أكد علماء الدين أن كثرة الحلف بالطلاق يمين الفساق الذين لا يبالون في أيمانهم أبقيت نساؤهم في عصمتهم أم ضاعت عنهم. ودعا العلماء المرء المسلم أن يكون حريصا على عصمة زوجته فلا يحلف إلا بالله تعالى كما أمر النبي صلى الله عليه وسلم.
ويقول الدكتور أحمد بن عبد العزيز الحداد كبير مفتيين ومدير إدارة الإفتاء بدائرة الشؤون الإسلامية والعمل الخيري بدبي إن الحلف بالطلاق شأن من لا يفقه آثاره وعواقبه الوخيمة، لأن جده جد وهزله جد كما ورد في الحديث: ثلاث جدهن جد وهزلهن جد: الطلاق والنكاح والرجعة. والمعنى أنه لا يقبل من أحد إذا حلف بالطلاق الصريح أنه لم يرده أو أنه هازل فيه فإن كلامه ماض عليه برا أو حنثا فمن حلف بالطلاق وحنث فيه وقع عليه طلاقه شاء أم أبى وإن قال إنه لم يرده لأنه كلام صادر من عاقل مسؤول عن تصرفه وكلام العقلاء مصون عن العبث كما ذهب إلى ذلك جمهور أهل العلم من الأئمة الأربعة وغيرهم، ولذلك قالوا إن الحلف بالطلاق يمين الفساق أي الذين لا يبالون في أيمانهم أبقيت نساؤهم في عصمتهم أم ضاعت عنهم.
التوعية الدينية والأخلاقية : وأكد الدكتور الحداد أن على المسلمين أن يكونوا حريصين على زوجاتهم فلا يجوز الحلف إلا بالله تعالى كما أمر النبي صلى الله عليه وسلم بذلك بقوله: من كان حالفاً فليحلف بالله تعالى، وذلك لأن الحلف يعني تعظيم المحلوف به وذلك لا ينبغي أن يكون إلا لله تعالى. وأضاف أنه إذا التزم المسلم بهدي نبيه وشرعه كان له من ضيقه مخرجا حيث إنه إذا حنث كفر عن يمينه لكنه إن خالف وعصى فحلف بغير الله من طلاق امرأته أو نذر بماله فلا بد له أن يقع ذلك عليه لأنه ضيق على نفسه، وقد جاء رجل إلى ابن عباس رضي الله تعالى عنهما فقال: يا ابن عباس إني طلقت امرأتي ثلاثا وأنا غضبان، فقال له: إن ابن عباس لا يستطيع أن يحل لك ما حرم عليك، عصيت ربك وحرمت عليك امرأتك، إنك لم تتق الله فيجعل لك مخرجا.
وعن كيفية حل المشكلات التي تتسبب في الطلاق قال الدكتور الحداد إنه يمكن أن تحل كثير من مشاكل الطلاق بالتوعية الدينية والأخلاقية قبل الزواج وبعده، فإن كثيرا من هذه المشاكل تأتي كنتيجة للجهل بالعواقب الوخيمة التي تعقب الطلاق. فكثيرا ما يندم الزوجان أو أحدهما على التصرف الأخرق الذي قد لا يكون له علاج شرعي بعد أن يكون الزوج قد استنفد ما يملك من الطلاق فيريد أن يرجع إلى زوجته بالحق أو الباطل وما يدري أنه قد أوصد الأبواب لذلك فيندم، كما قال الفرزدق ولكن ولات حين مندم، ولو أنه اتقى الله تبارك وتعالى وتعامل مع أهله بالإحسان وصبر واحتسب لكان خيرا له.
فإن الله تبارك وتعالى قارن حديث عن الطلاق والأسرة في سورة الطلاق بتقواه سبحانه وتعالى بنحو إحدى عشرة مرة أي في كل آية من آياتها تقريبا للتدليل على أن مراقبة الله تعالى لازمة في هذه الحالة وأنها هي المانعة من الوصول إلى النتائج السلبية للزوجين والمجتمع، فعلى الزوجين أن يراقبا ربهما سبحانه ويخشونه حق خشيته ويتعاملا بينهم بإحسان فإن الله تعالى شرط لبقاء الحياة الزوجية أن تكون بإحسان ومعروف لأن بذلك يتحقق الوئام وتكمل الرحمة.
