ثوان قليلة إلى وجهه العصبي وحركات يديه وجسده المتشنجة، لأرى ذلك العبقري الذي أدهش عشاق السينما بروائعه الفنية، شارف علي الثمانين من عمره لكنه حتى اللحظات التي يركن فيها مثله للراحة والسكون الأخير، أتعجب كيف يعمل ويبدع ويثير ويفجر المتعة، ويحرك الفكر رغم زحف السنين وتغير الأحوال.

إنه الفنان المبدع يوسف شاهين، آخر من تبقى من جيل عباقرة فن السينما في عالمنا العربي.لا أزال أراه في ذاكرتي والأضواء الكاشفة مسلطة عليه، وهو يتسلم السعفة الذهبية من مهرجان كان عام 1997، استمر هذا المشهد الجليل أكثر من خمس دقائق، والحضور من مختلف أنحاء العالم يصفقون له، لتاريخه الذي امتد ستين عاما يصنع الأفلام التي وضعت اسم مصر والعرب علي خريطة السينما العالمية، وأصبحت أعماله علامات مهمة في تطور هذا الفن.ابتسامته البسيطة وحب الآخرين له، هو الذي يشكل الفرق بين نجوم يصنعون الفن الذي يعيشونه، ونجوم تصنعهم الدعاية الملونة وفلاشات المصورين.

في أواخر أيامه كان يخطط ويؤدي عمله الذي يحلم به، في منتهي الحيوية والإصرار والتفاؤل، مادام قلبه ينبض بالحياة، فلا يهمه إن كان موجوعا أو يعاني آلاما تفوق قدرة الإنسان العادي، فمع كل مشرط جراح كان يقدم فيلما، رغم توقعات الكثيرين وأولهم الأطباء أن اللحظة الموعودة لرحيله عن هذا العالم قد أصبحت على الحافة. تتعاقب فصول العام، وتسقط السنوات من حساباته، فهو شاب رغم المشيب الذي يكسو خصلات شعره وملامحه، ولم تتعد الكهولة لديه هذا الحاجز، وبقي فكره منطلقا ينقل إبداعه، بينما يتعاقب الخريف برياحه، والشتاء بأمطاره، والربيع بزهوره، والصيف بسخونة هوائه ونسماته الهادئة علي شط النيل.

يكبر التلاميذ ولا يكبر هو، ولم تقهر السنوات روحه الفياضة بالحب والمرح، كان طفلا مجنونا ومهووسا، يعمل بإيقاع سريع، ويتكلم برتم أسرع، في أيامه الأخيرة كان دائم النظر إلى لاشيء، يكتسي وجهه بمشاعر الحنين إلى بلاتوهات السينما، تنسال الدموع من عينيه في لحظات، تنتابه حالة اشتياق لوهج قلبه، ولكنه بخبرة الحكيم كان يدرك تماما أنه حالة محكوم عليها بالنهاية.

وما من أحد أحب السينما متفرجا عاديا أو كاتبا فيلسوفا، أو ناقدا، ممثلا أو مخرجا، إلا ويحمل له ذكرى جميلة، ربما مشهدا من أفلامه، موقفا من عبارة قالها، حنينه الدائم لأيام البراءة والمرح الصافي والفن الحقيقي الصادق، إصراره علي أن يكون مختلفا، فهو مخرج لا يقبل المناقشة خلال العمل، ولا يتنازل عن أفكاره مهما كانت خيالية.

رحل الساحر وبقيت ألعابه.. أقصد أفلامه.

اختفى الأستاذ وبقي لحنه الجميل.

إنه يحول لحظة الرحيل إلى لوحة فنية شديدة العذوبة، ظهورا واختفاء، صمتا وغروبا، امتزاج الطبيعة مع الإنسان في تداخل كامل.

هل كان يقصد أن يحكي «حدوتة مصرية»، ويعني «الآخر» في أفلامه، وهل رسالة «هي فوضي» إنذار لواقع الحال الذي بالفعل أصبح في منتهي الفوضى ؟

من العبث أن ننتظر إجابة، لأن الأسئلة ستنتهي بسكون تام وإظلام.

