بات إنشاء برنامج أو مركز وطني متخصص لزارعة الأعضاء من الأهمية بمكان وأصبح ضرورة ملحة فرضتها الظروف والمعطيات الحديثة بالدولة وأهمها تزايد معدلات الفشل الكلوي والأمراض القلبية وكذلك الأمراض المزمنة التي تؤدي إلى تلف الأعضاء البشرية وتتطلب زراعتها في وقت ما.
وكذلك سفر المرضى إلى دول أخرى لإجراء عملية الزراعة وتعرضهم في أغلب الأحوال إلى عمليات نصب وابتزاز وكذلك لظروف غير آمنة أثناء إجراء العملية، إلى جانب الضغط الشديد على وحدات الغسيل الكلوي حاليا في مستشفيات الدولة، خاصة إذا علمنا أن تكلفة عملية زراعة الكلى تساوي تكلفة عمليات الغسيل لمدة عام واحد فقط. وفي واقع الأمر لا يمكن إنشاء برنامج أو مركز لنقل وزراعة الأعضاء بالدولة قبل تطوير وتحديث التشريعات القانونية التي تعمل على تنظيم البرنامج وتكفل له النجاح والاستمرارية، وكذلك تسد الطريق على الممارسات غير الأخلاقية التي تتم في هذا المجال، وقبل كل ذلك لابد من تكثيف الوعي لدى المجتمع وتثقيفه بأهمية البرنامج في الوقت الحاضر.
خاصة أن المجتمعات العربية لا تزال غير مستعدة لتقبل عمليات النقل والزراعة وينظر إليها بكثير من الشك والريبة، على الرغم من صدور فتاوى عديدة أكدت أن نقل وزراعة الأعضاء بالضوابط الإسلامية جائز بل ومستحب. وخلال هذا التحقيق نستعرض آراء الأطباء والمسؤولين وذوي الخبرة الطبية في القضية. - مركز متكامل: بداية يشدد الدكتور سعيد الشيخ استشاري أمراض الجهاز الهضمي ونقل الأعضاء، على أهمية إنشاء مركز وطني مستقل ومتكامل لنقل وزراعة الأعضاء، تجرى فيه عمليات الزراعة ولا يقتصر على زراعة الكلى بل يشمل زراعة الكبد والرئة والقلب والبنكرياس والقرنية وغيرها، ويتم تجهيزه بأحدث الأجهزة والمعدات الطبية وكذلك الكوادر البشرية الماهرة، ليكون في المستقبل القريب مركزا عالميا متخصصا في نقل وزراعة الأعضاء البشرية، ويأتي إليه المرضى من جميع أنحاء العالم.
ويضيف: وفي نظري كطبيب متخصص في هذا المجال وأشاهد معاناة المرضى الذين يقومون بإجراء مثل هذه العمليات في الخارج سواء في الصين أو الفلبين أو غيرها من الدول عند عودتهم إلى الدولة وما يترتب على هذه العمليات من مضاعفات وآثار جانبية خطيرة من جراء رفض العضو المزروع. وحتى عملية المتابعة التي تتم في مستشفيات الدولة فعلى سبيل المثال في مستشفى زايد العسكري تجرى المتابعة الطبية لنحو 56 مريضا أجريت لهم عمليات الزراعة خارج الدولة من وجه نظري، لا تكون مرضية للحد المطلوب لأننا لا نعلم الظروف التي تتم فيها هذه العمليات ومدى التزام الأطباء والمستشفيات بالمعايير الطبية المتعارف عليها أثناء عمليتي النقل والزراعة.
وحول الجدوى الاقتصادية لإنشاء مثل هذا المركز، وما سيعود على الدولة من فوائد، يضرب الدكتور سعيد الشيخ مثالا لتكلفة زراعة الكلى في الصين وهي أقل تكلفة لعملية النقل والزراعة مقارنة بدول العالم الأخرى، حيث تكلف حوالي 100 ألف دولار (368 ألف درهم) في حين أن نفس العملية لو أجريت داخل الدولة فإنها لا تزيد بأي حال من الأحوال على 30 ـ 40 ألف دولار.
