نعلم أن الحياة يمكن أن تبدأ مرة ثانية.. وربما ثالثة... عندما نقرر لها ذلك دون النظر إلى أي معوقات أخرى يمكن أن تقف أمام الانطلاقة نحو أفق جديد .. كيف نجد أنفسنا في علاقتنا مع الحياة الجديدة دون اعتبار إلى شهادات الميلاد؟

فكثير من الأشخاص لا يحب أن يقال عنه إنه وصل نهاية الطريق، لأن ذلك يعني جمود التفاعل والتجربة مع الحياة، لكن هذا الأمر عند الشعراء عكس ذلك لأنهم عشاق الآفاق المفتوحة والإبداع والسعي نحو التغيير دائما.

وبالواقع إذا كانت خبرة الحياة هي رصيد للوقار والأفكار، فهي تلاحقنا جميعا، لذا علينا وإن غزا رؤوسنا الثلج الأبيض، أن نتعلم فن التعايش مع راحة البال، ونعطي كل ساعة فرحة خاصة، إذا التقينا بأحفادنا أصبحنا منهم، وإذا رأينا أصدقاءنا ضحكنا معهم على ذكريات قديمة.

ونموذج «حصاد العمر» الذي نعرضه اليوم هو دلالة على ربيع عمر متجدد، يدعو إلى الراحة بعد عناء طويل، وذلك من خلال لمعان ينعكس من عينين وروح عاشقة للحياة.

اليوم نتعرف على حياة وحكمة نموذج جديد، جاءت من زنجبار منذ بداية اتحاد الإمارات وعملت في دائرة الصحة وتحديداً بمستشفى راشد وحصلت على جنسية الدولة، وهي راضية علي رضا، وكان هذا الحوار:

كيف بدأت حياتك العملية؟

في أول السبعينات توفرت لزوجي فرصة عمل في الدولة، فجئنا أنا وأطفالي معه، وفي 1976 بدء أطفالي مغادرة المنزل للمدرسة وكنت أقضي وقتا طويلا بمفردي، وبحكم أني جديدة في البلد ولا أعرف أحدا أصبحت أشعر بالوحدة، لذا اقترح علي زوجي أن أعمل، فذهبت لأقدم أوراقي بمستشفى راشد وبدأت العمل هناك منذ 29 سنة.

وما هي طبيعة العمل؟ وما هي الوظائف التي تدرجت فيها؟

في البداية عملت موظفة استقبال وتدرجت حتى أصبحت مسؤولة الاستقبال الرئيسي في المستشفى.

كيف تنظرين إلى طبيعة عملك، وما وصلت إليه؟

طبيعة عملي تقوم على تقديم المساعدة للناس، وهذا أروع شعور ممكن أن يحسه المرء عندما يكون قادراً على خدمة الآخرين وتوصيل المعلومة الصحيحة لهم.

هل حققت الأهداف المرجوة من عملك؟

لما قدمت أوراقي كان هدفي من العمل هو ملء الفراغ وتضييع الوقت، لكن عندما عملت اخترت أن أخدم في قسم الاستقبال، وكان هدفي تقديم المساعدة والحمدلله لم أقصر أبخل يوماً في تقديم المساعدة.

صفي أول و آخر يوم عمل لك؟

أنا خجولة جداً بطبعي ومع ذلك اخترت مكانا فيه تعامل مباشر مع الجمهور، فأول يوم كان مخيفا وكنت أراقب كل شيء عن بعد ولم احتك مع الجمهور مباشرة وكنت متوترة جداً، ورجعت للمنزل وقلت لزوجي لن أذهب غداً للعمل ولا أريد أن استمر، لكنه شجعني وطلب مني أن أحاول في اليوم الثاني.

أما آخر يوم كان يوم حزيناً جداً وسيئاً للغاية، ولم أكن أريد أن أفارق أسرة العمل التي تعودت أن أكون معها كل يوم في حياتي منذ أن جئت للدولة، واقترح زملائي عمل حفلة لي لكني لم استطع الذهاب، وأول مرة زرتهم بعد أربعة شهور تقريباً، وأثناء زيارتي عملت معهم وقدمت المساعدة للمراجعين.

