دارت في أروقة مجلس الأمن الدولي حرب دبلوماسية بين الولايات المتحدة وروسيا بموازاة حرب ضروس بين القوات الروسية والجورجية، والتي تطورت أبعادها بعد فرض حصار بحري روسي وقصف جوي شامل على جورجيا.
وبينما توجه وزيرا خارجية ألمانيا وفنلندا إلى منطقة النزاع ونجحا في إجراء مباحثات غير مباشرة بين نظيريهما الروسي والجورجي، شنت الولايات المتحدة هجوما عنيفاً على روسيا خلال ثالث جلسة لمجلس الأمن تعقد في أقل من ثلاثة أيام، واتهمت واشنطن موسكو بسعيها إلى الإطاحة بنظام الرئيس الجورجي ميخائيل ساكاشفيلي.
واتهم السفير الأميركي في الأمم المتحدة زلماي خليل زاد موسكو بالسعي إلى إسقاط النظام الجورجي، وقال إن «وزير الخارجية الروسي سيرجي لافروف ابلغ صراحة نظيرته الأميركية كوندوليزا رايس بان ساكاشفيلي لا بد ان يذهب»، الأمر الذي نفاه لافروف بشدة.
كما اتهم السفير الأميركي في الأمم المتحدة روسيا باعاقة انسحاب القوات الجورجية من اوسيتيا الجنوبية الانفصالية، داعيا الى وقف فوري لإطلاق النار، فيما لوحت مصادر أميركية بالتوجه عبر مجلس الأمن لإصدار قرار ضد روسيا بسبب «حربها» على جورجيا. ولا تبدو هذه الخطوة فاعلة، لأن روسيا تمتلك حق النقض «الفيتو». وكان طلب الرئيس الجورجي ميخائيل ساكاشفيلي من الإدارة الأميركية وضع ثقلها الدبلوماسي لحل النزاع المسلح الدائر بين بلاده وروسيا.
ورفض السفير الروسي في الامم المتحدة اتهام الولايات المتحدة الجنود الروس بشن حملة «رعب» في جورجيا، واصفا هذا الكلام بانه «غير مقبول على الإطلاق».
وفي وقت سابق، أعلنت وزارة الخارجية الألمانية ان وزير الخارجية الألماني فرانك فالتر شتاينماير نجح في إقامة اتصال مباشر بين نظيريه الروسي والجورجي. كما تحدث الرئيس الفرنسي نيكولا ساركوزي والذي سيزور موسكو هذا الأسبوع عن «مؤشرات فعلية للتوصل سريعا إلى مخرج للازمة» في اوسيتيا الجنوبية، وذلك «بعد انسحاب القوات الجورجية»، وكان الرئيس الروسي سيرجي مدفيديف وضع شرطين لوقف القتال، وهما انسحاب جورجي غير مشروط والتوقيع على تعهد بعد مهاجمة اوسيتيا الجنوبية.
ومع غرب شمس يوم أمس أخذت الحرب منحى جديداً مع إعلان وزارة الخارجية الروسية أن جورجيا أعلنت وقفا فوريا لإطلاق النار من جانب واحد، ما يعني ميدانياً إعلان استسلام بعد ساعات من سحب القيادة الجورجية قواتها من كل أراضي أوسيتيا الجنوبية بعدما أعلن الجيش الروسي سيطرته على تسخينفالي عاصمة الجمهورية الانفصالية.
يأتي ذلك في الوقت الذي كثفت فيه روسيا غاراتها الجوية وفرضت حصارا بحريا على جورجيا، إذ قصفت القاذفات الحربية مطاراً قريباً من العاصمة الجورجية تبليسي، فضلاً عن قاعدة للجيش الجورجي.. بالتزامن مع فرض سفن أسطول البحر الأسود الروسي حصارا بحرياً على الخط الساحلي لجورجيا وأعادت سفناً مدنية عدة.
وفي تحول جديد للصراع، أعلن الناطق باسم وزارة الداخلية الجورجية تشوتا اوتياشفيلي أن روسيا طلبت من الأمم المتحدة سحب مراقبيها من المنطقة الواقعة بين منطقة أبخازيا الانفصالية الجورجية ومدينة زوغديدي غرب جورجيا.
وضع إنساني
وبينما تبدو في الأفق مساع مسعورة لتوسيع نطاق المعارك في ضوء حالة غير مفهومة من «المشاهدة» الدولية وإن كانت ردود الفعل الكلامية شديدة.. قال شهود إن آلاف من المدنيين لا يزالون محاصرين في المدينة والتي تضررت مبانيهم بشدة أو تعرضت للدمار.