وقال إن الدائرة تقوم بدور كبير في نفع الأمة الإسلامية عموما والمواطنين والمقيمين على حد سواء خصوصا، وذلك بما تقدمه من بيان للأحكام الشرعية والمعاني الإيمانية والتفسيرية والحديثية والسلوكية وغيرها، وحل المشاكل المالية والاجتماعية والأسرية ومن نشاط دعوي تثقيفي وتربوي، وبوسائل مختلفة مباشرة وهاتفية وشبكية، كل ذلك آناء الليل والنهار،من خلال أنشطة متعددة، فلا تترك مجالا لإفادة الناس بمقدورها فعله إلا فعلته، ومن ذلك أن هواتف المشايخ الفضلاء في خدمة السائلين على مدار الساعة إلا وقت النوم.
الأحكام الفقهية والأسرية
وقال إن حلقات الإفتاء في المساجد والمجالس تتم حسب الخطة المرسومة للدائرة، والنشاط الإعلامي الملحوظ في الإذاعة والتلفزيون والجرائد والمجلات، وقد برز هذا الجهد في الفتاوى المحررة فقط بواقع ثلاثة عشر مجلدا تحوي أحدث المسائل المعاصرة والنوازل المستجدة، فضلا عن الأحكام الفقهية والأسرية المزمنة، وكل هذا ملموس للجمهور على اختلاف شرائحه، ومن أجل ذلك تنال إدارة الإفتاء ثقة الجمهور كما يدل على ذلك الإحصاءات الكبيرة للمتعاملين معها والمراجعين لها من الأفراد والمؤسسات.
وقال إن الإدارة عددت وسائل الرد على الجمهور، فقد كانت في السابق لا تعدو الأسئلة المباشرة والهاتفية أو الرسمية وفي أوقات الدوام الرسمي فقط، أما اليوم فقد طورت آلية الرد فأدخلت شبكة المعلومات التي ترد فيها الأسئلة من مختلف دول العالم وتعرض فيها الإجابات المحررة وعن قريب كل الأسئلة الواردة على الشبكة.
ووسعت نشاط الإجابة فأوصلتها للمساجد والمجالس ووسعت شبكة الاتصال بالاتصال المباشر بالمشايخ خارج الدوام، وطورت نوع المشاركة إلى الندوات والمحاضرات في كل المناسبات في الفعاليات المختلفة كمهرجانات دبي المتعددة، والأنشطة السياحية في رمضان والأعياد، والنشرات والمطويات والكتب الفقهية والمعرفية. وقال إن الناس بحمد الله تعالى فيهم رجوع كبير لله تبارك وتعالى فيرجعون للعلماء في كل ما يشكل عليهم من أمر دينهم ودنياهم عملا بقول الله تعالى:« فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ{ [النحل/43
فنمت فيهم ثقافة السؤال عن كل صغيرة وكبيرة من أمر دينهم ودنياهم مما لا يفقهون أمره، فتراهم يسألون في أمر العبادات والمعاملات الأسرية والمادية والمسائل المعاصرة لا سيما المالية في الأسواق والأسهم والسندات والبنوك المصرفية عما يحل لهم أو يحرم عليهم، وهذه الصحوة نمت كثيرا في هذه الأزمنة بفضل الجهود الجبارة التي تبذلها دائرة الشؤون الإسلامية في تثقيف الناس وإرشادهم لأمر دينهم ودنياهم وما تقدمه كذلك فضائيات الدولة وإذاعاتها وصحفها ومجلاتها.
فضلاً عن منابرها ومنشوراتها والتي تسهم فيها جميعا إدارة الإفتاء إسهاما كبيرا كما لا يخفى، غير أن نسب الأسئلة قد تختلف قلة وكثرة فهي في الأحوال الأسرية أكثر منها في المعاملات المالية وهي في المعاملات المالية أكثر منها في العبادات ثم بقية الأمور على نسب متقاربة.
وهذا يدل على أن الأسرة تأخذ نصيبا كبيرا من جهد العلماء في إصلاح الأسر ولم شملها في ضوء شرع الله تعالى المتين وفيه إشارة على ما يعانيه المجتمع من مشاكل أسرية تعود بنسب كبيرة إلى الأوضاع الاقتصادية المتفاوتة والمضطربة مع موجات من الغلاء في جميع مناحي الحياة، غير المتناسب مع كثير من دخل الأسر لاسيما الوافدة فيؤدي إلى اختلاف وجهات النظر ونزاعات قد تفضي إلى تفكك أسري أو ميوعة أخلاقية مما يقتضي وضع حلول جذرية لمثل هذه الأمور تحقيقا للمصالح العليا للإنسان والأوطان.