وينتهي الفيلم الجميل، ولم يبق لدينا سوى الحسرة على الماضي والدفء المفقود، وكأنما أراد يوسف شاهين بحياته الراحلة وأفلامه الخالدة، أن يزيل الصدأ من النفوس، ويوقظ المشاعر النائمة، بحثا عن الحب والحنين والتضحية، وهي مفردات للأسف لم تعد متداولة هذه الأيام.

شيع ألوف المصريين أمس يتقدمهم عدد من القيادات السياسية والحزبية ونجوم الفن جثمان المخرج الكبير الراحل يوسف شاهين الذي لفظ أنفاسه الأخيرة فجر أول أمس الأحد بمستشفى القوات المسلحة بالمعادي عن عمر يناهز 82 عاما بعد حياة حافلة بالعطاء السينمائي، وأقيمت جنازته في كاتدرائية القيامة للروم الكاثوليك في حي الظاهر في القاهرة.

وغصت الكنيسة بالحضور إلى جانب عشرات وقفوا في الممرات ومئات في باحتها الخارجية بانتظار انتهاء الصلاة الجنائزية على روح الفقيد.

وكان جثمان شاهين وصل إلى الكنيسة في تابوت احتضنه العلم المصري وشارك في حمله ابن شقيقته غابي خوري وتلميذه خالد يوسف وبدأت مراسم الجنازة على الفور، فانطلقت أصوات الجوقة ترتل باللغتين العربية واليونانية، ووقف الحضور طوال الجنازة وسط حشد غير مسبوق لوسائل الإعلام ما اضطر المطران جورجيوس بكر أن يطلب أكثر من مرة مغادرة مصوري شبكات التلفزيون المقاعد التي اعتلوها بأقدامهم.

ومن أبرز الذين حضروا من مختلف الأجيال الفنانات نادية لطفي ولبلبة ويسرا وليلى علوي والهام شاهين وزيزي مصطفى وشهيرة وجميل راتب وحسين فهمي ومحمود ياسين ومحمود عبد العزيز ومحمود حميدة وخالد صالح وهاني سلامة وهشام عبد الحميد واحمد فؤاد سليم وآخرون.

وحضر من أبرز المخرجين صديق شاهين وتوفيق صالح ويسري نصر الله وخيري بشارة إلى جانب مديري التصوير طارق تلمساني ومحسن أحمد.

وكان حضور أحزاب المعارضة في مصر لافتا مع رئيس حزب الوفد محمود أباظة وأمينه العام منير فخري عبد النور والأمين العام لحزب التجمع اليساري حسين عبد الرازق ورئيسة تحرير أسبوعية «الأهالي» الناطقة باسم الحزب فريدة النقاش ورئيس حزب الكرامة عضو مجلس الشعب حامدين صباحي.

وحضر مندوبا عن الرئيس المصري حسني مبارك الوزير مفيد شهاب إلى جانب الوزير ماجد جورج وحضر كذلك محافظ القاهرة عبد العظيم وزير ومدير امن القاهرة إسماعيل الشاعر.

وقد توفي شاهين أول أمس الأحد بعد غيبوبة استمرت أسابيع، نقل على اثرها إلى مستشفى في فرنسا، حيث بقي شهرا كاملا نتيجة إصابته بنزيف في الدماغ في مصر دخل بعدها في غيبوبة منذ 16 يونيو الماضي.

ومن السفراء الأجانب، حضر السفير الفرنسي فيليب كوست والسفير اللبناني عبد اللطيف مملوك، وفور نقل تابوت شاهين صاحب فيلم «الأرض» إلى السيارة التي ستحمل جثمانه إلى مقابر العائلة في الإسكندرية، انطلقت عشرات الأيدي تصفق وتهتف باسم شاهين ومصر «مع السلامة يا صوت الشعب يا شاهين».

ولحقت الجموع بالتابوت إلى خارج الكنيسة حيث أوقفها رجال الأمن إفساحا لمجال السيارة التي تقل الجثمان والسيارات المرافقة لمغادرة المنطقة.