وقدرت جورجيا خسائرها العسكرية حتى السبت بأنها بلغت 50 قتيلا بالإضافة إلى 450 جريحا واعترفت روسيا بأنها تكبدت 12 قتيلاً و150 مصابا بجراح خطيرة.. في حين تجاوزت تقديرات الخسائر في الأرواح بين المدنيين 1600 شخص.
خلف الكواليس
بينما كانت العمليات الحربية في أوسيتيا الجنوبية تستعر وسط إشارات على نية روسيا توسيع رقعة الحرب إلى داخل الأراضي الجورجية بعدما فرضت على جورجيا حصاراً بحرياً وجوياً وبرياً دفع تبليسي في النهاية إلى «الاستسلام» أو وقف النار من جانب واحد.. اتجهت الأنظار إلى محاولة تفسير الدوافع وتوقع التداعيات، حتى أن البعض رأى في ما يجري إرهاصات حرب عالمية في ضوء سعي روسيا إلى استعادة أمجادها السوفييتية. وهناك من قال: ابحث عن إيران؟
وبينما يجاهر رئيس الوزراء الروسي فلاديمير بوتين بأن بلاده تنوي تدمير كل القوات الجورجية في أوسيتيا الجنوبية، يثير فشل المجتمع الدولي في تقديم أي وسائل سلمية للتوصل إلى وقف للنار في النزاع الناشب منذ أربعة أيام علامات استفهام كبرى. ويقول البعض إن ما يجري في أوسيتيا ماهو إلا تصفية حساب على استقلال كوسوفو في مارس الماضي الأمر الذي رأت فيه روسيا تهديداً لها ولمكانتها الدولية، فجاء الرد في أوسيتيا الجنوبية وربما لاحقاً في أبخازيا.
لكن بعض التحليلات تذهب أبعد من ذلك، بإدخال العنصر الإيراني في الصورة. فماذا كان، كانت هناك صفقة بين موسكو وواشنطن قويضت فيها أوسيتيا وإطلاق يد النفوذ الروسي في منطقة القوقاز مقابل «ليونة» أو حتى «تغميض عين» في المعالجة الأميركية للملف النووي الإيراني.
وهو أمر لم تستبعده صحيفة «نيويورك تايمز» التي نظرت للمشهد من خلال صورة الرئيس الأميركي جورج بوش المبتسم خلال حديث ودي مع رئيس الوزراء الروسي فلاديمير بوتين على مدرجات الإستاد الأولمبي في العاصمة الصينية بكين، واعتبرت أنها تكشف واقع السياسة الأميركية المتبعة تجاه روسيا.. فهي كـ «بالع الموسي»، فهي تقف عاجزة عن نصرة جورجيا حليفها القوي في فلك الاتحاد السوفييتي، إذ أنها في هذا الوقت تحتاج لروسيا بإلحاح لتمرير سياساتها في عدد من المسائل الكبرى مثل إيران ولن تخاطر إطلاقاً بخسارتها من أجل الدفاع عن جورجيا، وعليه يبدو مستبعداً التدخل الأميركي العسكري في النزاع.
وقال جورج فريدمان المدير التنفيذي لمؤسسة سترافور للتحليل الجيوسياسي والاستخباري إن «ما قام به الروس أنهم للمرة الأولى منذ انهيار الاتحاد السوفيتي، اتخذوا قراراً عسكرياً حاسماً وفرضوا واقعاً عسكرياً».
وأمام اعتراف المسؤولين في إدارة الرئيس بوش بأن العالم الخارجي والولايات المتحدة بشكل خاص لا فعالية لهم بمواجهة التصرفات الروسية، بدا أن الروس نجحوا في الاستفادة من مرحلة الترقب الانتخابي الأميركي وانحشار الأميركيين في عدد من الملفات الحساسة لفرض أجندتهم، وبالأحرى كسر بعبع التخويف بالغرب، وهي السياسة التي انتهجتها عدد من الدول المستقلة عن الحكم السوفييتي.
وبالنسبة إلى إدارة الرئيس بوش، أصبح الخيار اليوم بين ما إذا كان دعم جورجيا التي تحالفت أكثر من أي دولة أخرى من دول الاتحاد السوفييتي السابق مع الولايات المتحدة حول أوسيتيا الجنوبية يستأهل استعداء روسيا في الوقت الذي يعتبر فيه دعمها من أجل كبح جموح الطموحات النووية الإيرانية من أولويات السياسة الخارجية الأميركية.
ويبدو أن «الصمت» الأميركي عائد إلى الخوف من إدخال العالم في دوامة حرب كونية خارج حساباتها وفي الوقت الضائع قد تشغلها عما تخطط له هي.