سلوكيات دخيلة
ويقول الدكتور عارف الشيخ مستشار الأسرة بمحاكم دبي في كتابه (صريح العبارات في معالجة ظاهرة الطلاق في الإمارات): إننا لو قارنا مجتمع الإمارات بين الأمس واليوم لوجدنا أن كثيرا من السلوكيات دخيلة على هذا المجتمع ولا تمت إلى المنطقة وإلى عادات أهلها بصلة، بل لا تمت إلى العروبة والإسلام أحيانا بصلة، ومع ذلك فإنها تمارس، وما ذلك إلا لأنهم عايشوا تلك السلوكيات الوافدة عليهم فترة من الزمن ومازالوا فاصطبغت سلوكياتهم الأصيلة بالدخيلة حتى ظن الأبناء بأنها هي من موروثات الآباء.
ويشير إلى أن الإنسان بطبعه مجبول على حب التقليد لما يرى ولو لمرة واحدة، فما بالك لو كان يسمع ويرى ذلك الشيء كل يوم وكل ليلة بحكم معايشته له في البيت أو في العمل. ويضيف الدكتور عارف الشيخ: فعلى سبيل المثال فإن الحلف بالطلاق لم يكن من عادات أهل هذه البلاد، إذ أن ألفاظ الطلاق صريحها كنايتها معروفة لدى أبناء المنطقة.
أما قول البعض (عليه الطلاق أو عليه الطلاق بالثلاث وهو قسم أريد به الطلاق، فإنه جديد على المنطقة، والحلف بالطلاق يعد طلاقا إن نوى به الشخص الطلاق وإن لم يعد طلاقا فإنه قسم على أقل تقدير يوجب الكفارة والحنث، وهذان الأمران بالرغم من أن لهما تأثيرات سلبية على الأسر فإنهما سائدان في المجتمع الإماراتي اليوم).
ويقول الدكتور عارف الشيخ إن الطلاق في الماضي كان عارا وشائنة في جبين المرأة، وكانت المرأة تفضل الموت على الطلاق، لأنها كانت تعلم مغبة الطلاق، والزوج لم يكن يلجأ إليه لأنه يعلم بانه أبغض الحلال إلى الله، وأنه يهز عرش الرحمن.
وقال إن الفقهاء من أجل ذلك أخذوا جانب الحيطة والحذر، ففرعوا وشعبوا مسائل الطلاق وصوروها من حيث الوقوع وعدم الوقوع، فمنها الصريح ومنها الكناية ومنها الكناية الظاهرة ومنها الكناية المحتملة. وكل ذلك من أجل الإبقاء على عرى الحياة الزوجية، لأن الزواج هو الأصل الذي دعا إليه قانون الفطرة، وبه تتكون الأسرة التي هي نواة المجتمع وهي الحالة الطبيعية للإنسان.
وهل هناك أجمل من الرباط الوثيق الذي يربط الزوجين بعضهما ببعض، وقد عبر القرآن الكريم عنه بقوله (هن لباس لكم وأنتم لباس لهن). ويشير الدكتور عارف الشيخ إلى أن الإسلام هول من الطلاق بل حرمه، لأنه هدم لكيان الأسرة، فلم يبحه إلا لضرورة قصوى وهي رفع الحرج عن الزوجين.
ويقول إن بيت الزوجية أصبح اليوم في عرف من يتبع هواه مصنوعا من الزجاج حيث يتأثر باقل هزة، ولذا يستحيل للزوجة البقاء طويلا إذا لم يوافق هواها هوى الزوج الجامح الذي من السهل عليه أن يعبث بعواطف الزوجة الذليلة بحكم قوامته عليها، وقد أصبحت أسيرة في يده ورهن كلمته الجائرة.
وقال إننا نستطيع القول إن نسبة الطلاق تتزايد وترتفع كلما كان خلل التركيبة السكانية في تزايد، لأن طلاق الأجنبية مثل الزواج من الأجنبية وأسهل من الزواج من المواطنة وطلاقها. وأضاف أن أسباب الطلاق من المشاكل المشتركة للبلاد الخليجية والعربية لوجود تشابه كبير في الجوانب الاجتماعية.