وكانت مظاهر الحزن بادية على العديد من النجوم الذين حضروا الجنازة وعملوا مع شاهين في أفلامه لاسيما الفنانة يسرا التي رفضت الحديث مع الصحافيين ومحمود حميدة الذي انتحى جانبا بعيدا في الكنيسة.

وقال المخرج خالد يوسف وهو لا يستطيع مقاومة دموعه يكفى أن يوسف شاهين هو الذي صنع اسم خالد يوسف، وإذا كنت مخرجاً جيداً فالفضل يعود إلى الله وإلى شاهين.

بينما أكد الفنان عزت العلايلي أن اكتشافه الحقيقي كان على يد شاهين مضيفاً «أنني أعتبر فيلم الأرض هو تاريخ ميلادي والذي وضعني على أول طريق النجومية».

وقال هاني سلامة «لم أتخيل في يوم من الأيام رحيل هذا العملاق عن عالمنا، فمنذ فترة وهو يقاوم المرض وتعرض لوعكات صحية كثيرة وكان يخرج منها قوياً».

أما خالد النبوي فقال «حتى الآن أعيش في ذهول، فصورته أمامي لا تفارقني وقفشاته الكوميدية وتعليقاته لا تزال ترن في أذني، واعتبر نفسي محظوظاً لأني عملت مع هذا الرجل».

ولفت الفنان أحمد بدير إلى أنه لم يصدق خبر وفاة شاهين عندما سمعه، وكان أشبه بالمجنون وقام على الفور بالاتصال بخالد يوسف وتأكد من الخبر بمجرد سماع صوت خالد، وحينها لم يتمالك نفسه وانهار انهياراً كاملاً.

وكانت قوات الأمن أحاطت بالكنيسة لتنظيم المرور والجنازة في ساعة مبكرة من صباح اليوم في حين حضر الصحافيون قبل الجنازة بساعات.وأبدى بعض الحاضرين استغرابه إزاء قلة الأشخاص المشاركين نظراً لحجم الشهرة التي يتمتع بها الراحل.

إيطاليا: دقيقة حداد في افتتاح تظاهرة سينمائية

وقف الحاضرون في قاعة العروض الصغيرة في الهواء الطلق في مدينة مسينا بجزيرة صقلية الايطالية مساء أول أمس دقيقة صمت حدادا على روح الراحل المصري الكبير المخرج العالمي يوسف شاهين حيث تصادف يوم افتتاح التظاهرة مع إعلان وفاته في القاهرة.

وحيا الجمهور العربي والايطالي ابن الإسكندرية الذي كان يجيد الايطالية والذي قدم آخر أعماله «هي فوضى» في مهرجان البندقية العام الماضي. ويحمل مهرجان مسينا في قسمه «بحر السينما العربية» هذا العام عنوان «الكوكب امرأة» ويقدم عددا من الأفلام الروائية القصيرة والطويلة والوثائقية التي تندرج ضمن تظاهرة سينمائية وفنية ايطالية.

وعن برمجة القسم العربي من المهرجان لهذا العام، قال مديره الفني عرفان رشيد لوكالة فرانس برس انه سعى عبر الأفلام لإعطاء صورة حقيقة عن المرأة العربية تكون على عكس الصورة التي تقدمها بها وسائل الإعلام الغربية والتي يطغى عليها الجو السياسي أو الإيديولوجي وتسعى غالبا للتأكيد على تخلف مجتمعاتنا وقمعها للمرأة. وأضاف رشيد: أردت من خلال اختيارات الأفلام «إبراز حقيقة أن المرأة العربية فاعلة ومكافحة وتدافع عن حقوقها في مجتمعاتها بل هي في كثير من الأحيان تحقق نتائج كبيرة ومهمة».

والى جانب أفلام النساء، يقدم «بحر السينما العربية» أفلاما لمخرجين رجال ممن تعاطوا مع موضوع المرأة وعالجوا شؤونا تهمها لكن المهرجان الذي يشكو من ضعف الميزانية لم يستطع استقدام أفلام أكثر تعكس الواقع العربي في ما يتعلق بهذا الموضوع.

أسامة عسل

Osama614@yahoo.com