المشكلات الزوجية لا يخلو منها بيت من البيوت، وهي ملح الحياة الزوجية كما يقولون.. ولكن إذا زاد الشيء عن حده انقلب ضده.

وهذا ينطبق على كثير من الأمور ومنها الخلافات الزوجية التي تنقلب رأسا على عقب إذا تفاقم هذا الخلاف وتفرع وتشعب مما ينذر بعواقب وخيمة وأضرار بالغة على الكل بدءا من الزوجة ومرورا بالأولاد وكذلك الزوج والأهل. وكثيرة هي أسباب وعوامل الخلافات الزوجية والتي تؤدي بالزوجين إلى طرح قضيتهما على المحكمة، وبرأي المختصين في هذا الأمر فإن من أهم هذه الأسباب البخل وعدم الإنفاق على الأسرة والإدمان والخيانة الزوجية وتدخل الأهل.... الدكتور عارف الشيخ مستشار الأمور الأسرية بمحاكم دبي يرى أن القضايا الأسرية التي ترد إلى المحاكم تختلف من شهر إلى شهر، نظرا للتعددية الثقافية والجنسيات المختلفة الموجودة في دبي، ويقول: لذلك فإن أي إحصائية لن تكون دقيقة بمعنى الدقة لأن المعايير تتغير، فلا مصداقية ولا ثبات ولا موضوعية غالبا.

عدم الانسجام... ويضيف الدكتور عارف الشيخ إنني أشبه حالة المحاكم بحالة أسئلة الثانوية العامة وأسئلة صفوف النقل أيام كنت أعيش أرغد أيام وزارة التربية وأسعدها. وقال: كانت أسئلة صفوف النقل توضع من خلال كل منطقة تعليمية بل من خلال كل مدرسة، ومن ثم فإن إجابات الطلاب عن أسئلة الصف الأول الثانوي في السلع حتى لو كانت بدرجة امتياز لم تكن تقارن بإجابات الطلاب في مدرسة من مدارس مدينة أبوظبي أو دبي. رغم أن الكتاب واحد والنظام واحد، مؤكدا أن السبب في الذين وضعوا الأسئلة الذين تأثروا بذاتيات مختلفة حسب المناطق، ولم تجمعهم رئاسة واحدة لتقدير الدرجات، وقال هذا يختلف عن أسئلة الثانوية العامة التي كانت توضع من خلال معايير ولجنة رئاسية موحدة، وتقدر درجاتها من خلال كنترول واحد أيضا، ولذلك كانت النتائج تتسم بالموضوعية والصدق والثبات إلى حد ما.

وقال إن هذا يقال أيضا عن قضايا الأسر في دبي بل في الإمارات فأبرز الخلافات نسبية إذا نظرنا إلى سبع محاكم، أو إذا نظرنا إلى عدم استقرار الوضع الأسري في دبي أو في الإمارات ككل.

ويضيف: فمرة نرى عند بعض الطوائف أن أبرز الخلافات هي الخيانة الزوجية، ومرة نرى عند طائفة أخرى عدم الانسجام بسبب ظروف مالية، ولكن نلاحظ في النهاية أن الهجر الجسدي كثير، ونسمع كثيرا أن الزوجين يعيشان معا في بيت واحد، لكن لا كلام ولا معاشرة زوجية بينهما، وكأن الزوج يريد زوجته المهجورة مربية لأولاده منها فقط، وهو يدبر لنفسه المتنفس العاطفي والجنسي.

ويقول إنه من اجل ذلك فإن قضايا الخلع تكون هي الطاغية أحيانا لأنه المخرج للزوجة المعلقة، والخلع لابد له من تضحيات تقدمها الزوجة للحصول عليه.