بعد سنوات عمل طويلة ما الحكمة التي خرجت بها؟

إذا كان الكلام من فضة فالسكوت من ذهب، وأنا تعلمت هذه الحكمة، لأنه كان علي دائماً أن أمتص غضب الجمهور واستمع كلامهم وشكواهم لنهايتها، وهذه الحكمة فادتني أيضاً في التعامل بالمنزل مع زوجي وأطفالي.

هل لك أن تلخصي لنا خبرة 29 عام في جملة واحدة؟

خبرتي التي حصلت عليها في العمل كبيرة جداً ومن خلال عملي طورت لغتي العربية، كما أصبح لدي طرق مختلفة للتعامل مع كافة الشرائح الاجتماعية والثقافية.

ما الفائدة الثقافية أو الاجتماعية التي خرجت بها ؟

من الناحية الثقافية وفرت لي دائرة الصحة العديد من الدورات التدريبية منها الكمبيوتر وخدمة العملاء وغيرها، أما من الناحية الاجتماعية فبسبب حبي لمساعدة الجمهور والموظفين الجدد كونت علاقات اجتماعية واسعة.

بماذا تنصحين الموظفين الجدد؟

أنصح كل موظف أن يستغل وقته بالعمل جيداً ولا يضيع عليه أي فرصة تساعده على تطوير أدائه، وألا يؤجل عمل اليوم للغد.

ما هي أصعب المواقف التي تعرضت لها بالعمل، وكيف تعاملت معها؟

طول سنوات الخدمة كنت مسالمة، لذا لم أتعرض لأي موقف صعب، لكن في بداية عملي كنت أشعر بالحرج عندما يأتي أحد من الزوار أو أهالي المرضى ويكون ثائرا ويصرخ بأعلى صوته، لكن مع الوقت أصبح هذا مشهدا يوميا واعتدت عليه وفي كل مرة كنت أجد طريقة مناسبة استطيع من خلالها امتصاص غضب الثائرين.

وأجملها؟

أجمل المواقف وأكثرها تأثيراً على حياتي والتي توجت مسيرتي العملية تمثلت في تكريم سمو الشيخ حمدان بن راشد آل مكتوم نائب حاكم دبي لي في نهاية خدمتي، والذي اعتبره تقديراً لي على ما قدمته خلال سنوات العمل في المستشفى.

ما هو أصعب قرار في حياتك العملية؟

أنا لم أتخذ أي قرارات عملية أثناء خدمتي سوى قرار التقاعد، وذلك لأن عملي في قسم الاستقبال وخدمة العملاء، بطبيعته عمل هادئ ولا يحتاج إلى قرارات، بل يحتاج فقط إلى حسن الاستماع.

لو عاد الزمن للوراء هل تختارين الوظيفة نفسها، وماذا تتمنين أن يتغير؟

ألا ليت الشباب يعود يوماً، طبعاً أتمنى أن يعود الزمان للوراء وأعمل وأساعد الجمهور.

كيف ينظر أبناؤك إلى طبيعة عملك؟

من خلال عملي استطعت أن أربي أبنائي وأدرسهم بأرقى الجامعات العالمية، لذا فهم يحترمون عملي ويقدرونه جيداً، لأني لم أقصر يوماً معهم بسبب عملي ودائماً كان وقت البيت للبيت ولزوجي ولهم، ووقت العمل للعمل.

ما هي خططك المستقبلية للعمل؟ وما هي أولوياتك؟

لا يوجد لدي خطط مستقبلية للعمل مستقبلاً، ولا استطيع أن أعمل، مع أننا عائلة متماسكة جداً وتربطها علاقات جيدة، إلا أن لدي أولادا في أميركا ولندن، لذا فأنا أذهب كثيراً إلى هناك وبسبب سفري، لا استطيع أن أعمل، كما أن ابنتي الصغيرة مقيمة عندي فعندما تذهب للعمل أقوم برعاية ابنها.

هل تعتقدين أنك تلقين التقدير الذي تستحقينه من المجتمع وأصدقائك؟

نعم، ويكفي أن سمو الشيخ حمدان بن راشد آل مكتوم كرمني، وأنا سأذكر هذا التكريم ما حييت.

دبي ـ سمانا النصيرات