وعلى سبيل المثال نرى أن معظم دول الخليج تعاني من خلل التركيبة السكانية، وبالتالي هي تشكو من هموم مشتركة مثل الثقافات الدخيلة واللغات غير العربية والسلوكيات غير السوية التي جلبتها معها فئات العمالة الوافدة، ثم الزواج من أجنبيات وغير عربيات، بالإضافة إلى تدخل الأهل وإدمان الزوج على المخدرات وفارق السن والعلاقة غير المشروعة.
أسباب
الطلاق ليس ظاهرة في الإمارات
يقول عابدين طاهر العوضي نائب المدير العام للشؤون الإدارية في بيت الخير إن الحلف بالطلاق ليس ظاهرة في الدولة كما تعرفها بعض الدول العربية والإسلامية، وهذا الحلف بدأ بشكل فردي ولم يصل إلى ظاهرة لأن مجتمع الإمارات لم يعرف ذلك، بسبب الترابط والتماسك الذي كان عليه في الماضي، ومشيرا إلى أن كثرة الحلف بالطلاق وترديده من جانب الرجل يخل ببنيان الأسرة ولا يكون هناك مصداقية بين الزوجين، ويمكن بسببه أن تضيع الأسرة وتتفكك ويتشرد الأولاد.
وقال إن كثرة الطلاق تتسبب فيه عوامل متعددة ومتشابكة منها ما هو اجتماعي ومنها ما هو ثقافي ومنها ما هو اقتصادي، ولكن من أهم هذه العوامل عدم وعي كثير من الشباب والفتيات بأهمية الزواج واستمراره. وقال إن من ضمن عوامل وأسباب الطلاق المشتركة بين مجتمع الإمارات والمجتمعات العربية الأخرى انشغال الآباء خارج المنزل وضعف سيطرتهم على البيت والأولاد، وانخراط الأمهات والزوجات في العمل، ثم خروج المرأة على تقاليد أسرتها بشكل عام بدافع الحرية والمطالبة بالمساواة.
وأضاف أن جمعية بيت الخير تقوم بمساعدة المطلقات ضمن الفئات المستحقة للمساعدة، وهي إذا كانت تحصل على مساعدة من الشؤون الاجتماعية إلا أن مساعدة الجمعية تعتبر مكملة لما تدفعه الشؤون الاجتماعية، ونأخذ في اعتبارنا أن المطلقة لا ينفق عليها مطلقها.
ظاهرة منتشرة
الرجل مهزوز الشخصية يكثر من ترديد كلمة الطلاق والمتمسك بدينه يبتعد عن الانفعالية
تقول إيمان إسماعيل عبد الله الباحثة بدائرة الشؤون الإسلامية والعمل الخيري بدبي إن الحلف بالطلاق ظاهرة منتشرة في عدد من الدول العربية والإسلامية وهذا من الأخطاء الاجتماعية الموجودة في هذه الدول حيث إن الزواج هو ميثاق غليظ من الله سبحانه لا يجوز الاستهانة به أو العبث به تحت أي مسمى.
وتشير إيمان عبد الله إلى أن بعض الأزواج يطلقون زوجاتهم بدون معرفة أو علم من خلال ترديد كلمة الطلاق ويعاشرها وهذه جريمة ولابد أن نحذر منها، وتضيف أن من الرجال من يريد أن يثبت رجولته بذلك، وأرى أن الرجل المهزوز الشخصية هو من يكثر من ترديد كلمة الطلاق على زوجته، واما الرجل الواثق من نفسه والمتمسك بدينه يكون حذرا وجادا ويبتعد عن الانفعالية ويزن كلماته قبل أن يتفوه بها.
وتضيف أن الوئام بين الزوجين يتأثر كثيرا بالخلافات غير المبررة والتي لا تستند على أساس بل تعتمد على الأقاويل والشائعات، ومؤكدة أن التثقيف الاجتماعي والأسري من قبل الوالدين ومن قبل المؤسسات المجتمعية هو صمام الأمان للأسر وللأولاد في هذه الأسر وإبعادهم عن المشاكل حتى لا يصابوا بالأمراض النفسية.
دبي ـ السيد الطنطاوي