وفضلا عن موضوع التكلفة ـ والحديث لا يزال للدكتور سعيد الشيخ ـ فإن إجراء العملية داخل الدولة وبالشروط والمعايير الطبية العالمية الآمنة، سيمنح المريض الراحة النفسية والمتابعة الجيدة في مرحلة ما بعد العملية. ويقول ان مريض الفشل الكلوي الذي يقوم بعملية الغسيل من 2 ـ 3 مرات أسبوعيا ويمثل عبئا كبيرا على وحدات الغسيل الكلوي عندما يقوم بزراعة الكلى فإنه يوفر ما لا يقل عن 140 ألف درهم سنويا تكلفة الغسيل التي تتحملها عنه المؤسسة العلاجية التابع لها.
الدكتور وائل المحميد استشاري أمراض القلب في مدينة الشيخ خليفة الطبية يؤكد بأن عمليات نقل وزراعة العضو البشري من السهولة بمكان حيث انها عملية طبية، ويكفي القول ان عملية نقل وزراعة القلب من الناحية الطبية أسهل بكثير من عملية ترقيع الشرايين على سبيل المثال، ولكن تجهيز المريض والمتبرع وفحوصات الأنسجة وغيرها من الأمور التي تسبق العملية لكلا الطرفين هي التي تحتاج إلى الإمكانيات والخبرة والأجهزة.
ويشير إلى أن الجانب الشرعي في هذا الموضوع يتوافق تماما مع الجانب الطبي، ولكن يبقى جانب المجتمع في تقبل عمليات التبرع بالأعضاء سواء من المتبرع الحي أو المتبرع الميت، حيث ان نسبة استجابة أهل الإنسان المتوفى دماغياً بالموافقة على الاستفادة بأعضائه لم تتجاوز 30% في حين بلغت نسبة الأهل الرافضين لنقل الأعضاء إلى 70% على الرغم من وجود فتاوى شرعية عديدة بجواز عمليتي التبرع والزراعة.
من جانبه يؤكد الدكتور عبد الغفار عبد الغفور من وزارة الصحة ان الوزارة أصدرت قانون تنظيم نقل وزراعة الأعضاء منذ عام 1993 وهو قانون شامل ومتكامل بالشكل العام، ولكن لم تصدر اللائحة التفسيرية للقانون، لأن اللائحة تستعرض التفاصيل الدقيقة والمعايير والأسس التنظيمية الطبية والفقهية التي يقوم عليها البرنامج.
ويشير إلى أهمية التوعية والتثقيف بعملية التبرع من الموتى حيث ان التبرع بعد الوفاة يمثل مصدرا جيدا للأعضاء خاصة تلك التي لا يمكن أخذها من الأحياء مثل القلب أو البنكرياس والكبد والرئتين. كما يمكن الحصول على انسجة من المتوفى مثل قرنية العين والجلد وصمامات القلب، لافتا إلى أن التبرع بالأعضاء من شخص واحد يمكن أن يستفيد منه عدة مرضى.
لجنة لتقييم الوضع
من جانبها تؤكد الدكتورة ليلى عبد الوارث رئيسة قسم المختبرات الطبية، ورئيسة لجنة برنامج زراعة الأعضاء في مدينة الشيخ خليفة الطبية أنه مع تزايد معدلات الإصابة بمرض الفشل الكلوي والكبدي، ارتأت هيئة الصحة في أبوظبي إنشاء لجنة لتقييم الوضع ودراسة الموضوع من كل جوانبه، وبالفعل عقدت اللجنة سلسلة اجتماعات خلال الأشهر الماضية واستعرضت جميع الجوانب المتعلقة بالموضوع بما فيها دراسة القوانين والتشريعات الحالية واقتراح تعديلها وإضافة بعض العناصر الأخرى إليها.