ويؤكد الدكتور الشيخ أن الوصول إلى المحاكم لا يحل عقدة الخلافات المزمنة غالبا، بل يزيد الأمور تعقيدا لأن الطرفين عندئذ يندفعان بدافع الانتقام وتحقيق النصر على الطرف الآخر، ويضيف: يا ويل الزوجة التي رفعت الدعوى ضد زوجها، ولم تنتصر المحكمة لها لأسباب هي تعرفها، فزوجها عندئذ يضيق عليها الخناق أكثر حتى لو كان هو الخاطئ منذ البداية.

الكفاءة الثقافية

ويرى الدكتور عارف الشيخ أن نسب الطلاق بين 50% وبين أكثر من 50% بقليل، ويقول إنني لا أعتبر أن تلك النسب دقيقة لكثير من الأسباب التي ذكرت من قبل.

ويضيف أن الطلاق السريع أو المبكر هو ظاهرة ملموسة أيضا، والسبب هو الزواج السريع الذي نتج عن سوء الاختيار، وعدم مراعاة الكفاءة الثقافية والاجتماعية والمالية، والجري وراء مظاهر الجمال الشكلي لا الكمال الخلقي، ومن ثم كان الانفعال والغضب لأتفه الأسباب هو سيد الموقف.

ويستطرد بقوله إننا لا نستطيع القول بأن التوجيه الأسري في محاكم دبي يلعب دورا يقلل من حالات الطلاق، إذ أنه إذا لم يستطع أن يصل إلى إقناع المتخالفين تماما فإنه يطيل على الأقل في عمر الحياة الزوجية، وعندئذ يمكن أن نحصل ما عناه الشاعر بقوله:

ما بين طرفة عين وانتباهتها يقلب الله من حال إلى حال

وقد يغضان الطرف بعد ذلك عن اللجوء إلى الطلاق، بسبب تحسن الحالة المادية، أو بسبب الأولاد، أو لقناعة معينة كأن يجرب الرجل زواجا بالسر، فيجد أن «قديم الصوف ولا جديد البرسيم»، كما يقول المثل.

وحول الدعوة إلى إقامة مراكز استشارات أسرية قال: لا نريد أكثر من التوجيه الأسري الموجود في المحاكم لأن المسألة بدأت تأخذ الشكل التجاري المعتمد على المادة لا العقل، وفي نظري أن التعددية في المراكز والمؤسسات لا تؤدي إلى حسم الخلافات قدر ما هي مباهاة بالشكل والعدد والكم.

كما نرى اليوم كثرة المساجد، والاهتمام بزخرفتها مع أن المترددين عليها قليل، وكما قال الشاعر:

منائركم علت في كل حي مساجدكم من العباد خالي وجلجلة الأذان بكل أرض ولكن أين صوت من بلال

الاطمئنان النفسي

ويقول عبد الله موسى مستشار أسري بجمعية النهضة النسائية إن طبيعة الحياة الزوجية تجعل الزوجين يعيشان في خليط بين السعادة والشقاء وبين الراحة والمشكلات وذلك لاختلاف طبيعة كل من الرجل والمرأة، وقد خلق الله المرأة وتتحكم فيها بعض المؤثرات الجسمانية مما يجعل مزاجها متعكرا في بعض الأحيان كما تخشى من ترك زوجها لها أو تطليقها أو الزواج عليها بما أنه يملك حق القوامة وبيده عقدة النكاح.

ويضيف أن الزوج مسؤول عن إحساس زوجته بالاطمئنان النفسي والراحة النفسية، وعدم تصعيد المشاكل والخلافات لأبعد مدى وعليه دور كبير في تحمل مسؤولياته، وكذلك الزوجة عليها أن تتحمل مسؤولياتها، وواجباتها تجاه زوجها حتى تسير الحياة هادئة وهانئة.

ويشير عبد الله موسى إلى أن من ضمن المشاكل والأزمات التي تثيرها الزوجات ويكون وقعها سيئا هو استقبالها لزوجها وهو عائد من عمله بقائمة من الأسئلة والاستفسارات دون هوادة فينفجر فيها، وعليها أن تحسن اختيار الأوقات التي تسأله فيها.

