كان الوضع العراقي وبخاصة البند المتعلق بوضع مدينة كركوك محل سباق بين التصعيد والتهدئة، ففيما «ألغى» البرلمان جلسته استثنائية التي كانت مقررة أمس.وكانت هناك لقاءات واتصالات ماراثونية على أكثر من محور بمشاركة الأمم المتحدة والإدارة الأميركية للتوصل إلى حل وسط من بين ما تسرب عنه تأجيل انتخابات المحافظة ستة أشهر.
وأعلن النائب عن كتلة الائتلاف العراقي الموحد قيس العامري إن جلسة مجلس النواب الاستثنائية لم تعقد لعدم تحقق النصاب القانوني. وأضاف للوكالة الوطنية العراقية للأنباء (نينا) إن الكتل السياسية «في اجتماعات بغية التوصل إلى حل يرضي جميع الأطراف». ووصف النائب عن كتلة الفضيلة (15 مقعداً) باسم شريف عدم انعقاد الجلسة بدون إبلاغ النواب بصورة رسمية بـ «الإهانة ل230 نائباً»، وشدد على أن النصاب النيابي كان متوفراً.
ما يشير إلى أن التأجيل سياسي لا إجرائي، وهو أمر ينبئ بأوضاع صعبة قد تواجهها الانتخابات المرتقبة في أكتوبر المقبل. وما جرى في الأمس يعكس مدى الأزمة التي تعيشها الطبقة السياسية العراقية جراء قانون انتخابات المحافظات الذي صوت عليه في 20 يوليو الماضي لكنه أثار على الفور عاصفة كردية أحيت من جديد الدعوات لتغيير المادة 140 من الدستور المتعلقة بتطبيع الأوضاع في كركوك الغنية بالنفط والغاز عبر التوافق السياسي.
وكانت مصادر نيابية كشفت عن مساومات جرت مع التحالف الكردستاني عبر صيغة توافقية تقضي بتأجيل عقد الانتخابات في كركوك لستة أشهر مقابل تمرير قانون مجالس المحافظات في البرلمان.. فيما قال النائب عن التحالف الكردستاني محمود عثمان إن الأطراف السياسية العراقية «على وشك التوصل إلى اتفاق بشأن القانون».
وأضاف محمود عثمان أن قادة الكتل السياسية مجتمعين حاليا في بغداد مع مسعود البرزاني رئيس إقليم كردستان بحضور مبعوث الأمم المتحدة ستيفان دي مستورا والسفير الأميركي ريان كروكر. وأوضح عثمان أن تغييرات ستجري على المادة 24 التي تمت المصادقة عليها من قبل مجلس النواب في الأسبوع الخير من يوليو الماضي، مشيرا إلى «اتجاه إلى تأجيل انتخابات مجلس كركوك ستة أشهر» عن انتخابات مجالس المحافظات الأخرى.
لكن عضو مجلس النواب عن كتلة الائتلاف العراقي الموحد فالح الفياض أفاد بأن الكتل السياسية لم تتوصل لغاية مساء أمس إلى حلول ترضي جميع الأطراف. أما النائب عن الكتلة العربية للحوار الوطني عمر الجبوري فأشار إلى نقطة خلاف جديدة تتعلق بالمادة 140 من الدستور التي يسعى الأكراد لتغييرها.
وقال إن الكتل البرلمانية لم تتوصل إلى حل توافقي بشأن المادة 24 «بسبب الإضافات غير المتوقعة على ورقة الأمم المتحدة حيث أضيفت فقرة أثارت استغرابنا لأنها أقحمت المادة 140 من الدستور في المفاوضات». ويتعين على البرلمان أن يصوت للمرة الثانية على القانون الذي تشتد الحاجة إليه قبل إجراء انتخابات محلية من شأنها إعادة رسم الخريطة السياسية في البلاد.
وأمام النواب خياران: إما التصويت على القانون من جديد ونقض النقض الرئاسي الذي عبر عنه جلال طالباني الذي يحق له دستورياً الطعن في قرارات مجلس النواب لمرة واحدة فقط وبالتالي يمرر القانون، وإما أن يؤيد نقض رئاسة الجمهورية ومن ثم الرجوع إلى المربع الأول.