وكذلك الاسترشاد بتجارب الدول المجاورة في هذا المجال مثل السعودية وقطر والكويت، بل وقامت بإضافة تخصصات أخرى للبرنامج مثل زراعة النخاع والبنكرياس والكبد والقرنية، إلى جانب دراسة الإمكانات المتاحة وما هو مطلوب والأولويات، لافتة إلى أن اللجنة ضمنت كل هذه الجوانب في تقرير ورفعته إلى هيئة الصحة للدراسة.
وتدلل الدكتورة ليلى عبد الوارث على أهمية الإسراع في إنشاء هذا البرنامج بقولها ان مستشفى الشيخ خليفة في أبوظبي ومستشفى توام في العين يقومان بإجراء عمليات الغسيل الكلوي حاليا لما يقرب من 370 مريضا وجميعهم يحتاجون لعمليات الزراعة، فضلا عن حوالي 35 مريضا في المستشفيين يحتاجون لزراعة الكبد، بالإضافة إلى وجود ما لا يقل عن 377 مريضا منهم 32 طفلا أجرت لهم عمليات زراعة الكلى خارج الدولة في الفلبين والصين ويقوم مستشفى الشيخ خليفة بمتابعتهم.
وترى أن القانون الاتحادي بشأن تنظيم نقل وزراعة الأعضاء الذي صدر عام 1993 يكاد يكون مكتملا لأنه شمل كل الجوانب الرئيسية المتعلقة بالموضوع، ولكن يحتاج أيضا إلى إعادة نظر وإضافة تفاصيل أخرى، ومجالات أخرى استجدت سواء من الناحية الطبية أو الناحية الشرعية والأخلاقية.
كوادر طبية مدربة
الدكتور علي عبد الكريم العبيدلي استشاري ورئيس قسم زراعة الكلى في مدينة الشيخ خليفة الطبية يقول ان دولة الإمارات اكتسبت خبرة لا بأس بها في مجال نقل وزراعة الكلى من خلال البرنامج الذي بدأه مستشفى المفرق قبل سنوات ونجح في الزراعة لحوالي مئة مريض.
ولكن المستجدات التي طرأت في السنوات الأخيرة على مجمل العلوم الطبية فرضت الاستعانة بكل جديد في مجال نقل وزراعة الأعضاء البشرية، ويضيف نحن لدينا إمكانات كبيرة في مجال مختبرات الأنسجة والأجهزة والمعدات الطبية الحديثة ولكن تنقصنا الخبرة والكوادر الطبية المدربة في هذا المجال، وهو ما سيتم توفيره خلال المرحلة المقبلة.
اللجنة الخليجية
ويلفت الدكتور العبيدلي إلى النجاح الكبير الذي حققته مراكز زراعة الأعضاء في الدول المجاورة مثل قطر والسعودية والكويت، وإلى الجهود الحثيثة التي تبذلها اللجنة الخليجية لزراعة الأعضاء التي شارفت على الانتهاء من إعداد الدليل الخليجي الموحد الخاص بالمعايير والتوصيف الوظيفي لمراكز زراعة الأعضاء في دول الخليج.
وقال ان اللجنة التي تعقد اجتماعات دورية سنوية تركز على تأسيس سجل وطني للفشل العضوي وزراعة الأعضاء، وبالفعل تم إقرار نماذج موحدة ونهائية لدول المجلس في هذا الشأن، إلى جانب سعيها إلى إنشاء وحدات تنسيق وطنية في كل دولة من دول المجلس تمهيدا لإنشاء وتأسيس مركز خليجي موحد لتنسيق زراعة وتبادل الأعضاء البشرية بين دول مجلس التعاون.
ويشدد على أهمية وجود التسجيل الوطني لزراعة الأعضاء، لأنه لا يوجد حتى الآن تسجيل وطني شامل لزراعة الأعضاء بالمعنى المفهوم، لأن هناك اجتهادات فردية في بعض مستشفيات الدولة ولكنها لا تفي بالغرض.
تحقيق: مصطفى خليفة