ويقول إن عدد الاستشارات التي تصل إليه في الشهر تصل إلى أكثر من 60 استشارة معظمها من زوجات يشتكين من جفاء أزواجهن وعدم إعطائهن حقهن الشرعي، وهذا يؤلم الزوجة وتحس بعدم الاهتمام من الزوج، يضاف إلى ذلك تحميل الزوجات كل مسؤوليات التربية والمدارس، ويركز عبد الله موسى على مشكلة زوج ترك مسؤولية المدرسة على الزوجة وقد قامت إدارة المدرسة بإرسال رسائل لأولياء الأمور بالأنشطة والفعاليات وقرأ الزوج الرسالة القادمة على هاتف زوجته المتحرك فانفجر فيها واتهمها بأنها على علاقة بالأخصائي الاجتماعي بالرغم من أن الرسائل ترسل إلى جميع أولياء الأمور وقد وصل الأمر إلى الطلاق.

ويضيف إن على المرأة أن تجعل من بيتها جنة وبيئة جاذبة للزوج وليست بيئة طاردة له يبحث عن بديل لها في الخارج، وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «تزوجوا الولود الودود»، والودود التي تبعث السعادة في أرجاء البيت وتتحمل أعباءها بدون ضجر، وعلى الزوج أن يعي أن الأسرة بحاجة إليه وإلى مشاعره الإنسانية لأن الحياة الإنسانية لا تستمر إلا بالتضحية من الطرفين والبعد عن الاستفزاز ووضع كل مشكلة أو أزمة في حجمها الطبيعي، ولا يخلو بيت أو أسرة من المشاكل فهي ملح الحياة الزوجية ولا يستطيع الرجل التعرف على أخلاق زوجته إلا بوجود هذا الخلاف.

الأبناء الأسوياء

وأوضح عبد الله موسى أن المشكلة إذا وصلت على طريق مسدود فينظر كل منهما إلى إيجابيات الآخر ولا يلقي بالا للسلبيات التي تؤدي إلى الجفاء وازدياد وتيرة الجفاء، وفي هذا الصدد يقول الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم: «لا يفرك مؤمن مؤمنة إن كره منها خلقا وجد خيرا منه»، وإذا طلق الزوج زوجته فلن يجد خيرا منها تعينه على الحياة وتربي أولاده وترعى واجباته، ويتسبب في شقاء أبنائه ورسوبهم في الحياة وفي الدراسة ويحسدون غيرهم من الأبناء الذين يعيشون في كنف آبائهم وأمهاتهم.

وقال إن من يعمر الكون هم الأبناء الأسوياء أما غير الأسوياء فهم لا ينتجون ولا يقدمون خدمة لوطنهم ومجتمعهم بل يكونون عبئا عليه وعلى مؤسساته.

وتقول راية المحرزي إن حل المشكلات الزوجية تبدأ من وقت أن تكون البنت في بيت والدها وكذلك الشاب بمعنى تثقيف الشباب والفتيات المقبلين على الزواج بواجباتهم والتزاماتهم في الحياة الزوجية، وكيف تسير وتحل المشاكل، وتعريفهم أن الزواج ليس رحلة ترفيهية وإنما هي مسؤولية لابد من تحملها.

ويقول محمد حسن المحامي إن عرض قضايا الخلافات الزوجية أمام المحاكم معناها أنه لا رجعة بين الزوجين اللذين تركا مشكلاتهما لتصل إلى هذه الدرجة بالرغم من أن كثيرا منها يمكن أن يحل إما عن طريق المجالس العرفية من الأقارب، أو من خلال الاستشارات الأسرية في المحاكم إذا أراد الطرفان فعلا حل المشكلة، وعودة الحياة إلى ما كانت عليه من قبل.