بذور الأزمة
انفصلت أوسيتيا الجنوبية عن جورجيا بدون اعتراف دولي عندما أوشك الاتحاد السوفييتي على الانهيار في أوائل التسعينات، ومنذ ذلك الحين أصبحت ألما متواصلا في جسد جورجيا التي تسعى إلى إقامة علاقات أفضل مع الغرب. واتضح طوال السنين اللاحقة أن الاستقلال الفعلي لأوسيتيا عقبة في طريق طموح جورجيا للانضمام إلى حلف شمال الأطلسي (ناتو) وهو ما اعتبرته روسيا على الدوام «تهديداً مباشراً» لأمنها القومي.
وقال الخبراء إن الصراعات العنيفة في أوسيتيا الجنوبية من الممكن أن تطيح بآمال جورجيا الانضمام إلى التحالف العسكري في أي وقت طالما أن دولا مثل ألمانيا وفرنسا تعارض منح جورجيا عضوية ناتو بسبب صراعها المرير مع روسيا. وفي إطار هذا المشهد يمكن فهم قرار جورجيا سحب وحدتها العسكرية في العراق والتي كانت أكبر دليل على أنها «حليف مخلص» للولايات المتحدة التي كان أقسى موقف لها مما يجري تحذير موسكو من ان «التصعيد غير المتكافئ والخطير» للنزاع سيترك انعكاسا «كبيرا» على علاقاتهما على المدى الطويل.
إسرائيل تجمد مبيعات أسلحتها لجورجيا حتى لا تمد موسكو طهران ودمشق بأنظمة متطورة
أكدت وزيرة الخارجية الإسرائيلية تسيبي ليفني أمس، عقب مداولات مع كبار المسؤولين في وزارتها، أن إسرائيل تتمسك بوحدة الأراضي الجورجية، فيما جمدت مبيعات الأسلحة إلى تبليسي خشية تزويد موسكو لطهران ودمشق بأسلحة متطورة. وقالت ليفني إن «إسرائيل تعترف بسلامة ووحدة الأراضي الجورجية وتدعو إلى التوصل إلى حل مع روسيا بطرق سلمية».
وكانت صحيفة «هآرتس» أفادت أمس بأن وزارة الخارجية الإسرائيلية طالبت وزارة الدفاع بتجميد بيع أسلحة إلى جورجيا. وتبين من تقارير صحافية أن إسرائيل باعت جورجيا كميات كبيرة من الأسلحة وقامت بتحسين طائرات مقاتلة جورجية، وأن حجم بيع إسرائيل أسلحة إلى جورجيا يصل إلى 200 مليون دولار في العام. وقال مسؤولون أمنيون إسرائيليون إن «تل أبيب تتخوف من أن ترد روسيا على بيع إسرائيل أسلحة لجورجيا ببيع أسلحة إلى إيران وسوريا».
وأكد مسؤول في وزارة الدفاع الإسرائيلي أن إسرائيل خفضت منذ سنة صادرات الأسلحة إلى جورجيا التي تخوض نزاعا مسلحا مع روسيا عبر حصر مبيعاتها بمعدات «دفاعية». وأوضح «لم نكن نريد أن نصبح ابرز مزود للأسلحة لجورجيا رغم أن صادراتنا حصرت بحوالي 200 مليون دولار خلال سنتين». وإسرائيل قلقة خصوصا من احتمال تصدير روسيا نظاما دفاعيا مضادا للطيران من نوع اس ـ 300 لإيران ما سيزيد من صعوبة شن هجمات محتملة على منشآتها النووية.
من الميدان
* أعلنت هيئة الأركان الروسية إصابة قائد الجيش الروسي الثامن والخمسين المنتشر في أوسيتيا الجنوبية الجنرال اناتولي خروليف بشظية عبوة متفجرة خلال المعارك مع الجورجيين. وقال مساعد رئيس أركان القوات المسلحة الروسية الجنرال اناتولي نوفوجيتسين إن حياة الجنرال خروليف ليست في خطر.
* اتفقت روسيا وجورجيا على فتح ممرين «إنسانيين» لإجلاء الجرحى واللاجئين من جورجيين واوسيتيين.
* تواترت انباء منذ صباح أمس عن قصف جوي روسي مكثف لمطار تبليسي الدولي وترافق ذلك مع حصار جوي وبحري شامل على جورجيا مما استدعي نداءات استغاثة بحلف شمال الأطلسي «الناتو» وفي المساء نفت موسكو على لسان ناطق بوزارة الدفاع الروسية بشدة تعرض قوات بلاده للمطار الجورجي او لأي من الأهداف المدنية مؤكدة ان عملياتها العسكرية تستهدف قطاعات اوسيتيا الجنوبية.
عواصم - «البيان» والوكالات