن في شهر رمضان.. 80 في المئة من سكان غزة يعتمدون على المنظمات الدولية، وهذه كارثة.

ويقول بحسرة: «هل يعقل أن يعتاش نحو 60 في المئة من سكان غزة على أقل من دولار ونصف الدولار (نحو خمسة دراهم) في اليوم؟... هذا أمر غير منطقي ويجب وضع حد له». ومع اتهام «البيان» للمنظمة الدولية بعدم اتخاذ ما يلزم لموقف المهزلة الإنسانية في القطاع، رد المبعوث الخاص للأمين العام للأمم المتحدة للشؤون الإنسانية بالقول إن الأمم المتحدة «لم تتوان عن طلب فتح المعابر وتوفير كل الاحتياجات».

ويقول إن المنظمة الدولية «قرعت ناقوس الخطر منذ بدايات الحصار الجائر وشددت على ضرورة مساعدة الشعب الفلسطيني». ويزيد قائلاً إن الأمم المتحدة لا تمنعها «حدود أو معابر» وهي تستخدم قوة القانون في توصيل المساعدات التي تتوفر لديها من أي دولة أو أي جهة إلى المحتاجين في القطاع.

غلاء الأسعار.. سعار

سألت «البيان» عبدالعزيز الركبان عن مشكلة ارتفاع أسعار الغذاء التي باتت تهدد المنظمات الإنسانية وعملياتها، فأطلق جرس إنذار مدوياً مما يفيد بأن سدس العالم، الذي يبلغ تعداد النفوس فيه نحو 5. 6 مليارات نسمة، سيكونون مهددين.

فهو يقول إن هناك «850 مليون جائع حول العالم، ويموت في اليوم 25 ألف شخص وكل خمسة ثوان نفقد طفلا أو امرأة بسبب الجوع... ومع موجة الغلاء هناك مخاوف من أن شريحة واسعة ستنضم» إلى قائمة الأفواه الجائعة. وفي هذا السياق، يقول إن الصومال شهد ارتفاعاً في أسعار الحبوب بنسبة تتراوح بين 300 و450 في المئة. أما الأرز، وهو قوت يعتمد عليه الصوماليون، فارتفع بين 200 و300 في المئة.

ولفت الركبان إلى أن نتائج آخر تقييم غذائي أشارت إلى أن مستويات سوء التغذية وصلت إلى ما بين 4. 18 و1. 24 في المئة بينما يعد مستوى الخطر المتعارف عليه 15 في المئة. وبدا آسفاً على أن الساحة المتاحة لعمال الإغاثة الإنسانية آخذة في التقلص، وأن تحركها مقيد، وأشار في هذا الصدد إلى حالات من المنع واجهتها بعثات الغوث الإنساني في بعض الدول!.

ويتطابق قول الركبان ما يقوله العديد من قيادات العمل الإنساني الدولي الذين يرون أن «مفهوم العمل الإنساني المستقل والمحايد أن يكون غير مفهوم وغير مقبول اليوم. بل إن العاملين في الميدان الإنساني يتعرضون لضغوط من أجل الانحياز لطرف على حساب طرف آخر»، وهذا بالتحديد ما قاله الرئيس السابق لبعثة اللجنة الدولية للصليب الأحمر في الصومال باسكال هونت.

يشار إلى أن مئات آلاف الصوماليين يتعرضون للتهجير وتعيش أغلبيتهم في العراء أو في مخيمات مؤقتة بعيداً عن المرافق الصحية، وأصيب الكثير منهم بجروح أو تعرضوا للقتل. وكانت منظمات الأمم المتحدة منذ ثلاث سنوات ونصف السنة مضت على سبيل المثال تستطيع العمل في المناطق الوسطى والجنوبية من الصومال.

أما اليوم، فقد بات من الصعب أن تحافظ على وجودها الميداني على الوتيرة نفسها بسبب تدهور الوضع الأمني واستحالة التنبؤ بالنزاع. وتتعرض عمليات الإغاثة، كما عمليات حفظ السلام في الصومال، إلى تحديات عدة، منها انعدام الأمن لأسباب متعددة تتصل بالنزاع والآيديولوجيا والنشاط الإجرامي.