ويضيف أن ارتفاع نسب الخلافات ومعدلات الطلاق له أسبابه الكثيرة والمتنوعة وليس سببا واحدا، وتحتاج إلى عقلانية من الزوج وهدوءا من الزوجة لتحل، ولكن مع ركوب كل واحد منهما رأسه فلا مناص من الطلاق وخراب البيت وهدمه وتيتم الأطفال في حياة والدهم.

الدين هو الذي يقيم الدنيا ويحل المشاكل

يضرب عبد الله موسى مثلا بالتخفيف عن بعض الزوجات المتصلات به فيقول إن هناك من يتصلن ويشكين من قلة عطاء الرجل لهن والإنفاق عليهن شهريا، فإحداهن اشتكت من زوجها لأنه لا يعطيها إلا عشرة آلاف درهم كل شهر فأجبتها أن هناك زوجات يترك لها زوجها كل شهر 15 درهما فقط.

ويقول إن ما يقيم الدنيا ويحل المشاكل هو الدين وقد أخبر رسول الله صلى الله عليه وسلم في حديثه الشريف كيفية اختيار الزوج فقال «إذا جاءكم من ترضون دينه وخلقه فزوجوه»، ودعا الزوج لحسن الاختيار فقال «تخيروا لنطفكم»، وإذا كانت المرأة صالحة فتدعو له وتدعو لأبنائها، ولذا فإن معظم حالات الطلاق بين غير الملتزمين بالدين.

ويؤكد أن الحياة الزوجية إذا صلحت صلح المجتمع فلا إيمان لمن لا أمانة له، فالزوج يجب أن يكون أمينا على زوجته وأولاده، وكذلك الزوجة يجب أن تكون أمينة فلا تفشى الأسرار لأخواتها أو أهلها وتعرف الناس حتى لا يفسدوا عليهم حياتهم.

وقال إن الخالق سبحانه وتعالى جعل الحياة الزوجية سكنا ومودة إذا أحسن إدارتها، فيقول سبحانه: «ومن آياته أن خلق لكم من أنفسكم أزواجا لتسكنوا إليها وجعل بينكم مودة ورحمة»، وهذه المودة والرحمة لا تأتي من فراغ بل من إحسان الزوج لزوجته وطاعة الزوجة لزوجها، لتستمر العشرة والوئام بينهما.

سكن ومودة

الهجر مشكلة تؤرق كثيرا من الزوجات

تؤكد راية المحرزي الداعية والباحثة إن المشاكل الأسرية أو الزوجية لا يخلو منها بيت ولا يمكن أن تسير الحياة بوتيرة واحدة، فالاختلاف سمة البشر جميعا، ولكن يجب أن لا تكون الاختلافات سببا في النزاع أو الوصول إلى اللارجعة، لأن الحياة الزوجية حياة لها خصوصية معينة واعتبارات عظمها الإسلام وجعلها ميثاقا غليظا، وأي شيء يمكن أن يعكر صفو هذه العلاقات لابد من حله سريعا حتى لا يؤدي التراكم إلى أبغض الحلال إلى الله وهو الطلاق.

وتشير إلى أن من أبرز الخلافات والمشاكل التي تعرف ساحات المحاكم هي الخلافات الناتجة عن عدم الإنفاق على الزوجة وعلى الأولاد والهجر من الزوج، وهي مشكلة تؤرق كثيرا من الزوجات ويكون من نتائجها طرق الزوجة أبواب الجمعيات الخيرية والإنسانية أو الشؤون الاجتماعية، وتشرد الأولاد وعدم الاهتمام الكافي بهم تعليميا وتربويا.

وتضيف أن العلاقات خارج البيت من أهم المشاكل التي تغزو المحاكم وتؤثر تأثيرا شديدا على الزوجة وعلى نفسيتها، فتسارع إلى طلب الطلاق من القاضي الذي لا يرى بدا من الحكم بالطلاق تجنبا لكثير من التطورات التي تذهب بكل ما هو مقدس في الزواج.

دبي ـ السيد الطنطاوي