العنصر الخارجي
وأمام الضغط السياسي الذي يمارسه الأكراد على الحكومة المركزية في بغداد وعلى الكتل السياسية العراقية، حيث يتواجد رئيس إقليم كردستان مسعود البرزاني في العاصمة بغداد منذ أسبوعين، كان هناك ضغط من أطراف أخرى: من تركيا التي تدافع عن حقوق التركمان ومن الإدارة الأميركية التي لا تريد انتكاسة سياسية لمشروعها للعراق الجديد.
وأمس كان هناك اهتمام واضح في هذا الأمر من قبل الرئيس الأميركي جورج بوش الذي هاتف مسعود البرزاني ونائب الرئيس العراقي عادل عبدالمهدي. وأكد البرزاني لبوش، الذي تمنى أن تتفق الأطراف العراقية على القانون، أن «شعب كردستان مع إجراء انتخابات مجالس المحافظات العراقية إن جرت في إطار الدستور العراقي الدائم».
أما مادار بين بوش وعبدالمهدي فكشف عنه بيان صادر عن مكتب الثاني يفيد بأن «الجانبين اكدا على ضرورة الدعوة إلى حوار هادئ وبنّاء بين الكتل السياسية العراقية بهدف التوصل إلى حل للمسائل العالقة يرضي جميع الأطراف». أما الطرف التركي، فتحرك عبر رسالة من الرئيس عبدالله غول إلى نائب الرئيس العراقي طارق الهاشمي لم يكشف عن مضمونها. لكن وزير الخارجية العراقي هوشيار زيباري كان له موقف صارم في هذا الإطار (ربما من كونه كردياً) إذ شدد على رفض بلاده تدخل دول الجوار في مسألة كركوك.
وطالب زيباري، في اتصال هاتفي مع وزير الخارجية التركي علي باباجان، دول الجوار باحترام سيادة بلاده وعدم التدخل في شؤونها الداخلية، مشدداً على أن هناك آليات قانونية ودستورية يجري إتباعها لتسوية المشكلة دون إلحاق الأذى بمصالح أي مكون من مكونات المدينة.
إحصاء 1957
وفي ضوء الخلاف على وضع كركوك، القديم المتجدد، يصر الأكراد على أن إحصاء 1957 هو الحل الناجع للأمر، ويرون أن احتساب نسبة الزيادة السكانية بعد ذلك الإحصاء قد ينزع فتيل الأزمة، وهو ما يلقى تحفظاً كبيراً من التركمان. كما أن الأكراد يرفضون أي حل يقوم على تقسيم المحافظة إلى أربع دوائر انتخابية تشمل العرب والأكراد والتركمان والكلدوآشوريين، معتبرين أن هذا التقسيم يعد مخالفا للدستور العراقي.
اتفاقية الحكم الذاتي
نال الأكراد الحكم الذاتي في 11 مارس 1970 بموجب اتفاقية بين الحكومة العراقية والزعيم الملا مصطفى البرزاني وفيه اعترفت الحكومة العراقية بالحقوق القومية للأكراد مع تقديم ضمانات للأكراد بالمشاركة في الحكومة العراقية واستعمال اللغة الكردية في المؤسسات التعليمية ولكن لم يتم التوصل إلى حل حاسم بشأن قضية كركوك التي بقيت عالقة بانتظار نتائج احصاءات لمعرفة نسبة القوميات المختلفة التي تقطنها.
لكن هذه العملية الإحصائية التي تقرر إجراؤها ماتت حيث ساءت علاقات الحكومة العراقية مع البرزاني وخاصة عندما أعلن البرزاني حق الأكراد في نفط كركوك وهو ما اعتبرته الحكومة العراقية إعلان حرب. وهو عنصر حاول قرار انتخابات المحافظات المتخذ في 22 يوليو الماضي تلافيه عبر التأكيد على ضرورة إبقاء صلاحيات إدارة الثروة بيد الحكومة المركزية.


