نعلم أن الحياة يمكن أن تبدأ مرة ثانية.. وربما ثالثة... عندما نقرر لها ذلك دون النظر إلى أي معوقات أخرى يمكن أن تقف أمام الانطلاقة نحو أفق جديد.. كيف نجد أنفسنا في علاقتنا مع الحياة الجديدة دون اعتبار لشهادات الميلاد؟
فكثير من الأشخاص لا يحب أن يقال عنه إنه وصل نهاية الطريق، لأن ذلك يعني جمود التفاعل والتجربة مع الحياة، لكن هذا الأمر عند الشعراء عكس ذلك لأنهم عشاق الآفاق المفتوحة والإبداع والسعي نحو التغيير دائما. وفي الواقع إذا كانت خبرة الحياة هي رصيد للوقار والأفكار، فهي تلاحقنا جميعاً لذا علينا وإن غزا رؤوسنا الثلج الأبيض، أن نتعلم فن التعايش مع راحة البال، ونعطي كل ساعة فرحة خاصة، إذا التقينا بأحفادنا أصبحنا منهم، وإذا رأينا أصدقاءنا ضحكنا معهم على ذكريات قديمة.
ونموذج «حصاد العمر» الذي نعرضه اليوم هو دلالة على ربيع عمر متجدد، يدعو إلى الراحة بعد العناء الطويل، وذلك من خلال لمعان ينعكس من عينين وروح عاشقة للحياة. واليوم نتعرف على حياة وحكمة نموذج جديد، بدأ في مساعدة عائلته وخدمة بلده وهو مازال على مقاعد الدراسة وهو المحاسب والجابي والمفتش ومدير دائرة المباني ونائب المدير البلدية عبد الرزاق المطوع وكان هذا الحوار:
كيف بدأت حياتك العملية؟
عملت في البنك البريطاني فترة قصيرة، وفي بداية عام 1960 أمر المغفور له الشيخ راشد بن سعيد بإنشاء بلدية لإمارة دبي، فانتقلت من البنك للعمل في البلدية.
ما طبيعة العمل؟ وما هي الوظائف التي تدرجت فيها؟
في البداية كنت محاسباً في البنك البريطاني، ثم انتقلت للبلدية وأول عمل قمت به فيها هو الجباية، حيث كنت أعمل على تحصيل رسوم إيجار المباني من المستأجرين مدة عشر سنوات، ثم أصبحت مفتش مبان لمدة 15 سنة، وبعدها أصبحت رئيس قسم التفتيش، ثم شغلت منصب مدير إدارة المباني في البلدية، وبعدها طلب التقاعد فترقيت إلى منصب مساعد مدير البلدية وأحلت للتقاعد بناءً على رغبتي.
كيف تنظر إلى طبيعة عملك، وما وصلت إليه؟
طبيعة عملي رائعة ومسلية وفيها اختلاط كبير مع الناس، ومن خلالها استطعت بناء علاقات اجتماعية واسعة، وأنا راضٍ عما وصلت إليه كل الرضا، لكن أكثر عمل كان متعبا بالنسبة لي هو التفتيش على المباني، خاصة أن دبي كانت جديدة والكثافة السكانية وزيادة السكان فيها في ارتفاع مستمر.
هل حققت الأهداف المرجوة من عملك؟
نعم، أنا بدأت أعمل وأنا مازلت على مقاعد الدراسة، وكان هدفي من العمل مساعدة والدي في مصاريف المنزل، حيث إن والدي كان إمام مسجد ومعاشه الشهري قليل ولا يكفي احتياجات المنزل والعائلة.
صف أول وآخر يوم عمل لك؟
أول يوم عمل كان في البنك البريطاني وكان معاشي الشهري يصل إلى 301 درهم، كنت سعيد جداً لأنه أصبح لدي دخل شهري اعتمد عليه واستطيع من خلاله مساندة والدي. أما آخر يوم شعرت أنه حان وقت الراحة وأنني قدمت كل ما أملك من خبرة للبلدية وليس لدي الجديد، وقررت أن أقدم استقالتي، لأن وضعي الصحي تدهور وتعبت صحياً ولم أعد قادراً على الاستمرار في العمل.
