خطف لهيب الانفجار الذي استفاقت عليه عاصمة الشمال اللبناني طرابلس أمس، الأضواء من الزيارة التي بدأها الرئيس اللبناني ميشيل سليمان لدمشق، وسط تأكيدات سورية ولبنانية بأن الزيارة التي وصفت بـ «التاريخية»، ستفتح عهداً جديداً في العلاقات بين البلدين، وإن كانت نتائجها لن تظهر مباشرة.

وأجمعت غالبية الأوساط اللبنانية على اختلاف مشاربها على أن الانفجار يستهدف «نسف القمة» التي تسعى لرأب صدع العلاقات السورية اللبنانية بين سوريا ولبنان، والتي تدهورت بشكل كبير بعد اغتيال رئيس الوزراء اللبناني الأسبق رفيق الحريري.

وأعاد الانفجار الملف الأمني للواجهة من جديد، بعد أن كان قد هدأ أخيراً إثر الأحداث التي شهدتها طرابلس، والتي باتت، بحسب مراقبين، تجلس على برميل بارود، قد ينفجر في أي لحظة عبر واحد من فتيلين:

الأول: استئناف المواجهات الطائفية العنيفة بين جبل محسن ومنطقة التبانة، والتي أسفرت عن سقوط عشرات القتلى في مواجهات مسلحة استعادت أجواء الحرب الأهلية.

والثاني: استئناف تنظيم «فتح الإسلام» لعملياته في المدينة التي شهدت قبل أكثر من عام حرباً ضروساً خاضها الجيش اللبناني ضد «فتح الإسلام» في مخيم نهر البارد، أسفرت في النهاية عن هزيمة التنظيم المتطرف، دون إلقاء القبض على زعيمه شاكر العبسي، الذي هدد في تسجيلات صوتية بأنه سيعاد استهداف الجيش اللبناني.

وتشير غالبية أصابع الاتهام إلى «فتح الإسلام» بالوقوف وراء انفجار طرابلس الذي وقع بالأمس، نظراً لاستهداف الجيش اللبناني في التفجير. وأدانت سوريا «بشدة» تفجير طرابلس، وأكدت «تعاطفها وتضامنها مع لبنان الشقيق في مواجهة كل الأيادي التي تعبث بأمنه واستقراره».

الانفجار فتح الباب من جديد للمطالبة بضرورة سحب السلاح من أيدي كل الفرقاء اللبنانيين، وهو الأمر الذي أثار لغطاً كبيراً، وتسبب بسجالات حادة بين المعارضة والموالاة، في أروقة البرلمان اللبناني، استمرت لستة أيام خلال المداولات بشأن بيان الحكومة التي منحت الثقة أول من أمس.

وتعززت هذه المطالبة، بتكرر الانفجارات في مخيم عين الحلوة للاجئين الفلسطينيين الذي يشكل ملاذاً للكثير من التنظيمات المتطرفة والخارجين عن القانون. حيث ألقيت قنبلة يدوية هي الرابعة خلال 48 ساعة في المخيم، على منزل أحد عناصر حركة «فتح» في المخيم المحاذي لمدينة صيدا الساحلية دون أن يؤدي إلى أضرار أو إصابات.

وبالعودة إلى زيارة الرئيس اللبناني ميشيل سليمان لدمشق، فإن القمة التي تستمر لليوم الخميس، يتوقع أن تبحث العديد من الملفات الساخنة بين البلدين، يأتي في مقدمتها، إقامة علاقات دبلوماسية بين البلدين بحسب ما أعلن الرئيس السوري بشار الأسد خلال زيارته لفرنسا للمشاركة في قمة «الاتحاد من أجل المتوسط».

إلا أن العديد من المراقبين يرون أن من المبكر التوصل لنتيجة عملية في هذا الصدد، للعديد من الاعتبارات، وأهمها الإجابات عن المخاوف الأمنية السورية من الخاصرة اللبنانية التي يرى النظام السوري أنها تستخدم منذ اغتيال الحريري لـ «حياكة المؤامرات ضدها».