بعد سنوات عمل طويلة ما الحكمة التي خرجت بها؟
«لا تبوق لا تخاف»، وهذا المثل أو الحكمة إذا اتبعه الشخص تشعره بالراحة والطمأنينة، لأن مسيره بالطريق الصحيح يحل كل المشكلات والصعوبات التي يمكن أن تواجه دون خوف.
هل لك أن تلخص لنا خبرة 35 عاما في جملة واحدة؟
خبرتي جاءت من خلال تعاملي من الناس، ومكسبي الوحيد هو حبهم واحترامهم لي ولشخصيتي، وهذا لأن المنصب يذهب وكل شيء بالدنيا فان، والإنسان يترك خلفه السمعة الحسنة.
ما الفائدة الثقافية أو الاجتماعية التي خرجت بها؟
من ناحية ثقافية حصلت على الكثير من خلال الدورات المحلية والعربية والعالمية، أما اجتماعيا فأنا لدي قاعدة كبيرة من الأصدقاء وتعرفت على كبار الشخصيات ومن خلال عملي التقيت الملكة إليزابيث ملكة بريطانيا عندما جاءت لافتتاح مبنى البلدية في عام 1980.
ماذا تنصح الموظفين الجدد؟
يجب أن يتعلم الموظف الحكمة والسيطرة على أعصابة في المواقف الصعبة، خاصة إذا كان في تعامل مباشر مع الجمهور.
ما هي أصعب المواقف التي تعرضت لها بالعمل، وكيف تعاملت معها؟
أذكر في مرة طلبت من صاحب منزل إزالة مخالفة وهدمها، لكنه لم يستجيب وأعطيته مهلة أكثر من سنة، وعندما لم يستجيب للطلب بعد المهلة فبعثت له إنذارا أخيرا، فجاء للمكتب وشتمني وأهانني.
وأجملها؟
كل يوم عمل خلال 35 عاما كان جميلا وكنت أتعلم فيه وأتعرض لمواقف جميلة.
ما هو أصعب قرار اتخذته في حياتك العملية؟
أصعب قرارات والتي كانت يحتاج تنفيذها إلى وقت كبير هو قرار الهدم أو إزالة المخالفات، وعادةً لم أكن أنفذ أي قرار هدم إلا بعد إعطاء صاحب المنشأة مهلة على الأقل ستة أشهر.
لو عاد الزمن للوراء هل تختار الوظيفة نفسها، وماذا تتمنى أن يتغير؟
لا، لو تقاضيت مليون درهم عن كل شهر أعمل فيه لن أعود لهذه المهنة المتعبة، لأن إرضاء الناس غاية لا تدرك وأنا كان كل تعاملي مع الناس.
كيف ينظر أبناؤك إلى طبيعة عملك؟
كلهم فخورون بي وبعملي وبما قدمته لخدمة وبناء وطني، واسمي الذي انتشر من خلال عملي ساعد أبنائي في حياتهم الاجتماعية، لكنهم بالفترة الأخيرة هم الذين شجعوني على اتخاذ قرار التقاعد، وذلك لخوفهم علي بسبب وضعي الصحي، حيث كنت اضطر إلى أخذ 14 حبة دواء وإبرة يومياً.
ما هي خططك المستقبلية للعمل؟ وما هي أولوياتك؟
في عام 1974 أسست شركة عقارات صغيرة، وكنت مشرفاً على كل شيء بها، وبعدها استلمها ابني محمد وهو الذي طورها، وأنا الآن بحاجة للراحة وأقضي وقتي بين المسجد والعائلة والقيام برياضة المشي.
هل تعتقد أنك تلقى التقدير الذي تستحقه من المجتمع وأصدقائك؟
نعم، فأغلب أصدقائي يعتبرونني من الأشخاص الذين أسسوا مباني الإمارة والبلدية.
سمانا النصيرات