وتدرك دمشق أنها معنية برسالة التفجير في طرابلس كما السلطات اللبنانية تماماً، خصوصاً وأنها جاءت في اليوم المقرر لزيارة سليمان لدمشق، ولم تستبعد بعض الأطراف اللبنانية المقربة من دمشق وقوف أعدائها في لبنان وراء التفجير.

ويعتبر ملف تبادل التمثيل الدبلوماسي أبسط الملفات إذا ما قورن ببقية الملفات التي يحملها الرئيس اللبناني معه إلى دمشق. فملف الأسرى والمفقودين اللبنانيين في السجون السورية، استبقته دمشق أول من أمس، بتنظيم اعتصام أمام وزارة الداخلية في العاصمة السورية لأهالي المفقودين في لبنان.

أما بالنسبة لملف ترسيم الحدود بين البلدين، فإن أزمة مزارع شبعا الحدودية، تبقي الأمر رهناً بتطور الأمور في اتجاه تسليم جيش الاحتلال الإسرائيلي المزارع للقوات الدولية، ولاحقاً اعتراف سوريا بلبنانيتها، ليتم بعد ذلك ترسيم الحدود.

في خضم هذا كله، تبقى الزيارة بحد ذاتها، اختراقاً كبيراً لجدار الأزمة السورية اللبنانية، خصوصاً أنها تأتي بعد طمأنة سوريا فيما يتعلق بالحفاظ على سلاح «حزب الله»، رغم الأزمة الكبيرة التي تسبب بها خلال التصويت على الثقة، وحصول المعارضة على الثلث المعطل في التشكيلة الحكومية.

من هنا، من المتوقع أن يبدأ العماد ميشيل سليمان، الذي يتمتع بعلاقات ممتازة مع السلطات السورية، بإرساء أسس جديدة للعلاقة بين الطرفين، ستأخذ وقتاً طويلاً حتى تصل مرحلة إزالة الشكوك المتبادلة وبناء عهد جديد من الثقة يعيد جسر ما انفصل.

ويعكس احتفاء الرئيس السوري بضيفه اللبناني، تعويل دمشق الكبير على هذه الزيارة في إعادة العلاقات مع بيروت، وبالتالي رفع الضغوط الدولية المستمرة منذ بداية العام 2005. لكن ودون أدنى شك، فإن على الطرفين اتخاذ خطوات كبيرة لتحقيق ذلك، ليس أقلها البدء في الإجراءات الرسمية لإقامة السفارات بين البلدين، بالتزامن مع إعادة النظر في الاتفاقيات الموقعة بينها.

بالإضافة إلى طمأنة الجانب اللبناني بأن سوريا على استعداد للاعتراف بلبنانية المزارع فوراً، وتشكيل لجنة مشتركة سورية لبنانية للبحث في مصير المفقودين بين البلدين، ومن الجانب اللبناني، فينبغي أن تشكل جلسات الحوار الوطني اللبناني للبحث في الاستراتيجية الدفاعية للبلاد، والمزمع البدء بها قريباً، مناسبة لطمأنة المخاوف السورية، من أن الرهان اللبناني لا يزال رهاناً عربياً تشكل فيه سوريا حجر الأساس.

وفي هذا الإطار يمكن أن يلعب كل من رئيس تيار المستقبل سعد الحريري، ورئيس اللقاء الوطني الديمقراطي وليد جنبلاط الدور الأكبر في إزالة مخاوف النظام السوري، عبر تأجيل البحث في ملف المحكمة الدولية في قضية اغتيال رفيق الحريري لحين انتهاء التحقيق، مع الأخذ بعين الاعتبار أن سوريا بدأت رحلة انفتاحها على الغرب عبر البوابة الفرنسية.

دبي ـ فراس كيلاني